قال فلما افتتن بها وسأل عن أمرها فقيل انها متزوجة برجل من الجند وهو مسافر وله ستة أشهر في الغزو فعند ذلك كتب الى أمير الجيش يقول قدم أوريا بن حنا أمام الجيش وأعطه الراية بيده وكان أوريا زوج المرأة وكان المتقدم بالراية قليلا ما يسلم فلما وصل الكتاب فعل أمير الجيش ما أمره داود فسلم الراية الى أوريا وتقدم فقتل فكتب أمير الجيش يخبره بموت لأوريا فعند ذلك خطب داود امرأته فتزوج بها فحملت منه بولده سليمان عليهما السلام وكان اسم المرأة تشايع بنت صورى فأقام معها أياما وكان لداود اذ ذاك تسع وتسعون امرأة وقد كمل بأم سليمان المائة وهى تشايع فعند ذلك أرسل الله له ملكين بصفة رجلين فدخلا عليه من غير اذن ففزع منهما داود فقالا له {لاتخف خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط} وهو قوله تعالى (وهل أتاك نبأ الخصم اذ تسوروا المحراب) الآية فقال داود قصا على قصتكما قال {ان هذا أخى له تسع وتسعون نعجة ولى نعجة واحدة فقال أكفلنيها وعزنى في الخطاب} قال له داود {لقد ظلمك بسؤال نعجتك الى نعاجه} فضحك المدعى عليه فقال له داود تظلم وتضحك فارتفعا وهما يقولان قضى داود على نفسه فعلم داود أنه وقع في الخطيئة فخر ساجدا أربعين ليلة وهو يبكى ولا يرفع رأسه حياء من الله تعالى حتى غرقت الأرض من دموعه وأكلت الأرض من جبهته فرفع رأسه وقام فلبس المسوح وافترش الرماد تحت وجهه وعاد الى ما كان عليه فانقطع عنه الوحى وكان يقول في سجوده سبحان خالق النور رب ان لم ترحم ضعف داود وتغفر ذنبه والا صار حديثا في الخلق الى يوم القيامة ولم يزل ساجدا وهو يبكى ويتضرع الى الله تعالى حتى انشعب رأسه فجاء اليه جبرائيل وقال ياداود ان الله غفر خطيئتك فاذهب الى قبر أوريا بن حنا واسأله بأن يحاللك فانطلق الى قبر أوريا وقال ياأوريا فقال من قبره لبيك ياداودد فقال داود جعلنى في حل مما كان منى اليك فقال أوريا وما كان منك فقال عرضتك للقتل بسبب الزوجة فقال قد حاللتك من ذلك فأوحى الله اليه ياداود هلا قلت له عرضتك للقتل حتى قتلت فتزوجت بزوجتك من بعدك فعاد اليه وقال له داود ياأوريا فلباه من القبر ثانيا فقال داود يا أوريا عرضتك للقتل حتى تزوجت بزوجتك من بعدك فلما سمع أوريا بذلك سكت فناداه مرارا فلم يجبه أوريا فبكى داود وحثا التراب على رأسه فأوحى الله تعالى اليه ياداود اذا كان يوم القيامة أعطى أوريا الثواب الجزيل حتى أرضيه وأستوهبك منه فقال داود إلهى الآن طاب قلبى بمغفرتك وكرمك وذلك قوله تعالى (وان له عندنا لولفى وحسن مآب) فكان داود لا يرفع رأسه الى السماء حياء من الله تعالى وكان لا يأكل خبز الشعير الا وهو ممزوج بدموع عينيه ويذر عليه الملح وكان لا يأكله حتى يضنيه الجوع ويقول هذا أكل الخاطئين قال عطاء الخراسانى ان داود عليه السلام نقش خطيئته في كفه لئلا ينساها فكان كلما نظرها بكى. قال وهب بن منبه لما وقع داود في الخطيئة اشتغل بالبكاء والندم عن النظر في أحوال الرعية من بنى اسرائيل فعند ذلك اجتمعوا وجاءوا الى ابنه سليمان عليه السلام وقالوا له ان أباك كبر سنه واشتغل بخطيئته عن النظر في أحوال الرعية والحق أن تكون أنت متوليا على بنى اسرائيل ودخلوا على داود وتكلموا معه في ذلك وما زالوا به حتى خلع نفسه من الملك وولى ابنه سليمان ثم ان داود خرج من بنى اسرائيل ولحق بالجبل فاجتمع أعيان بنى اسرائيل وجاءوا الى سليمان وأشاروا عليه بقتل أبيه فلما بلغ داود أرسل يقول لابنه سليمان هل سمعت قط بابن قتل أباه قبلك ولكن ان جعل الله قتلى على يد بنى اسرائيل فلا تحضر أنت قتلى فانه يصير ذلك سنة من بعدك فلما بلغ سليمان ذلك لم يوافق بنى اسرائيل على قتل أبيه. قال السدى لما تاب الله على داود وأراد أن يرجع الى ملكه ركب وحارب ابنه سليمان حتى هزمه عن المدينة وقتل في هذه الوقعة نحو العشرين ألفا من بنى اسرائيل وهرب سليمان فلحقه قائد من قواد أبيه فلما ظفر بسليمان تركه للمجاهدة والغزوات هكذا نقله ابن كثير