قال وهب بن منبه كان سليمان لا يزال الخاتم معه في أصبعه دائما لا يفارقه ليلا ولا نهارا وكان اذا دخل الخلاء نزعه من اصبعه ووكل به أحد ممن يثق به وكان على ذلك الخاتم مكتوب الاسم الأعظم ففي كل مرة دخل الخلاء وان قد نزعه وأعطاه لجارية فجاء بعض الشياطين إلى تلك الجارية على صورة سليمان ولم تشك فيه الجارية فأخذ الخاتم منها ووضعه في أصبعه وخرج إلى الديوان وجلس على الكرسي فجاءت الجنود من الأنس والجن والطيور ووقفت بين يديه على عادتها ويظنون أنه سليمان فلما خرج سليمان من الخلاء طلب الخاتم من الجارية فنظرت إليه فرأت هيئته تغيرت فقات له ومن أنت فقال لها أنا سليمان بن داود فقالت له سليمان أخذ خاتمه وذهب وجلس على كرسيه فعلم أن شيطانا احتال عليها فأخذ منها الخاتم ففر سليمان إلى البراري والقفار وقد زاد به الجوع والعطش فكان بعض الأحيان يسأل الناس ليطعموه ويقول أنا سليمان بن داود ولم يصدقه الناس فأقام على هذه الحالة أربعين يوما جائعا بأثواب خلقة مكشوف الرأس ثم أنه أتى إلى ساحل البحر فرأى جماعة من الصيادين فاصطحب بهم وعمل صيادا معهم ثم أن اصف بن برخيا قال يا معشر بنى اسرائيل ان خاتم سليمان قد احتالت الشياطين عليه فسرقوه وان سليمان خرج هاربا على وجهه فلما سمع الشيطان الذي على الكرسي ذلك الكلام خرج هاربا إلى البحر وألقى قيه الخاتم فالتقمه حوت من حيتان البحر ثم أن سليمان اصطاد ذلك الحوت بأمر الله تعالى فشق بطنه واذا هو بالخاتم فوضعه في أصبعه وسجد لله شكرا ثم أنه قام من وقته ورجع إلى كرسيه وجلس عليه وذلك قوله تعالى (ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا) الآية قال وهب بن منبه وكان سبب أخذ الخاتم وعوده إليه أن سليمان خرج في بعض الغزوات فظفر بملك من ملوك اليونان فقتله واحتوى على ملكه وأمواله وأسر أولاده وكان في أولاده جارية حسناء لم تر العيون أحسن منها فأحبها سليمان حبا شديدا فكان لا يصبر عنها ساعة وكان يؤثرها بالمحبة على سائر نسائه فدخل عليها يوما فرآها مهمومة فقال لها ما بالك قالت قد تذكرت أبى وما كان عليه من الملك وأريد منك أن تأمر بعض الشياطين بأن يصور لى صورة أبى وهيئته حتى يذهب عنى الحزن كلما نظرت اليها فأمر سليمان عفريتا من الجن يقال له صخر المارد بأن يصور لها هيئة أبيها فصنع لها صخر صنما كهيئة أبيها يكاد أن ينطق فزينته وألبسته التاج والحلل وصارت اذا خرج سليمان إلى جنوده تسجد لذلك الصنم هي وجميع من عندها من الجواري فدامت تلك الجارية على ذلك أربعين يوما وسليمان لا يعلم بالسجود لذلك الصنم فبلغ ذلك آصف بن برخيا وكان صديقا لسليمان فجلس على كرسي سليمان وجعل يعظ الناس فأثنى على من مضى من الأنبياء عليهم السلام جميعهم الا سليمان فلم يذكره بشئ فتغير سليمان بسبب ذلك فلما فرغ آصف من المجلس وقام وتفرقت بنو اسرائيل قال سليمان لآصف لم لم تذكرني مع جمله من ذكرت فقال آصف وكيف أذكرك وقد عبد في دارك صنم من منذ أربعين يوما لأجل امرآة. ثم ان سليمان أمر بكسر ذلك الصنم وعاقب تلك الجارية ودخل معبده وصار يبكى ويتضرع إلى الله تعالى فابتلاه بذهاب الخاتم ونزع الملك منه مقدار ما عبد الصنم في داره {قال أبو بكر الحافظ} كان قد وقع قحط في بنى اسرائيل زمن سليمان عليه السلام فخرجوا يستسقون فمر سليمان بنملة ملقاة على قفاها رافعة يديها نحو السماء وهي تقول اللهم نجنا فاننا خلق من خلقك ضعاف لا قوة لنا فلا تهلكنا ولا تؤاخذنا بذنوب غيرنا سمعها سليمان قال ارجعوا فقد سقيتم بدعاء غيركم.