قال الشيخ أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزى ان الذى عرف من الجبال في سائر أقاليم الدنيا مائة وثمانية وتسعون جبلا فالمشهور منها ما سنذكره دون غيره من الجبال أخرج ابن أبى الدنيا في كتاب الورع ان أول جبل وضع على وجه الارض جبل أبى قبيس الذى بمكة وقال الواقدى ان جبل قاف أبو الجبال كلها وقد جعل الله تعالى لكل جبل من جبال الدنيا عروقا متصلة به. روى في بعض الاخبار أن الله تعالى وكل بجبل قاف ملكا عظيم الخلقة يقال له قاف فاذا أراد الله تعالى زلزلة في الارض أو خسف ناحية أمر ذلك الملك الموكل بجبل قاف أن يحرك عرقا من عروقه فاذا حركه تزلزلت تلك الارض أو خسف بها. وقال ابن عباس رضى الله عنهما ان جبل قاف محيط بالدنيا وهو جبل عظيم لا يعلم قدره الا الله تعالى وقد أقسم به في القرآن العظيم فقال عز من قائل (ق والقرآن المجيد) قال كعب الاحبار رضى الله عنه ان خلف جبل قاف سبعين ألف أرض من فضة ومثلها من حديد ومثلها من مسك وهى مشرقة بالنور وسكانها ملائكة ولا يرى فيها قمر ولا شمس ولا حر ولا برد طول كل أرض عشرة آلاف سنة وخلف ذلك بحار من ظلمة وخلف ذلك حجاب من ريح وخلف ذلك حية عظيمة محيطة بجميع الدنيا تسبح الله تعالى الى يوم القيامة. وروى في بعض الاخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال خلق الله تعالى أرضا بيضاء مثل الفضة وهى قدر الدنيا ثلاثين مرة وبها أمم كثيرة لا يعصون الله طرفة عين قالت الصحابة يارسول الله أمن ولد آدم هم قال لا يعلمهم غير الله ليس لهم علم بآدم قالوا يارسول الله فأين ابليس منهم فقال ولا يعلمون بأبليس ثم تلا قوله تعالى (ويخلق ما لاتعلمون) قال وهب بن منبه ان بالقرب من جبل قاف أرضا رجراجية لا تستقر عليها الاقدام وبها صنم من نحاس وهو ماد يده الى ورائه كأنه يقول ليس ورائى مسلك ويقال ان ذا القرنين وصل الى تلك الأرض في سبعين ألفا من عسكره فماتوا جميعا. وأما جبل الجودى الذى رست عليه سفينة نوح عليه السلام فانه من جبال الموصل وقد روى في بعض الاخبار ان الله تعالى أوحى الى الجبال أترسو السفينة على جبل منكن فتشامخت الجبال كلها الا جبل الجودى فانه تواضع وخر ساجدا لله تعالى فأرسى الله السفينة عليه ويقال ان حجارة الكعبة نقلت من جبل الجودى حتى يصير ثقله في ميزان من يحج. وأما جبل الراهون وهو الذى أهبط عليه آدم عليه السلام لما أخرج من الجنة ويروى أن في هذا الجبل أثر أقدام آدم وهى مغموسة في الحجر وطولها نحو عشرة أذرع ويرى على هذا الجبل نور ساطع يشبه البرق لا يزال ليلا ونهارا وهو محيط بأرض الهند مشرف على وادى سرنديب وان أهل هذه الناحية أقوام يقال لهم البرهت يقرون بالله تعالى ويجحدون الأنبياء وهم عراة الاجسام ولهم شعور تغطى عوراتهم وطعامهم من أشجار تلك الناحية وشرابهم من عيون هناك. وبهذا الجبل دابة تسمى الكركند وهى مشهورة به وبهذا الجبل معدن الياقوت الاحمر والاصفر والازرق وبه حجر الماس وحجر السنبادج وغير ذلك من المعادن الفاخرة وبتلك الأرض أنواع الطيب كالسنبل والقرنفل وغير ذلك من العطر الطيب. ويقالان الياقوت حصى ذلك الجبل وينحدر منه بالسيول وفيه تعشش النسور فاذا لم ينحدر منه شئ بالسيول يذبح أهل تلك النواحى شيئا من الحيوانات ويسلخون جلده ثم يقطعون لحمه قطعا كبارا ويتركونها تحت ذيل الجبل فتأتى اليها النسور فترفع ذلك اللحم وتنزل به على الجبل عند أوكارها فاذا وضعته على الأرض تعلق به حصى الياقوت ثم تأتى اليه نسور أخرى فتخطفه وتطير به إلى أرض أخرى فتضعه فيلتقط حصى ثم تخطفه نسور أخرى فربما هى طائرة به يقع منه حصى إلى أسفل الجبل فيلتقط الحصى المراقبون له وهذا الجبل شاهق في الهواء صعب المسالك جدا وبأرضه حيات عظيمة تبتلع الجمل والفرس والآدمى فاذا ثقل في بطنها عمدت إلى أصل شجرة والتوت عليها فتقذف ما في باطنها وقال ارسطاطا ليس ان في بحر الهند جبلا اذا قربت السفن من هذا الجبل تناثرت مسامير الحديد التى فيها جميعا وتأتى فتلصق بهذا الجبل وهذا من سر حجارة المغناطيس فان الحديد يجذبه حجر المغناطيس جذبا قويا وأما جبل القمر فقد تقدم ذكره في أخبار النيل وأما جبل الفتح فببلاد التتر يسكنه أمم من قبائل التتر نحو سبعين أمة لكل أمة لسان وهو جبل عال وفيه مغاور وشعاب وأودية ومفاوز انتهى ذلك.