قال الله تعالى (واذ قالت الملائكة يا مريم ان الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين) الآية قال وهب بن منبه كانت حنة أم مريم أخت زوجة زكريا وكان أبو مريم رجلا من بني إسرائيل يقال له عمران وكان إمام المسجد الاقصى فلما حملت منه أملت أن يكون ما في بطنها ولد ذكرا فقال ان ولدت ولدا ذكرا فليكن خادما للمتعبدين بالمسجد الاقصى يسقيهم الماء عند الافطار ويحمل لهم الزاد على رأسه ولهذا قالت (رب اني نذرت لك ما في بطني محررا) فلما أخبرت زوجها بما نذرت قال لها قد أخطأت فيما نذرت فربما تلدين أنثى فكيف تخدم الرجال في المسجد فلما وضعتها وجدتها أنثى وهو قوله تعالى (فلما وضعتها قالت ربي انى وضعتها انثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى واني سميتها مريم) الآية فضاق صدرها من ذلك النذر حيث كانت أنثى ثم أن حنة سمت بنتها مريم ومعنى ذلك لا عيب فيها ثم ان عمران أبا مريم مات وهي صغيرة مرضع ثم ان حنة أقامت بعد زوجها عمران مدة يسيرة وماتت فلما ماتت حنة أخذ مريم زكريا زوج اختها أم يحيى وكفلها بعد أمها كما أخبر الله تعالي حيث قال (وكفلها زكريا) قال السدى كان زكريا رجلا فقيرا ضيق المعيشة فلما كفل مريم صار اذا دخل عليها يجد عندها فاكهة الشتاء في أوان الصيف ووفاكهة الصيف في أوان الشتاء وهو قوله تعالى (كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أني لك هذا قالت هو من عند الله ان الله يرزق من يشاء بغير حساب) 0 قال وهب بن منبه كانت مريم قد خالفت عادة النساء لأن النساء لا يرجعن الى الطاعة والعبادة إلا بعد مضي الشباب ومريم تعبدت وهي طفلة صغيرة وأخذت عادة العجائز في العبادة والاعتكاف عن الناس فكان زكريا يتعجب من حال مريم في العبادة فلما بلغت مبلغ النساء أتاها الحيض فلما طهرت ارادت الاغتسال فخرجت الى عين ماء فجاء اليها جبرائيل عليه السلام في صورة شاب من بني إسرائيل يسمى تقيا وكان مشهورا في زمانه بالشقاوة من الفساد والزنا قال تعالى (فأرسلنا اليها روحنا) أي جبريل (فتمثل لها بشرا سويا قال اني أعوذ بالرحمن منك ان كنت تقيا) فقال لها جبريل عليه السلام (انما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا قالت أني يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا قال كذلك قال ربك هو علي هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمرا مقضينا) فمد جبرائيل يديه وأخذ بذيل قميصها ونفخ فيه فلما بلغت النفخة الى صدرها خلق الله تعالي من تلك النفخة عيسى عليه السلام وقد قال الله تعالى (والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وابنها آية للعالمين) . قال العلماء ان الله تعالى خلق آدم من غير أب وأم وخلق حواء من غير أم وخلق سائر المخلوقات من أب وأم فأراد الله تعالى أن يكمل العناصر أربعة فخلق عيسى من غير أب فكمل بدائع حكمته وقد قال الله تعالى (ان مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون) 0 قال وهب بن منبه لما حملت مرين بعيسى كانت مدة حملها ساعة واحدة لقوله تعالى (فحملته فانتبذت به مكانا قصيا فاجاءها المخاض الى جذع النخلة قالت ياليتنى مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا) قال ابن عباس رضي الله عنهما كان مدة حملها ثمانية أشهر وقد جرت العادة أن من ولد لثمانية أشهر لا يعيش 0 قال مجاهد بل كان حملها تسعة أشهر كعادة النساء. قال السدى وكان وضعه ببيت لحم بالقرب من بيت المقدس وولدته ليلة الاثنين التاسع والعشرين من كيهك من شهور القبط المعروفة بليلة الميلاد عند النصارى وفيها يشتد البرد فلما قالت مريم (ياليتني مت قبل هذا) ناداها من تحتها أن لا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا وهزي اليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا) قال وهب بن منبه ان النخلة التي أمرت مريم بهزها كان لها نحو سبعين سنة يابسة لم تثمر فلما وضعت سيدنا عيسى عليه السلام بجانبها أورقت في الحال وأثمرت وصار البلح رطب جنيا من وقته معجزة له وكرامة لها وأمرها بالهز تعاطيا للأسباب فتساقط عليها الرطب كما أخبر الله تعالى وقيل في المعنى
أم تر أن الله قال لمريم ... وهزى اليك الجذع يساقط الرطب
ولو أدنى الجذع من غير هزها ... جنته ولكن كل شيء له سبب