انتهى ومن هنا نرجع الى ما كنا فيه قال ثم أوحى الله الى نوح يانوح اذا فار التنور من بيت ابنك سام فاركب في السفينة. وكان سام أكبر أولاده وهو يومئذ ابن ثلثمائة سنة. وكان متزوجا بإمرأة تسمى رحمة فجاء نوح الى بيت ابنه سام وقال يارحمة ان مبدأ الطوفان يكون من هذا التنور الذى تخبزين فيه فاذا رأيت التنور قد فار فأسرعى الىّ من وقتك وأخبرينى وكان هذا التنور من حجر أسود فلما كان يوم الجمعة لعشر مضين من رجب كانت رحمة تخبز في التنور فلما كان آخر رغيف واذا بالماء قد فار وهو قوله تعالى (حتى اذا جاء أمرنا وفار التنور) الآية فلما رأت رحمة ذلك صاحل الله أكبر قد جاء ما وعد الله به من العذاب وقد صدق نبى الله نوح فبادرت رحمة الى نوح وأخبرته بفوران التنور فقال نوح لا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم وكان نوح قد جهز ما كان يحتاج اليه في السفينة حتى علف الدواب والطير فلما أعلمته رحمة بذلك أتى الى بيت ابنه سام فرأى الماء يفور من التنور قد ملأ صحن الدار وهو يخرج من الباب كانهر العظيم فلما رأى ذلك توجه الى السفينة وهو ينادى ياقوم النجاة النجاة فأتوا الى السفينة وكانت عدتهم أربعين امرأة وأربعين رجلا ثم ان نوحا قال لابنه كنعان (اركب معنا ولا تكن مع الكافرين قال سآوى الى جبل يعصمنى من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم وحال بينهما الموج فكان من المغرقين) . وقد أخبر الله عنه انه غير صالح. قال وهب بن منبه ان كنعان بن نوح غرق قبل أن يصل الى الجبل قال ابن عباس لما فار التنور فتحت أبواب السماء بالمطر من غير سحاب وأظلمت الدنيا ظلمة شديدة فكانت ملائكة الغضب تضرب بأجنحتها على وجه الشمس فكانت السماء تقول لولا الحد الذى حده الله تعالى لغاض الماء الى الأرض السابعة وكان الرجل يمشى في الطرقات والماء ينبع من تحت رجليه وكانت المرأة قائمة في بيتها فينبع الماء من تحتها وهو يفور ويغلى كغليان القدور وصار الماء ينبع من سائر أقطار الأرض فلما فار الماء في مدينة أمسوس وكانت يومئذ كرسى مملكة الملك سوريد وسمع صريخ العالم ركب في عظماء قومه ووقف على جبل عال ليرى أحوال الناس وهو متفكر في هذا الماء فلم يشعر إلا والماء يفور من تحت حافر فرسه فرجع الى قصره فما صار في قصره إلا والماء صار له موج عظيم كالجبال وما بقى بظهر الأرض من شئ. قال وهب بن منبه كان مبدأ الطوفان من الكوفة وبها فار التنور. وأما نوح فانه ركب السفينة هو وأهله وقد تقدم ذكر ذلك. ويروى أن عوج بن عنق لما رأى هذه الأهوال أتى الى السفينة ووضع يده عليها فقال له نوح ما تريد ياعدو الله فقال له عوج لا بأس عليك يانبى الله دعنى أمش مع السفينة حيث مشت فأضع يدى عليها وأستأنس بها من الفزع وأسمع تسبيح الملائكة فأوحى الله الى نوح لا تخش من عوج ودعه يمش مع السفينة حيث سارت ثم ان نوحا أغلق أبواب السفينة (وقال اركبو فيها بسم الله مجريها ومرساها) فصارت تمشى بهم بين أمواج كالجبال وقد قال الله تعالى (انا لما طغى الماء حملنا كم في الجاية) . ويروى أن الله تعالى لما أرسل الطوفان رفع البيت المعمور الذى كان أنزله في زمن آدم وكان من ياقوتة حمراء فلما طغى الماء رفعه الله تعالى الى السماء. وسمى البيت المعمور العتيق لأنه صار عتيقا من الطوفان فلما سارت السفينة أتت الى مكان الكعبة وطافت به سبعا ثم أتت الى مكان بيت المقدس فزارته وكانت السفينة لا تمر بنوح على مكان حتى تنادى يانوح هذا مكان كذا وكذا فطافت به من المشرق الى المغرب وكان حول السفينة تسعون ألف ملك يحفضونها من العذاب المنزل فكانت تجرى في الماء كجرى القمر في الفلك فلم تكن الا ساعة يسيرة حتى ارتفع الماء فوق رؤس الجبال مقدار أربعين ذراعاوعم الأرض والجبال ولم يبق على وجه الأرض ذو روح غير أهل السفينة وعوج بن عنق إلا هلك ولم تبق مدينة ولا قرية الا خربت ولم يبق أثر إلا الأهرام والبرابى فنها كانت محكمة البناء ومن النوادر الغريبة ما رواه الثعلبى في أخبار الطوفان ان إمرأة حملت ولدا صغيرا مرضعا ولم يكن في القوم من الاطفال غيره فلما ارتفع الماء حملت ابنها على عنقها وهربت وصعدت الى جبل عال لتعتصم به من الماء فلما غشيها الماء حملت ابنها على عنقها فلما بلغ الماء فمها رفعته بيدها الى أعلى رأسها فلما غمرها