فعند ذلك قال سليمان قاصدا الهدهد (لأعذبنه عذابا شديدا) الآيه قال بعض العلماء في المعنى عذابه الشديد ما هو فقيل بأن ينتف ريشه ويسلمه إلى النمل في القيلولة أو يضعه مع غير جنسه أو يذبحه فلما أقبل الهدهد تلقاه العقاب وأخبره بما قاله سليمان فلما وصل إليه وقف بين يديه وخفض جناح الذل فلما رأى سليمان ذلك منه رق له ولم يجعل عليه وسأله عن سبب غيابه فقال الهدهد أحطت بما لم تحط به علما فقال سليمان وما هذه الدعوى العريضة قال إنى وجدت امرأة بأرض اليمن لم يكن في قصرك مثلها ولم تقع العيون على أحسن منها واسمها بلقيس ولها عرش عظيم أى أكبر من عرشك وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله تعالى قال الطبرى ان اسم بلقيس بلقمة وهي بنت هداد بن شرحبيل فلما بلغ سليمان سيرة بلقيس وأنها تسجد للشمس من دون الله أخذ سليمان يدعوها للاسلام فقال للهدهد (سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين أذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تول عنهم فأنظر ماذا يرجعون) وكان مضمون كتاب سليمان (انه من سليمان وأنه بسم الله الرحمن الرحيم أن لا تعلوا على وأئتونى مسلمين) فأخذ الهدهد كتاب سليمان ومضى به إلى أرض سبأ وهو قوله (وجئتك من سبأ) أى من نواحى اليمن فسار الهدهد والطيور حوله وألبسه سليمان التاج على رأسه فحمل الكتاب في منقاره وصار يدعى من يومئذ رسول سليمان فلما وصل إلى قصر بلقيس وكان وقت القائلة وجدها على سريرها نائمة وكان في قصرها ثلاثمائة وستون كوة تشرق الشمس كل يوم من كوة فلا تعود إليها الا في سنة أخرى في مثل ذلك اليوم وكان لذلك القصر سبعة أبواب فلما أتى الهدهد بالكتاب دخل به من الكوة التي تقابل وحه بلقيس وألقى الكتاب على صدرها ثم رجع إلى تلك الكوة التي دخل منها لينظر ماذا تصنع فلما أنتبهت من منامها وجدت الكتاب على صدرها فلما قرأته قبلته ووضعته على رأسها قال السدي لما ألقى الهدهد الكتاب على صدر بلقيس طار الشرك من قلبها ومالت إلى الأسلام ثم أنها أمرت باحضار قومها و (قالت يا أيها الملأ إنى ألقى إلى كتاب كريم) قبل كرامته ختمه فأعلمتهم بما في الكتاب فلما سمعوا ذلك (قالوا نحن أولوا قوة وأولوا بأس شديد والأمر إليك فأنظرى ماذا تأمرين) وكانت بلقيس تحكم على أثني عشر قبيلة من قبائل اليمن فلما قال قومها نحن أولوا قوة وأولوا بأس شديد (قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذله وكذلك يفعلون وإنى مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون) وكانت بلقيس من ذوى العقول قد دبيرت ملك اليمن وساست الرعية أحسن سياسة قال قتادة ان بلقيس أرسلت إلى سليمان هدية حافلة أرسلت خمسمائة لبنة من الذهب ومثلها من الفضة وزن كل لبنة مائة رطل وخمسة أسياف من الصواعق وتاجين من الذهب فيهما من الجواهر النفيسة واليواقيت والزبرجد وأرسلت إليه حقه فيها درة مثمنة وخرزة من الجزع وهى مموجة الثقب وأرسلت خمسمائة جارية وخمسمائة غلام مردا وألبست الغلمان لبس الجوارى والجوارى لبس الغلمان ثم أمرت الغلمان أن يتكلموا بكلام لين والجوارى يتكلمن بكلام غليظ وأرسلت مع تلك الهدية رجلا من عقلاء قومها يقال له المنذر بن عمرو وكتبت له كتابا بشرح الهدية وقالت ان كنت نبيا فميز لنا بين الجوارى والغلمان وأخبر بما في الحقة قبل أن تفتحها وأثقب الخرزة ثقبا مستويا من غير علاج إنس ولا جان وأنظم الخرزة كذلك ثم قالت للرسول أنظر إليه فأن كان نظره إليك بغير غضب فهو نبي والا فهو ملك فلا يهولنك أمره وأفهم قوله ورد على الجواب كما تسمعه منه فلما توجه إلى سليمان سبقه الهدهد وأخبر سليمان بالهدية وبما قالته بلقيس جميعه فلما سمع سليمان بذلك رضى على الهدهد وصارت له فضيلة على سائر الطيور وصار يرى الماء تحت الأرض فكان دليل سليمان على الماء في سفره وصار من الطيور المباركة. ثم أن سليمان أمر الجن أن يعملوا لبنا من ذهب وفضة ويفرشوها على طريق جماعة بلقيس فلما فرشوها كانت مقدار سبعة فراسخ ثم أمرهم أن يجعلوا بين اللبنات موضعا خاليا على قدر اللبنات التى مع رسول بلقيس قدرا وعددا وجلس سليمان على كرسيه فأمر الجن أن يأتوه بأحسن دواب البر والبحر فيجعلوها عن يمين الديوان وعن شماله وجعل من حوله الأنس والجن والطيور عاكفة فوق رأسه والوحوش حول ذلك كله فلما وصل رسول بلقيس ومر على تلك