وليس في هذه الآية وجه دلالة على قولهم الفاسد هذا فالله جلّ ذكره لم يقل"وما كنّا مكفرين حتى نبعث رسولًا"!.
وإنّما قال {معذِّبين} والمقصود بذلك عذاب الإستئصال الدنيوي وهي كقوله تعالى {وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا} , أو العذاب الأخروي كما قال تعالى {كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَاتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى} .
أمّا التكفير خصوصًا في الشرك الأكبر وعبادة غير الله فليس هو المراد بذلك، إذ الكافر إمّا أن يكون كافرًا معاندًا كالمغضوب عليهم عرفوا الحق وكفروا به، أو يكون كافرا جاهلًا معرضًا أو مضلّلًا كالضالِّين الذي لبّس عليهم علماؤهم.
وليس كل كافر يكون كفره عن علم وجحود للحق بل أكثر الكفار جُهّال ضلاّل وإنما أوردهم النار كفرهم بتقليد ساداتهم وكبرائهم وآبائهم ويحسبون أنّهم يُحسنون صنعًا.
وباب الشرك الأكبر الصريح قد أقام الله عليه حججه البالغة فلا يُعذر الجاهل فيه لأنّ جهله والحالة كذلك إنما يكون إعراضًا عن الدين وعن تعلم أهم ما خلق من أجله وليس جهل من لم تقم عليه الحجّة.
وفي قصة زيد بن عمرو بن نُفيل عبرة فقد حقّق التوحيد دون أن يبعث رسول خاص بزمانه وذلك قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلّم مباشرة فقد كان من القوم الذين قال الله تعالى فيهم {لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ} ومع ذلك فقد كان زيد حنيفًا على ملّة سيدنا إبراهيم اهتدى إلى التوحيد بفطرته فكان يبرأ من طواغيت قومه ويجتنب عبادتها ونصرتها، وكان ذلك كافيًا لنجاته، فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه يبعث أمة وحده، ورآه صلى الله عليه وسلم، وقد قُدِّمت له سُفرة"مذبوحة على نصبهم"فأبى أن يأكلها وقال: (إني لست آكل مما تذبحون على أنصابكم) وكان يعيب على قريش ذبائحهم ويقول: (الشاة خلقها الله وأنزل لها من السماء الماء، وأنبت لها من الأرض ثم أنتم تذبحونها على غير اسم الله، إنكارًا لذلك وإعظامًا له) رواه البخاري. .
فتأمّل كيف أنّ التوحيد مزروع في الفطرة وأنّ الشرك هو الطارئ الذي اخترعه الناس وانحرفوا إليه.
فهذا رجل لم يأته نبي خاص بزمانه، ومع هذا عرف التوحيد وحقّقه فنجا وعُذر بتفاصيل الشريعة والعبادات التي لا تُعرف إلاّ عن طريق الحجّة الرسالية فقد كان يقول كما في رواية ابن إسحاق:"اللهم لو أعلم أحب الوجوه إليك لعبدتك به، ولكني لا أعلمه، ثم يسجد على الأرض براحته".
فعُذر بترك الصلاة والصيام ونحوه من الشرائع التي لا تُعرف إلاّ عن طريق الرسل.
بينما لم يُعذر أهل زمانه ومنهم والديّ النبي صلى الله عليه وسلّم لأنّهم لم يحقِّقوا التوحيد ويبرأوا من الشرك والكفر والتنديد مع أنّهم لم يأتهم نذير كما أخبر تعالى.