فتدبّر هذا المعنى جيدًا واعلم أنّ هذا الباب (باب العذر بالجهل) قد تكلّم فيه العلماء وخاض فيه المتأخرون ولا يفهمه حق الفهم إلاّ من أحاط به من جوانبه أمّا من أخذ منه بنص واحد وبنى عليه المسائل الكبار فقد جانب الصواب وأبعد النجعة.
واعلم بعد هذا كله أنّ كفر هؤلاء الطواغيت وأنصارهم اليوم ليس هو من الجهل بمعنى عدم بلوغ الحجّة الرسالية فقد بُعِث خاتم الرسل وليس بعده ثَم رسول, وكتاب الله الذي عُلِّقت به النذارة محفوظ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهو بين أيديهم
ولكن أكثر الناس استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة فهم معرضون عن طلب الحق وعن اتباعه فكفرهم كفر إعراض وليس بسبب عدم بلوغ الحجّة الرسالية.
ثم اعلم أن الذين {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ} كانوا يجهلون أنّ الطاعة في التشريع عبادة وشرك كما في حديث عُدي بن حاتم الصحيح بمجموع طرقه وفيه قوله"ما عبدوهم"فما كانوا يعرفون أن الطاعة في التحليل والتحريم والتشريع عبادة ومع هذا كفروا بصرف ذلك لغير الله وصاروا به متخذين أربابًا من دون الله ولم يُعذروا بهذا الجهل.
لأنّ الأمر منافٍ للفطرة التي فطر الله الناس عليها, فالذي خلق ورزق وصوّر وبرأ هو الذي لا يجوز أن يشرِّع ويأمر ويحكم أحد سواه، وقد بعث الله كافة رسله وأنزل جميع كتبه لأجل توحيد الله بالعبادة وإفراده بالحكم والتشريع واجتناب عبادة من سواه، ثم الأمر بعد ذلك في زماننا أوضح من ذلك فهذا الضابط أو ذلك الشرطي وذلك المخابرات أو الأمن الوقائي، إذا ما سألته عن دينه زعم أنّه الإسلام وأنّ كتابه القرآن، وأنه يتلوه آناء الليل وأطراف النهار زيادة في إقامة الحجة!! ثم هو مع ذلك يخذل الإسلام والقرآن ويحاكم ويسجن ويتجسّس على من يسعى لتحكيمه ونصرته ويحارب كل من يدعوا إلى التوحيد والبراءة من الشرك والتنديد وينصر في المقابل شرع الطاغوت وقانونه الوضعي ودستوره الشركي الذي ألغى أحكام الشرع ويظاهر أولياءه من أعداء التوحيد ويتولاهم ويُعينهم على أهل الحق.
فهل مناقضة هذا لدين الله تخفى على من زعم الإسلام؟ وهل هي من الغامضات والمشكلات الملتبسات حتى يقال"لم تقم عليهم الحجّة"؟.
إنّ الأمر والله أوضح من الشمس في رابعة النهار.
فها هنا صفّان وفريقان يختصمون: صف شرك وصف توحيد صف القانون الوضعي وصف الشريعة المطهّرة وهؤلاء القوم يختارون بمحض إرادتهم وبكامل عقلهم واختيارهم صف الطاغوت إمّا حبًّا له أو استحبابًا للحياة الدنيا"الراتب والتقاعد"ونحوه على الآخرة يقاتلون في سبيله وينصرونه ويحاربون من ناوأه أو اجتنبه من أهل صف التوحيد {الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ} .