لأنّنا كما في الحديث"لم نؤمر أن نشقّ عن قلوب الناس ولا عن صدورهم".
ولذلك قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه كما في صحيح البخاري"إنّ ناسًا كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلّم فمن أظهر لنا خيرًا أمناه وقربناه وليس لنا من سريرته شيء الله يحاسب سريرته ومن أظهر لنا سوءًا لم نأمنه ولم نصدِّقه وإنْ قال أنّ سريرته حسنة".
وفي حديث البخاري أيضًا في قصة الجيش الذي يغزو الكعبة فيخسف الله بأوله وآخره مع أنّ فيهم من ليس منهم والمجبور ونحوهم.
ففي ذلك دلالة واضحة على هذا الأمر، لأنّ أمّ المؤمنين حينما سألت رسول الله صلى الله عليه وسلّم عن حكم هؤلاء الذين خرجوا مكثرين لسواد ذلك الجيش وليس بنيّتهم قتال المؤمنين قال:"يهلكون مهلكًا واحدًا ويُبعثون على نيّاتهم يوم القيامة".
وفي هذا يقول شيخ الإسلام في الفتاوى (28/ 537) وهو يتكلم عن جيش عبيد الياسق"الدستور التّتري"وفيهم من كان يصلِّي ويزعم الإكراه ونحوه.
قال:"فالله تعالى قد أهلك الجيش الذي أراد أن ينتهك حرماته -المكره فيهم وغير المكره- مع قدرته على التمييز بينهم، مع أنه يبعثهم على نياتهم، فكيف يجب على المؤمنين المجاهدين أن يميزوا بين المكره وغيره وهم لا يعلمون ذلك؟!"أ. هـ
أقول: وأنّى لنا ذلك؟ وكيف؟! وهل لنا إلاّ أحكام الظاهر.
فهذا صفٌّ خرج محاربًا لأهل الإسلام مكثرا لسواد أهل الشرك والأوثان فحكم من كان فيه وأظهر تولِّيه ونصرته في الدنيا حكمهم وليس لنا نحن بأحكام الآخرة الآن.
ويدل على ذلك معاملة رسول الله صلى الله عليه وسلّم للعباس حين أُسِر في صف الكفار ببدر فزعم أنّه مسلم وأنه خرج مكرهًا فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلّم"أمّا سريرتك فإلى الله وأمّا ظاهرك فلنا".رواه الإمام أحمد وفيه راو لم يسم لكن أصل القصة في صحيح البخاري وفيها أَمْرُهُ صلى الله عليه وسلم له أن يفدي نفسه كالمشركين، فعامله معاملة الصف الذي خرج مكثِّرًا لسواده وهذا هو ما نفعله تمامًا مع عساكر الشرك وأنصار القانون.
أفلا يسعنا ما وسع رسول الله صلى الله عليه وسلّم وهو أتقانا وأخوفنا لله وأورعنا في التكفير والحكم على الناس وفي غير ذلك.
* أما دعوى الإكراه فمردودة في مقامنا هذا.
لأن الإكراه على إظهار الكفر حدَّ له العلماء حدودًا لا تنطبق على هؤلاء بحال ويمكن لطالب الحق مراجعتها مفصّلة في غير هذا الموضع وفرّقوا تفريقًا واضحًا بين الإكراه على المعاصي وبين الإكراه على الكفر أو الشرك أو نصرة المشركين ونحوه.