فهرس الكتاب

الصفحة 136 من 231

ومن تأمّل حال هؤلاء القوم لم يجدهم مكرهين بحال بل هي أعمالهم ووظائفهم التي يفخرون بها ويتقاضون عليها الرُّتب والرواتب والأجور.

وأي إكراه هذا الذي يُدفع لصاحبه أجرًا وينال عليه الامتيازات ويمكث فيه العشرة والعشرين سنة نصيرًا للشرك بزعمهم مكرها؟؟!

فإن تعذّروا بالاستضعاف فقد تعذّر به قوم من قبلهم فما قُبل منهم وهم قوم أسلموا بمكة ولم يفارقوا صف المشركين إلى صف أهل التوحيد فلما كان يوم بدر أخرجهم المشركون في مقدمة الصفوف.

وتأمل كيف أنهم لم يخرجوا معهم متطوِّعين ولا دخلوا جيشهم راغبين يأخذون على ذلك الرتب والرواتب كحال هؤلاء ومع ذلك أنزل الله تعالى فيهم قرآنًا يبّين أنّهم ليسوا بمعذورين في ذلك ولا هم بمستضعفين فقال سبحانه {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ؟} .

أي: في أي صف كنتم؟ أفي صف التوحيد والشريعة؟ أم في صف الشرك والتنديد والدستور الوضعي والقانون الكفري؟!.

والجواب الواضح الصحيح أن يقولوا: كنا في صف المشركين ولكنهم لما عاينوا هلاك أهل هذا الصف، حادوا عن هذا الجواب، إلى التعذر بالاستضعاف، ظانين أن هذا ينفعهم في البراءة من الشرك والمشركين.

فتأمل كيف يحاولون التبرؤ من صف الطاغوت وجيشه الذي هلكوا فيه منذ اللحظة الأولى من لحظات الدار الآخرة لأن هذا أهم أمرٍ فرّطوا فيه وأهملوه وهو الأمر الذي أوردهم المهالك.

ولكن هل ينفعهم ذلك وقد ماتوا في صفه ولم يفارقوه ويبرءوا منه في الدنيا؟! فتأمل كيف يجيبون على سؤال الملائكة: {فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ} .

تلك حجتهم التي توارثوها عبر جيوش الكفر {أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ} وهكذا يجيبوننا دومًا عندما ندعوهم إلى التوحيد والبراءة من الشرك والتنديد.

وهكذا يجادل عنهم المجادلون عندما نبيّن حكمهم في دين الله وموقفهم من التوحيد يقولون: {كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ} الراتب .. والبيت .. والرزق ... فهل يُقبل منهم مثل هذا؟!

تأمل جواب الملائكة لهم وحذار من هذا الموقف وأصحابه {قَالْوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَاوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} ألم تكن أبواب الرزق واسعة فتهجروا ذلك الصف الشركي إلى غيره؟.

ومَنْ يرزق النمل والنحل والطير وسائر الدواب والمشركين والكفار، هل تراه يعجز عن أن يرزق المتقين والأبرار الذين يتطهّرون من صف الشرك ويفارقونه محبّة ونصرة للتوحيد وأهله؟ تعالى الله علواًّ كبيرًا عما يصفون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت