فهرس الكتاب

الصفحة 137 من 231

وتأمل تهديد الله ووعيده لهم بقوله {فَأُوْلَئِكَ مَاوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} مع أنّهم لم يخرجوا في ذلك الجيش متطوعين ولا مختارين لكنهم قصّروا في الهجرة في بادئ الأمر فلمّا عزم الأمر تورّطوا في الخروج في صف أعداء الموحدين.

ثم قال تعالى {إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلًا * فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا} فلم يعذر الله سبحانه وتعالى بعذر الاستضعاف إلا من لا يستطيع حيلة في الخروج والفرار إلى الله من صف الكفار كأن يكون جريحًا أو عاجزًا أو مقيدًا أو مأسورًا أو لا يهتدي طريقة وسبيل الهجرة الفرار إلى الصف المسلم كأن يكون امرأة أو صبيًا أو شيخًا أو ضعيفًا.

ثم رغّب الله تعالى بالهجرة والفرار من هذه الصفوف المشركة ووعد أهلها بالرزق الوفير الواسع فمن ترك شيئًا لله عوّضه الله خيرًا منه, وذلك ليقطع كل حجج القوم الواهية فقال {وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرض مراغمًا كثيرًا وسعة} كما قال في مقام اخر من مقامات دعوته عباده المؤمنين الى البراءة من الشرك وأهله: {و إن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء إن الله عليم حكيم} .

* و آخرون رقّعوا واقعهم المنحرف بحجة المصلحة فزعموا أنّهم يخدمون الدين بوظائفهم هذه المنتنة وواقع حال أكثرهم خدمة جيوبهم وكروشهم وقروشهم ليس إلاّ.

ورحم الله سفيان الثوري يوم قال وهو يوصي بعض أصحابه ويحذرهم من مداهنة السلاطين والدخول عليهم ـ مع أنّ سلاطينهم كانوا يحكِّمون شرع الله إلاّ أنّهم أظهروا بعض المعاصي فكيف بسلاطين الكفر والشرك اليوم؟ قال رحمه الله:"إياك والأمراء أن تدنوا منهم أوتخالطهم في شيء من الأشياء، وإياك أن تخدع ويقال لك لتشفع أو تدرأ عن مظلوم أو ترد مظلمة فإنّ ذلك خديعة إبليس اتّخذها فجّار القرّاء سلّمًا ...".

أجل إنّها خديعة إبليس التي يسمّونها اليوم بمصلحة الدعوة يهدمون بها التوحيد أعظم مصلحة في الوجود ويلبسون الحق بالباطل.

وقد صدق سيد قطب يوم وصفها بأنها أمست عند كثير من الدعاة مزلّة وصارت صنمًا يعبدونه من دون الله.

ولشيخ الإسلام رحمه الله تعالى في ذلك فتوى سُئل فيها عن رجل من أهل السنّة سمع بمجموعة من قطّاع الطرق الذين يجتمعون على قصد الكبائر وقطع الطريق والقتل وفعل الفواحش والمنكرات، وأنّه قصد إلى هدايتهم فلم يتمكّن من ذلك بزعمه، إلا بأن عمل لهم سماعًا بدف بغناء مغني غير فاحش حتى اهتدى منهم خلق، وصار الذين كانوا لا يتورّعون عن الكبائر يتورّعون عن الصغائر والشبهات فهل طريقة هذا الشيخ جائزة ومشروعة؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت