لِلْمُسْلِمِ إِذَا خَافَ الْهَلَاك، وَرَخَّصَ لَهُ أَنْ يَتَكَلَّم بِالْكُفْرِ عَلَى إِضْمَار الْإِيمَان إِنْ لَمْ يُمْكِنهُ التَّوْرِيَة، فَلَمْ يَكُنْ رَدّه إِلَيْهِمْ إِسْلَامًا لِأَبِي جَنْدَل إِلَى الْهَلَاك مَعَ وُجُوده السَّبِيل إِلَى الْخَلَاص مِنْ الْمَوْت بِالتَّقِيَّةِ. وَالْوَجْه الثَّانِي أَنَّهُ إِنَّمَا رَدَّهُ إِلَى أَبِيهِ، وَالْغَالِب أَنَّ أَبَاهُ لَا يَبْلُغ بِهِ الْهَلَاك، وَإِنْ عَذَّبَهُ أَوْ سَجَنَهُ فَلَهُ مَنْدُوحَة بِالتَّقِيَّةِ أَيْضًا، وَأَمَّا مَا يَخَافهُ عَلَيْهِ مِنْ الْفِتْنَة فَإِنَّ ذَلِكَ اِمْتِحَان مِنْ اللَّه يَبْتَلِي بِهِ صَبْر عِبَاده الْمُؤْمِنِينَ.
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء هَلْ يَجُوز الصُّلْح مَعَ الْمُشْرِكِينَ عَلَى أَنْ يُرَدّ إِلَيْهِمْ مَنْ جَاءَ مُسْلِمًا مِنْ عِنْدهمْ إِلَى بِلَاد الْمُسْلِمِينَ أَمْ لَا؟ فَقِيلَ: نَعَمْ عَلَى مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ قِصَّة أَبِي جَنْدَل وَأَبِي بَصِير، وَقِيلَ لَا، وَأَنَّ الَّذِي وَقَعَ فِي الْقِصَّة مَنْسُوخ، وَإِنَّ نَاسِخه حَدِيث"أَنَا بَرِيء مِنْ مُسْلِم بَيْن مُشْرِكِينَ"وَهُوَ قَوْل الْحَنَفِيَّة. وَعِنْد الشَّافِعِيَّة تَفْصِيل بَيْن الْعَاقِل وَالْمَجْنُون وَالصَّبِيّ فَلَا يُرَدَّانِ. وَقَالَ بَعْض الشَّافِعِيَّة: ضَابِط جَوَاز الرَّدّ أَنْ يَكُون الْمُسْلِم بِحَيْثُ لَا تَجِب عَلَيْهِ الْهِجْرَة مِنْ دَارَ الْحَرْب وَاَللَّه أَعْلَم.
قلت:
لا حجة في هذه القصة لأمور:
الأول - لم يكن أبو بصير في دار الإسلام، بل طان في دار الكفر بالإجماع
الثاني- كان هناك اتفاق بين اتلمسلمين وبين المشركين قبل مجيء أبي بصير
الثالث- أن النبي صلى الله عليه وسلم قد طمأنه ومن معه على أن الله تعالى لن بضيعهم، وسيجعل لهم فرجا وخرجا، وهذا ما حصل
الرابع- الصواب من القول أنه لا يجوز لولي أمر المسلمين أن يعمل اتفاقية مع الكفار وينص فيها على نفس البنود، فتلك خاصة برسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذلك لم يستشر أحدا من أصحابه في عقد الصلح، لأنه وحي، ونزل القرآن الكريم ليبين للمسلمين أنه فتح عظيم حتى رضوا، وإلا فهم لم يوافقوا على بعض بنود الصلح كما هو معلوم
الخامس- النصوص الشرعية القطعية تحرم تسليم المسلم للهلاك والفتنة
السادس- أن الفقهاء قد أجمعوا على وجوب استنقاذ أسرى المسلمين من بين يدي الكفار
ففي الموسوعة الفقهية [1] :
57 -ويجب استنقاذ الأسرى بالمقاتلة ما دام ذلك ميسورًا، فإذا دخل المشركون دار الإسلام فأخذوا الأموال والذّراريّ والنّساء، ثمّ علم بهم جماعة المسلمين، ولهم عليهم قوّةٌ، فالواجب عليهم أن يتّبعوهم ما داموا في دار الإسلام، فإن دخلوا بهم دار الحرب، فالواجب على المسلمين أن يتّبعوهم إذا غلب على رأيهم أنّهم يقدرون على استنقاذهم، فإن شقّ عليهم القتال لتخليصهم فتركوه كانوا في سعةٍ من ذلك،
(1) - الموسوعة الفقهية1 - 45 كاملة - (ج 2 / ص 1308)