فهرس الكتاب

الصفحة 160 من 231

وكما يحرم التجسس على المسلمين فإنه يحرم التجسس على أهل الذمة، لأنهم رعايا كالمسلمين، لهم ما للمسلمين من الإنصاف، وعليهم ما على المسلمين من الانتصاف، وقد أعطيناهم ما أعطيناهم لتتساوى دماؤنا ودماؤهم وأموالنا وأموالهم، والرسول الحكيم صلى الله عليه وسلم قال: (من آذى ذميًا فقد آذاني) ، والذمي في دار الإسلام مخاطَب بتطبيق أحكام الإسلام على نفسه، إلاّ فيما يتعلق بالعبادات والمطعومات والملبوسات والزواج والطلاق.

والآية والأحاديث وإن كانت عامة في حرمة التجسس، إلاّ أن التجسس على الكفار الحربيين، سواء أكانوا حربيين حقيقة أو حكمًا، فإنه مستثنى من عموم الآية والأحاديث لورود أحاديث أخرى خصصت تحريم التجسس بغير الكفار الحربيين. أما الكفار الحربيون فإن التجسس عليهم ليس حرامًا، وعلى الدولة أن تنشئ جهازًا خاصًا للتجسس عليهم، وذلك لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أرسل من يتجسس له على أعدائه الكفار من قريش ومن غيرهم.

أما أجهزة المخابرات على أفراد الرعية فهي أجهزة قمع وقهر وإيذاء، فهي تلاحق الناس وتؤذيهم في أرزاقهم وأنفسهم، فتحُول بينهم وبين طلب الرزق، وتهدر كراماتهم، وتهتك حرمات بيوتهم بالمراقبة والاقتحام، وتتعدى على حرمات المسلمين بالاعتقال والضرب المبرح، والتعذيب الأليم، والإهانة المذلة، والسجن الرهيب.

والإسلام يحرم تعذيب الناس وإيذاءهم، قال عمر بن الخطاب: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تعذبوا الناس، فإن الذين يعذِّبون الناس في الدنيا يعذِّبهم الله يوم القيامة) ، وقال عليه الصلاة والسلام: (صنفان من أهل النار لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضرِبون بها الناس .. ) الحديث، كما أن الإسلام يحرم الاعتداء على حرمات المسلمين وكرامتهم وأموالهم وأعراضهم، وهتك حرمات بيوتهم. قال عليه الصلاة والسلام:"كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه"وقال وهو يطوف بالكعبة:"ما أطيبك وأطيب ريحك، ما أعظمك وأعظم حرمتك، والذي نفسي بيده لحرمة المؤمن أعظم عند الله تعالى حرمة منك، ماله ودمه وأن لا يُظن به إلاّ خيرا)، وقال: (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر) ، وقال في وجوب حرمة البيوت: (لو أن امرءًا اطّلع عليك بغير إذن فحذفته بحصاة ففقأت عينيه، ما كان عليك من جُناح) ، وعن سهل بن سعد الساعدي أن رجلًا اطّلع على رسول الله صلى الله عليه وسلم من حجر في حجرة النبي ومع النبي مذراة يحك بها رأسه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لو علمتُ أنك تنظر لطعنتك بها في عينك. إنما جُعل الاستئذان من أجل البصر) ، وقال: (من أدخل عينه في بيت أخيه من غير إذن منه فكأنما دمره) ، فكل هذه الأحاديث تدل على تحريم جميع ما تقوم به أجهزة المخابرات ضد المسلمين. وإن إقامة هذه الأجهزة تُفسد الناس، ولهذا فإن من يتجسسون على المسلمين، أو من يَقبلون أن يعملوا في جهاز المخابرات للتجسس على المسلمين، يتجردون من جميع القيم الرفيعة، روحية كانت أو خلقية أو إنسانية، ولا يتورع الواحد منهم أن يتجسس على أعز أصدقائه، أو على أقرب الناس إليه، كما أنهم يستعملون في تعذيب"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت