وقال -صلى الله عليه وسم-:"من حمى مؤمنًا من منافقٍ بعث الله ملكًا يحمي لحمه يوم القيامة من نار جهنم، ومن رمى مسلمًا بشيءٍ يُريد شَينَه به حبسَه الله على جسر جهنم حتى يخرجَ مما قال" [4] .
هذا فيمن يرمي مسلمًا بشيء يريد شينه به .. فكيف بمن يرمي مسلمًا بشيءٍ يريد به قتله أو سجنه في سجون الطواغيت الظالمين .. ؟!
وعن سلمة بن الأكوع قال: أُتي النبي -صلى الله عليه وسم- عين من المشركين وهو في سفر فجلس عند أصحابه، ثم انسل، فقال -صلى الله عليه وسم-:"اطلبوه فاقتلوه"قال: فسبقتهم إليه فقتلته، وأخذت سلبه، فنفلني إياه. متفق عليه.
وكذلك فقد أمر النبي -صلى الله عليه وسم- بقتل المرأة التي حملت كتاب حاطب إلى كفار قريش عام الفتح، ومن دون أن تُستتاب.
كما في الحديث عن سعد بن أبي وقاص قال: لما كان يوم فتح مكة، أمَّن رسول الله -صلى الله عليه وسم- الناس إلا أربعة نفر، وامرأتين [5] .
من هاتين المرأتين هذه المرأة التي حملت رسالة حاطب إلى كفار قريش، واسمها سارة.
قال الإمام سحنون: إذا كاتب المسلم أهل الحرب قتل ولم يُستتب، وماله لورثته.
وفي المستخرجة قال ابن القاسم في الجاسوس: يُقتل ولا تُعرف لهذا توبة، هو كالزنديق [6] .
وقال ابن تيمية في الفتاوى 28/ 109: ذهب مالك وطائفة من أصحاب أحمد إلى جواز قتل الجاسوس ا- هـ.
قلت: وقتله يكون على الكفر والارتداد .. وليس على شيء آخر، والله تعالى أعلم.
ـ شبهة وردها.
لعل قائلًا يقول: إن حاطب بن أبي بلتعة قد كاتب كفار قريش، وأطلعهم على سر زحف النبي -صلى الله عليه وسم- ومن معه من جند الإسلام لفتح مكة .. وهذا من التجسس والموالاة .. ومع ذلك فإن النبي -صلى الله عليه وسم- لم يكفره، ولم يأمر بقتله .. فكيف نوفق بين ذلك، وبين ما تقدم ذكره .. ؟
أقول: الذي فعله حاطب بن أبي بلتعة -رضي الله عنه- هو من الكفر، لكن حاطبًا لم يكفر لاعتبارات وموانع عدة منعت من لحوق الكفر به، سنأتي على بيانها إن شاء الله.
أما أن الذي فعله حاطب هو من الكفر والنفاق الأكبر؛ ذلك لقول عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- فيه أمام حضرة النبي -صلى الله عليه وسم- كما في الصحيحين وغيرهما:"يا رسول الله قد خان اللهَ ورسوله والمؤمنين .. دعني أضرب عنقَ هذا المنافق ـ وفي رواية ـ فإنه قد كفر .. إنه قد نافق .. نكث وظاهر أعداءك عليك"!