فهرس الكتاب

الصفحة 165 من 231

والنبي -صلى الله عليه وسم- يسمعه ولم ينكر عليه أن هذا الذي فعله حاطب يُعد من الموالاة للمشركين، والكفر والنفاق الذي تُقطع عليه الأعناق .. ولكن الذي أنكره على عمر -رضي الله عنه- حمل حكم النفاق والكفر على حاطب ..

وذلك لاعتبارات تمنع من لحوق هذا الحكم بحاطب .. !

أما أن حاطبًا لم يكفر، ولم يقع في النفاق فهو للاعتبارات التالية:

1 -أنه كان متأولًا في فعله .. لم يكن يعلم ـ أو يظن ـ أن هذا الذي فعله يمكن أن يرقى إلى درجة الكفر والخروج من الإسلام .. أو أنه يضر في إيمانه .. ولم يكن يقصد به الغش والغدر برسول الله -صلى الله عليه وسم- .. لذلك نجده يجيب ـ من فوره ـ لما سأله النبي -صلى الله عليه وسم- عن السبب الذي حمله على كتابة الرسالة إلى كفار قريش:"يا رسول الله لا تعجل علي إني كنت امرءًا ملصقًا في قريش، ولم أكن من أنفسها، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات بمكة يحمون بها أهليهم وأموالهم فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ عندهم يدًا يحمون بها قرابتي .. وما فعلت كفرًا ولا ارتدادًا، ولا رضًا بالكفر بعد الإسلام ـ وفي رواية ـ ما غيرت ولا بدلت .. أما أني لم أفعله غشًا يا رسول الله ولا نفاقًا .. ما كفرتُ ولا ازددتُ للإسلام إلا حبًا"!

فقال النبي -صلى الله عليه وسم-:"قد صدقكم .. لا تقولوا له إلا خيرًا .. إنه قد شهد بدرًا، وما يدريك لعل الله أن يكون قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم". فدمعت عينا عمر وقال: الله ورسوله أعلم .. !

قال ابن حجر في الفتح 8/ 503: وعذر حاطب ما ذكره؛ فإنه صنع ذلك متأولًا أن لا ضرر فيه ا- هـ.

قلت: والتأويل مانع من موانع لحوق الكفر بالمعين .. فتنبه لذلك.

2 -علم النبي -صلى الله عليه وسم- ـ عن طريق الوحي ـ بسلامة قصد وباطن حاطب، لذلك قال -صلى الله عليه وسم-:"قد صدقكم"، وهذه ليست لأحدٍ بعد الرسول -صلى الله عليه وسم- .. لذلك نجد عمر ـ وليس له إلا ذلك ـ قد تعامل مع حاطب على اعتبار ظاهره .. وما يدل عليه ظاهره من نكوث، وموالاة، وكفر ونفاق .. فقال عباراته الآنفة الذكر!

فإن قيل: الأحكام تبنى على الظاهر .. فعلام هنا قد تعامل النبي -صلى الله عليه وسم- مع باطن وقصد حاطب .. ؟

أقول: فيما يخص إقامة الحدود .. وإنزال التعزير والعقوبات بالمخالفين لم يكن النبي -صلى الله عليه وسم- يفعل ذلك إلا ما يدل عليه ظاهر الحال الذي يستوجب الحد أو العقوبة .. وإن كان يعلم -صلى الله عليه وسم- أن بواطن الأمور وخفاياها هي بخلاف هذا الظاهر، كتعامله مع المنافقين على اعتبار ظاهرهم رغم علمه -صلى الله عليه وسم- بنفاقهم وكفرهم في الباطن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت