فهرس الكتاب

الصفحة 166 من 231

قال ابن تيمية في الصارم 356: فالنبي عليه الصلاة والسلام لم يكن يُقيم الحدود بعلمه، ولا بخبر الواحد، ولا بمجرد الوحي، ولا بالدلائل والشواهد، حتى يثبت الموجب للحد ببينة أو إقرار .. ا- هـ.

أما فيما يتعلق بإقالة العثرات التي كان يقع فيها بعض أصحابه -صلى الله عليه وسم- .. فكان -صلى الله عليه وسم- يراعي سلامة الباطن والقصد الذي يطلعه عليه الوحي ما وجد إلى ذلك سبيلًا .. لحبه للعذر وإقالة العثرات؛ وبخاصة إن جاءت هذه العثرات من أصحابه الكرام الذين لهم سابقة بلاء وجهاد في سبيل الله .. !

ولأن مراعاة سلامة الباطن في هذا الجانب هو لصالح الإنسان المخطئ بخلاف جانب المؤاخذة والمحاسبة ففيه تقريع وتعذيب للمخالف .. لذا لم يمضه النبي -صلى الله عليه وسم- إلا ببينة ظاهرة تستدعي ذلك.

ودليلنا على ذلك موقفه -صلى الله عليه وسم- من حاطب .. ونحوه ذلك الرجل من الأنصار الذي قال للنبي -صلى الله عليه وسم- ـ كما في صحيح البخاري ـ:"أراك تحابي ابن عمتك .. !!"وذلك لما حكم النبي -صلى الله عليه وسم- للزبير بأن يسقي أرضه، ثم يرسل الماء إلى أرض جاره الأنصاري .. !

قلت: قول الأنصاري للنبي -صلى الله عليه وسم-"أراك تحابي ابن عمتك!"هو كفر أكبر .. وطعن بحكم النبي -صلى الله عليه وسم- .. والذي حمل النبي -صلى الله عليه وسم- على إقالة عثرته علمه -صلى الله عليه وسم- بسلامة قصده وباطنه، وأن الذي صدر منه هو عبارة عن فلتة وزلة .. وهذه ليست لأحدٍ بعد رسول الله -صلى الله عليه وسم-.

قال ابن العربي في الأحكام 5/ 267: كل من اتهم رسول الله -صلى الله عليه وسم- في الحكم فهو كافر، لكن الأنصاري زل زلة فأعرض عنه النبي -صلى الله عليه وسم- وأقال عثرته لعلمه بصحة يقينه، وأنها كانت فلتة، وليست لأحدٍ بعد النبي -صلى الله عليه وسم- ا - هـ.

وهذا الذي قيل في موقف النبي -صلى الله عليه وسم- من هذا الأنصاري يُقال أيضًا في موقفه -صلى الله عليه وسم- من حاطب بن أبي بلتعة .. والله تعالى أعلم.

فإن قيل: هل لأحد بعد النبي -صلى الله عليه وسم- أن يقيل عثرات ترقى إلى درجة الكفر بناءً على سلامة قصد وباطن أصحابها .. ؟

أقول: لا .. لانقطاع الوحي .. وهذا الذي يقصده عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- من قوله:"إن أناسًا كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسم-، وإن الوحي قد انقطع، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم؛ فمن أظهر لنا خيرًا أمَّناه وقربناه وليس لنا من سريرته شيء، الله يُحاسبه في سريرته، ومن أظهر لنا سوءًا لم نأمنه ولم نصدقه وإن قال إن سريرته حسنة".

لذا نقول: من أظهر لنا الكفر البواح ـ من غير مانعٍ شرعي معتبر ـ أظهرنا له التكفير ولا بد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت