فهرس الكتاب

الصفحة 174 من 231

بينما أنزل الله في الثلاثة الذين صدَقوا الحديث ـ منهم كعب من مالك ـ قوله: {لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة} إلى قوله تعالى {وعلى الثلاثة الذين خُلِّفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين} التوبة:117 - 119.

فتأمل كيف أن الصدق أنجاهم، وأقال عثرتهم .. وكيف أن الكذب أردى أولئك الذين كذبوا الأعذار، وأوبق آخرتهم .. !

وهذا ينبغي أن يكون معتبرًا عند الحديث عن حاطب بن أبي بلتعة .. وعن الأسباب التي أقالت عثرته.

4 -إن مما أعان على إقالة عثرة حاطب كذلك أنه من أهل بدر .. وبدر حسنة عظيمة تذهب السيئات .. وتقيل العثرات .. وتستدعي تحسين الظن بأهلها .. وتوسيع دائرة التأويل لهم لو عثروا أو زلوا .. !

لذلك نجد أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد تذكر له حسنة بدر ـ وما أدراك ما حسنة بدر ـ فقال -صلى الله عليه وسلم-:"إن الله تعالى اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم".

وفي صحيح مسلم:"إني لأرجو أن لا يدخل النار أحد ـ إن شاء الله ـ ممن شهد بدرًا والحديبية".

وحاطب قد جمع بين الخيرين .. فقد شهد بدرًا والحديبية معًا .. !

نستفيد من ذلك أن المرء كلما كبرت وكثرت حسناته .. وكانت له سابقة بلاء في الله .. كلما ينبغي أن تتوسع بحقه ساحة التأويل وإقالة العثرات .. عند ورود الشبهات، وحصول الكبوات .. والله تعالى أعلم.

5 -أن فعل الوشاية الذي أقدم عليه حاطب لم يكن فعلًا ملازمًا له .. فهو لم يفعل ذلك إلا مرة واحدة في حياته، ولأسباب تقدم ذكرها .. وهذا بخلاف ما عليه الجاسوس فإن التجسس صفة لازمة له على مدار الوقت .. لا هم له إلا كيف يتحصل على المعلومات لكي يرسلها إلى موفديه أو من يتعامل معهم .. !

فهناك فرق بين من يقع في الخطأ مرة .. وبين من يقع في الخطأ مرارًا من حيث دلالته على صفة وحقيقة فاعله.

لذا من الخطأ الفادح أن يُحمل على حاطب حكم ووصف الجاسوس الآنف الذكر .. والله تعالى أعلم.

وبعد، لأجل هذه الأسباب مجتمعة أفدنا في أول حديثنا أن فعل حاطب يُعتبر من الكفر، ومن الموالاة الكبرى، إلا أن حاطبًا لم يكفر بعينه .. ولا يجوز أن يُحمل عليه حكم الكفر، والله تعالى أعلم.

كلمة أخيرة: إلى أولئك الذين هان عليهم دينهم، وسهل عليهم التجسس على المسلمين لصالح الطواغيت باسم الدين، متذرعين بفتاوى بعض المضللين المشبوهين ممن ظاهرهم العلم .. مقابل مبلغ زهيد يُعطونه على كل تقرير يكتبونه إلى مخابرات الطواغيت .. لا يحسب هؤلاء أنهم على خير، أو أنهم على شيء .. وليتذكروا أن لهم يومًا سيُسألون فيه عما يفعلون .. وينتصف الله تعالى منهم لعباده المظلومين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت