فهرس الكتاب

الصفحة 173 من 231

قلت: قول الأنصاري للنبي -صلى الله عليه وسلم-"أراك تحابي ابن عمتك!"هو كفر أكبر .. وطعن بحكم النبي -صلى الله عليه وسلم- .. والذي حمل النبي -صلى الله عليه وسلم- على إقالة عثرته علمه -صلى الله عليه وسلم- بسلامة قصده وباطنه، وأن الذي صدر منه هو عبارة عن فلتة وزلة .. وهذه ليست لأحدٍ بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

قال ابن العربي في الأحكام 5/ 267: كل من اتهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الحكم فهو كافر، لكن الأنصاري زل زلة فأعرض عنه النبي -صلى الله عليه وسلم- وأقال عثرته لعلمه بصحة يقينه، وأنها كانت فلتة، وليست لأحدٍ بعد النبي -صلى الله عليه وسلم- ا - هـ.

وهذا الذي قيل في موقف النبي -صلى الله عليه وسلم- من هذا الأنصاري يُقال أيضًا في موقفه -صلى الله عليه وسلم- من حاطب بن أبي بلتعة .. والله تعالى أعلم.

فإن قيل: هل لأحد بعد النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يقيل عثرات ترقى إلى درجة الكفر بناءً على سلامة قصد وباطن أصحابها .. ؟

أقول: لا .. لانقطاع الوحي .. وهذا الذي يقصده عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- من قوله:"إن أناسًا كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وإن الوحي قد انقطع، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم؛ فمن أظهر لنا خيرًا أمَّناه وقربناه وليس لنا من سريرته شيء، الله يُحاسبه في سريرته، ومن أظهر لنا سوءًا لم نأمنه ولم نصدقه وإن قال إن سريرته حسنة".

لذا نقول: من أظهر لنا الكفر البواح ـ من غير مانعٍ شرعي معتبر ـ أظهرنا له التكفير ولا بد.

وقوله -رضي الله عنه-:"كانوا يؤخذون بالوحي"يريد في جانب إقالة العثرات .. وليس في جانب تطبيق الحدود وإنزال العقوبات .. فتنبه لذلك.

3 -ومن علامات صدق حاطب -رضي الله عنه- أنه صدَق النبي -صلى الله عليه وسلم- لما سأله .. ولم يواري عليه ما فعل .. مما دل على سلامة باطنه وقصده .. وبراءته من النفاق .. بخلاف المرأة فإنها أنكرت وكذبت لما سئلت عن الكتاب، فقالت:"ما معي من كتاب"فزاد ذلك من جرمها وكفرها .. !

ولو كان حاطب منافقًا لكذَب الحديث .. لأن من خصال المنافق أنه إذا حدث كذب .. ولكن لما صدق في الحديث .. دل على صدق إيمانه وباطنه وأنه ليس منافقًا .. وكان لذلك أثرًا ظاهرًا في منجاته وإقالة عثرته، كما في الحديث الصحيح الذي أخرجه الترمذي:"فإن الصدق طمأنينة، والكذب ريبة".

ومن حديث كعب بن مالك في قصة تخلفه عن الغزو مع النبي -صلى الله عليه وسلم- في غزوة تبوك، يقول: يا رسول الله إنما أنجاني الله بالصدق، وإن من توبتي أن لا أحدث إلا صدقًا ما بقيت .. والله ما أنعم الله علي من نعمة قط بعد إذ هداني الله للإسلام أعظم في نفسي من صدقي لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن لا أكون كذَبْتُه فأهلك كما هلك الذين كذبوا، إن الله قال للذين كذَبوا حين أنزل الوحي شرَّ ما قال لأحدٍ، فقال: {سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس ومأواهم جهنمُ جزاءً بما كانوا يكسبون. يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت