الرسالة إلى كفار قريش:"يا رسول الله لا تعجل علي إني كنت امرءًا ملصقًا في قريش، ولم أكن من أنفسها، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات بمكة يحمون بها أهليهم وأموالهم فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ عندهم يدًا يحمون بها قرابتي .. وما فعلت كفرًا ولا ارتدادًا، ولا رضًا بالكفر بعد الإسلام ـ وفي رواية ـ ما غيرت ولا بدلت .. أما أني لم أفعله غشًا يا رسول الله ولا نفاقًا .. ما كفرتُ ولا ازددتُ للإسلام إلا حبًا"!
فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-:"قد صدقكم .. لا تقولوا له إلا خيرًا .. إنه قد شهد بدرًا، وما يدريك لعل الله أن يكون قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم". فدمعت عينا عمر وقال: الله ورسوله أعلم .. !
قال ابن حجر في الفتح 8/ 503: وعذر حاطب ما ذكره؛ فإنه صنع ذلك متأولًا أن لا ضرر فيه ا- هـ.
قلت: والتأويل مانع من موانع لحوق الكفر بالمعين .. فتنبه لذلك.
2 -علم النبي -صلى الله عليه وسلم- ـ عن طريق الوحي ـ بسلامة قصد وباطن حاطب، لذلك قال -صلى الله عليه وسلم-:"قد صدقكم"، وهذه ليست لأحدٍ بعد الرسول -صلى الله عليه وسلم- .. لذلك نجد عمر ـ وليس له إلا ذلك ـ قد تعامل مع حاطب على اعتبار ظاهره .. وما يدل عليه ظاهره من نكوث، وموالاة، وكفر ونفاق .. فقال عباراته الآنفة الذكر!
فإن قيل: الأحكام تبنى على الظاهر .. فعلام هنا قد تعامل النبي -صلى الله عليه وسلم- مع باطن وقصد حاطب .. ؟
أقول: فيما يخص إقامة الحدود .. وإنزال التعزير والعقوبات بالمخالفين لم يكن النبي -صلى الله عليه وسلم- يفعل ذلك إلا ما يدل عليه ظاهر الحال الذي يستوجب الحد أو العقوبة .. وإن كان يعلم -صلى الله عليه وسلم- أن بواطن الأمور وخفاياها هي بخلاف هذا الظاهر، كتعامله مع المنافقين على اعتبار ظاهرهم رغم علمه -صلى الله عليه وسلم- بنفاقهم وكفرهم في الباطن.
قال ابن تيمية في الصارم 356: فالنبي عليه الصلاة والسلام لم يكن يُقيم الحدود بعلمه، ولا بخبر الواحد، ولا بمجرد الوحي، ولا بالدلائل والشواهد، حتى يثبت الموجب للحد ببينة أو إقرار .. ا- هـ.
أما فيما يتعلق بإقالة العثرات التي كان يقع فيها بعض أصحابه -صلى الله عليه وسلم- .. فكان -صلى الله عليه وسلم- يراعي سلامة الباطن والقصد الذي يطلعه عليه الوحي ما وجد إلى ذلك سبيلًا .. لحبه للعذر وإقالة العثرات؛ وبخاصة إن جاءت هذه العثرات من أصحابه الكرام الذين لهم سابقة بلاء وجهاد في سبيل الله .. !
ولأن مراعاة سلامة الباطن في هذا الجانب هو لصالح الإنسان المخطئ بخلاف جانب المؤاخذة والمحاسبة ففيه تقريع وتعذيب للمخالف .. لذا لم يمضه النبي -صلى الله عليه وسلم- إلا ببينة ظاهرة تستدعي ذلك.
ودليلنا على ذلك موقفه -صلى الله عليه وسلم- من حاطب .. ونحوه ذلك الرجل من الأنصار الذي قال للنبي -صلى الله عليه وسلم- ـ كما في صحيح البخاري ـ:"أراك تحابي ابن عمتك .. !!"وذلك لما حكم النبي -صلى الله عليه وسلم- للزبير بأن يسقي أرضه، ثم يرسل الماء إلى أرض جاره الأنصاري .. !