اعْلَمْ أَنَّ الشَّهِيد ثَلَاثَة أَقْسَام:
أَحَدهَا الْمَقْتُول فِي حَرْب بِسَبَبٍ مِنْ أَسْبَاب الْقِتَال فَهَذَا لَهُ حُكْم الشُّهَدَاء فِي ثَوَاب الْآخِرَة وَفِي أَحْكَام الدُّنْيَا وَهُوَ أَنَّهُ لَا يُغَسَّل وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ. وَالثَّانِي شَهِيد فِي الثَّوَاب دُون أَحْكَام الدُّنْيَا وَهُوَ الْمَبْطُون، وَالْمَطْعُون، وَصَاحِب الْهَدْم، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ، وَغَيْرهمْ مِمَّنْ جَاءَتْ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة بِتَسْمِيَتِهِ شَهِيدًا فَهَذَا يُغَسَّل وَيُصَلَّى عَلَيْهِ وَلَهُ فِي الْآخِرَة ثَوَاب الشُّهَدَاء، وَلَا يَلْزَم أَنْ يَكُون مِثْل ثَوَاب الْأَوَّل. وَالثَّالِث مَنْ غَلَّ فِي الْغَنِيمَة وَشِبْهُه مَنْ وَرَدَتْ الْآثَار بِنَفْيِ تَسْمِيَته شَهِيدًا إِذَا قُتِلَ فِي حَرْب الْكُفَّار فَهَذَا لَهُ حُكْم الشُّهَدَاء فِي الدُّنْيَا فَلَا يُغَسَّل، وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَلَيْسَ لَهُ ثَوَابهمْ الْكَامِل فِي الْآخِرَة. وَاَللَّه أَعْلَم.
وَأَمَّا أَحْكَام الْبَاب فَفِيهِ جَوَاز قَتْل الْقَاصِد لِأَخْذِ الْمَال بِغَيْرِ حَقّ سَوَاء كَانَ الْمَال قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا لِعُمُومِ الْحَدِيث. وَهَذَا قَوْلٌ لِجَمَاهِير الْعُلَمَاء. وَقَالَ بَعْض أَصْحَاب مَالِك لَا يَجُوز قَتْله إِذَا طَلَبَ شَيْئًا يَسِيرًا كَالثَّوْبِ وَالطَّعَام وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ وَالصَّوَاب مَا قَالَهُ الْجَمَاهِير. وَأَمَّا الْمُدَافَعَة عَنْ الْحَرِيم فَوَاجِبَة بِلَا خِلَاف. وَفِي الْمُدَافَعَة عَنْ النَّفْس بِالْقَتْلِ خِلَاف فِي مَذْهَبنَا وَمَذْهَب غَيْرنَا وَالْمُدَافَعَة عَنْ الْمَال جَائِزَة غَيْر وَاجِبَة وَاَللَّه أَعْلَم.
وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (فَلَا تُعْطِهِ) فَمَعْنَاهُ لَا يَلْزَمك أَنْ تُعْطِيَهُ وَلَيْسَ الْمُرَاد تَحْرِيم الْإِعْطَاء وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّائِل إِذَا قُتِلَ: هُوَ فِي النَّار فَمَعْنَاهُ أَنَّهُ يَسْتَحِقّ ذَلِكَ. وَقَدْ يُجَازَى وَقَدْ يُعْفَى عَنْهُ إِلَّا أَنْ يَكُون مُسْتَحِلًّا لِذَلِكَ بِغَيْرِ تَاوِيل فَإِنَّهُ يَكْفُر، وَلَا يُعْفَى عَنْهُ. وَاَللَّه أَعْلَم
وقال العلامة ابن حزم في المحلى [1] :
2117 - مَسْأَلَةٌ:
اللِّصُّ يَدْخُلُ عَلَى الْإِنْسَانِ هَلْ لَهُ قَصْدُ قَتْلِهِ؟ قَالَ عَلِيٌّ: رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إدْرِيسَ الْأَوْدِيُّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ قَالَ: أَصْلَتَ ابْنُ عُمَرَ عَلَى لِصٍّ بِالسَّيْفِ , فَلَوْ تَرَكْنَاهُ لَقَتَلَهُ. وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ أَيْضًا نا ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ عَنْ حُجَيْرِ بْنِ الرَّبِيعِ قَالَ: قُلْت لِعِمْرَانِ بْنِ الْحُصَيْنِ أَرَأَيْت إنْ دَخَلَ عَلَيَّ دَاخِلٌ يُرِيدُ نَفْسِي وَمَالِي؟ قَالَ عِمْرَانُ: لَوْ دَخَلَ عَلَيَّ دَاخِلٌ يُرِيدُ نَفْسِي وَمَالِي لَرَأَيْت أَنْ قَدْ حَلَّ لِي قَتْلُهُ. وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا عَبَّادُ بْنُ عَوْفٍ - هُوَ ابْنُ أَبِي جَمِيلَةَ - عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ: اُقْتُلْ اللِّصَّ , وَالْحَرُورِيَّ , وَالْمُسْتَعْرِضَ. وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ أَنَّهُ قَالَ: مَا عَلِمْت أَنَّ أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ تَرَكَ قِتَالَ رَجُلٍ يَقْطَعُ عَلَيْهِ الطَّرِيقَ أَوْ يَطْرُقُهُ فِي بَيْتِهِ تَأَثُّمًا مِنْ ذَلِكَ. وَعَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ: إذَا دَخَلَ اللِّصُّ دَارَ الرَّجُلِ فَقَتَلَهُ فَلَا ضِرَارَ عَلَيْهِ. وَعَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ: الرَّجُلُ مُحَارِبٌ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ فَاقْتُلْهُ , فَمَا أَصَابَك مِنْ شَيْءٍ فَعَلَيَّ
(1) - المحلى بالآثار - (ج 1 / ص 6063)