والجرس: الجلجل الذي يعلق في رؤوس الدواب واشتقاقه من الجرس [1] بإسكان الراء [2] .
والحكمة في تقدم هذا الصوت الشديد: أن يقرع الوحي سمعه - صلى الله عليه وسلم - فلا يبقى فيه مكان لغيره [3] .
ولا بد من الإشارة هنا إلى أن السلسلة (أو الصلصلة) ظاهرةٌ صوتيةٌ قويةٌ مهابةٌ تظهر مع كل إنزال للوحي الإلهي، وقد تقدم حديث النواس بن سمعان: (إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماء صلصلة) [4] ، وفي قصة حنين حين رمى النبي - صلى الله عليه وسلم - على وجوه العدو التراب، فأخذ كفًا من تراب، يضرب به وجوههم، وقال: (شاهت الوجوه) ، فهزمهم الله - عز وجل -، فحدث أبناؤهم عن آبائهم أنهم قالوا: لم يبق منا أحد إلا امتلأت عيناه وفمه ترابًا، وسمعنا صلصلة بين السماء والأرض كإمرار الحديد على الطست [5] .
فقد كانت هذه الظاهرة الصوتية تدل على جلالة الخطب، وعظم الأمر، وتصاحب نزول الملَك وفعله القوي الشديد، وهي لا شك داعية إلى تفريغ القلب وانشغاله بما صاحبها دون غيره.
2 -المعاناة في تلقي الوحي: فقد كان نزول الوحي القرآني، يستلزم أمرًا زائدًا على الطباع البشرية؛ وذلك ليتم التأهل لاستماع الوحي القرآني، ثم لحفظه ووعيه ومن ثم تبليغه، وهي مسألة تستدعي النظر مع ما عرف عن العرب في ذلك الوقت من الحفظ المفرط والذاكرة القوية،
(1) ومنه قيل للهمزة الحرف الجرْسي لشدته وجلادته. انظر: (ابن الجزري) شمس الدين أبو الخير محمد بن محمد ابن محمد بن علي ت 833هـ: التمهيد في علم التجويد ص46، تحقيق غانم قدوري الحمد، ط3، 1409هـ -1989م، مؤسسة الرسالة - بيروت.
(2) انظر: فتح الباري بشرح صحيح البخاري 1/ 35، مرجع سابق، ونحوه نقل السندي في حاشيته على سنن ابن ماجة 2/ 146، مرجع سابق.
(3) فتح الباري 1/ 37، مرجع سابق.
(4) انظر: الفصل الأول- المبحث الثالث.
(5) مسند الإمام أحمد بن حنبل 5/ 286، مرجع سابق، ومعناه في: (أبو داود) سليمان بن الأشعث السجستاني الأزدي ت275هـ: سنن أبي داود 4/ 32، مراجعة: محمد محيي الدين عبد الحميد، وقال الشيخ الألباني:"حسن".