المبحث الثالث:
هيئات مجيء الملك بالوحي القرآني (من حيث عموم الوحي) :
تعددت الوسائط التي يأتي بها الوحي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هما المذكورتان في حديث عائشة -رضي الله تعالى عنها-أن الحارث بن هشام - رضي الله عنه - سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله! كيف يأتيك الوحي. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (أحيانًا يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهوأشده علي، فيفصم عني، وقد وعيت عنه ما قال وأحيانًا يتمثل لي الملك رجلًا، فيكلمني، فأعي ما يقول) قالت عائشة-رضي الله تعالى عنها-: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقًا [1] ، وفي لفظ له: (كل ذاك: يأتي الملك أحيانًا في مثل صلصلة الجرس ... ) .
قال ابن حجر -رحمه الله تعالى-:"فقوله (كيف يأتيك الوحي) يحتمل أن يكون المسئول عنه صفة الوحي نفسه، ويحتمل أن يكون صفة حامله، أو ما هو أعم من ذلك، وقوله: (كل ذلك يأتي الملك) : أي كل ذلك حالتان" [2] .
وهل مجيء الوحي منحصر في الحالتين؟ ظاهر الحديث يشير إلى ذلك، خاصة مع قوله: (يأتيني على نحوين) في رواية ابن سعد [3] ، وقوله (كل ذاك يأتي الملك) ، وفيه فائدة جليلة من حيث مجيء الوحي في صورة معلومة محسوسة لا يمكنه الشك فيها، بخلاف ما لو كان إلهامًا مثلًا، وليس المراد هنا نفي الإلهام عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، بل هو ثابت، لكن لا لتبليغ الوحي المأمور بتبليغه؛ إذ هذا يرجع إلى هاتين الصورتين لذا الدليل، ومن قال بالعكس فضمان الدليل عليه.
(1) صحيح البخاري 1/ 4، مرجع سابق.
(2) فتح الباري 1/ 22، مرجع سابق.
(3) الطبقات الكبرى 1/ 197، مرجع سابق، وقال عنها ابن حجر -رحمه الله تعالى-:"مرسل مع ثقة رجاله".