المبحث الثاني:
الدقة في النقل العام:
وإنما أُورد هذا الفصل بعد حديثي المعالجة والمعارضة على سبيل الاستئناف البياني، للرد على مستكثرٍ على الشريعة أن تتضمن ألفاظها تلك الدقة التي جعلتنا نستخرج منها تلك المعاني، التي قد تخفى على عابر النظر؛ وأنى يستكثر ذلك ... والكلام هو كلام الله - سبحانه وتعالى - المتلو المحفوظ بحفظه - عز وجل - له، والمُعَلِّم له هو جبريل - عليه السلام -، والمُتَعَلِّمُ له هو محمد - صلى الله عليه وسلم - خاتم الرسل؟. فقد تميز نقل جبريل - عليه السلام - بالدقة في غير القرآن، فيُسْتَصْحَب هنا بين يدي هذا المبحث سؤالٌ: فكيف إن كان المنقول كلام الله المتلو - سبحانه وتعالى -؟.
ومن صور هذه الدقة:
1 -الدقة في نقل الأحداث الواقعية: كان جبريل - عليه السلام - يأتيه بأدق التفاصيل والأوصاف للأحداث الواقعة الحاضرة والمستقبلية، حتى ما لا يترتب عليه حكم شرعي:
ومن ذلك ما جاء عن أنس - رضي الله عنه - قال: بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - أقوامًا من بني سليم إلى بني عامر في سبعين، فلما قدموا، قال لهم خالي: أتقدمكم، فإن أَمَّنوني حتى أبلغهم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإلا كنتم مني قريبًا، فتقدم، فأَمَّنوه، فبينما يحدثهم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ أومأوا إلى رجلٍ منهم، فطعنه، فأنفذه، فقال: الله أكبر! فزت ورب الكعبة. ثم مالوا على بقية أصحابه، فقتلوهم إلا رجلًا أعرج صعد الجبل، فأخبر جبريل - عليه السلام - النبي - صلى الله عليه وسلم - أنهم قد لقوا ربهم فرضي عنهم وأرضاهم ... الحديث [1] .
(1) صحيح البخاري 1031/ 3، مرجع سابق.