المبحث الثامن:
كيفية قراءة الرسول - صلى الله عليه وسلم - القرآن على جبريل - عليه السلام - من حيث الأمر الشرعي، والواقع التطبيقي [1] :
وبعد أن ذُكِرَتْ المباحث المتعلقة بنزول الوحي، وكيفية تلقي النبي - صلى الله عليه وسلم - له، وسماته حين ذلك، كان لابد من وصفٍ لما يقوم به النبي - صلى الله عليه وسلم - من عملٍ عند قراءته القرآن على جبريل - عليه السلام - مذ ينزل عليه الوحي القرآني حتى تمام العملية التعليمية، من حيث الأمر الشرعي والواقع التطبيقي ... ليُعَلَمَ أي شيء كان النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأي شيء كان تعلمه لألفاظ القرآن الكريم، وتعليمه ... وأي قوم -بعد- هم المسلمون:
أناسٌ علي الخير منهم، وجعفرٌ ... . وحمزة، والسجاد ذو الثفناتِ
إذا افتخروا يومًا أتوا بمحمدٍ ... . وجبريل، والقرآن، والسورات
وقد تلخص ذلك فيما يلي:
1 -تبدأ باستشعار المصدرية الإلهية للقرآن الكريم دائمًا عند قراءة القرآن الكريم: ويظهر أنموذج هذا في قوله - عز وجل: {وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا (113) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ} ، ثم قال بعد: {ولا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} "طه/114"فأكد على المصدرية الإلهية في عدة ألفاظ: {أَنزَلْنَاهُ} على الرغم من أن المباشر للإنزال هو جبريل - عليه السلام -، {وَصَرَّفْنَا} ، {نقضي} في قراءة يعقوب على الرغم من أن المباشر للقراءة هو جبريل - عليه السلام -، وأشار إلى تفرده بهبة المنح الإلهية، ورأسها القرآن الكريم {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} ، ثم وسط بين الآيتين بقوله {فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ} وهي جملة اعتراضية، وفي تفريع الجملة الاعتراضية
(1) أُريد بالأمر الشرعي: مجموع التوجيهات الشرعية التي أمر الله - سبحانه وتعالى - نبيه - صلى الله عليه وسلم - بتطبيقها وأن يقرأ القرآن بها من حيث انتماؤها إلى الأحكام الخمسة، وأُريد بالواقع التطبيقي: واقع النبي - صلى الله عليه وسلم - من حيث التزامه بتلك التوجيهات، والهدف من ذلك كما سيُذكر أعلاه التأكيد على التوقيفية في لفظ القرآن وأدائه، بالإضافة إلى الأهداف المنهجية الأخرى.