على إنزال القرآن إشارةٌ أيضًا إلى أن القرآن قانون ذلك الملك، وأن ما جاء به هو السياسة الكاملة الضامنة صلاح أحوال متبعيه في الدنيا والآخرة [1] ، وفي هذا السبيل ترى التعبير عن إنزال القرآن يرجع إلى هذه المصدرية عند الكلام على النازل، والمنزَل به، والمنزَل عليه.
ومن الإشارة إلى هذه المصدرية: {فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ} : لم يقل فإنه نزله على قلبي مع أن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - أُمِرَ بإخبار اليهود عن نفسه؛ لأن من شأن العرب إذا أمرت رجلًا أن يحكي ما له عن نفسه أن تخرج فعل المأمور مرة مضافًا إلى كناية نفس المخبر عن نفسه إذا كان المخبر عن نفسه، ومرة مضافًا إلى اسمه كهيئة كناية اسم المخاطب؛ لأنه وإن كان مأمورًا بقيل ذلك فهو مخاطبٌ مأمورٌ بحكاية ما قيل له [2] ، كما قال الزمخشري موضحًا لذلك:"جاءت على حكاية كلام الله - عز وجل - كما تكلم به كأنه قيل: قل ما تكلمت به من قولي: من كان عدوًا لجبريل - عليه السلام -" [3] . ولهذا حكمة عظيمة من حيث التأكيد على المصدرية الإلهية للقرآن، والدقة المتناهية في نقله من السماء إلى الأرض، فحكاية كلام الله - سبحانه وتعالى - اقتضت {عَلَى قَلْبِكَ} بالخطاب ... ولو قال (على قلبي) لقيل هذه دعوى، لم يبينها لنا ربك، ولم يقلها ... ثم فيه تثبيتٌ لقلب الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وطمأنةٌ له من أن تزعزعه كثرة تشكيكات أهل الكتاب ومن والاهم، فكأن الخطاب من الله - عز وجل - للرسول - صلى الله عليه وسلم - قصدًا له، لا لخصومه من أهل الكتاب ... وهم مقصودون تبعًا لا استقلالًا، وذا يوائم قوله - سبحانه وتعالى - { ... كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ ... } "الفرقان/32" {وَكُلًا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} "هود/120".
(1) التحرير والتنوير 16/ 316، مرجع سابق، وراجع روح المعاني 16/ 391، مرجع سابق، والبحر المحيط لأبي حيان 6/ 281، مرجع سابق.
(2) الطبري1/ 436، مرجع سابق.
(3) الكشاف 1/ 84، مرجع سابق.