المبحث الثالث:
أمين الوحي في السماء لأهل السماء:
في هذا المبحث تتضح المكانة الخاصة لجبريل - عليه السلام - من ربه - سبحانه وتعالى -، بعد أن اتضحت المكانة العامة له من خلال المبحث السابق، إذ هو أمين الوحي الإلهي مطلقًا، وأول ذلك أنه أمين الوحي في السماء لأهل السماء، وتلك من أسباب جدارته الفائقة لأمانة الوحي النازل لأهل الأرض.
فعن النواس بن سمعان - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (إن الله إذا أراد أن يأمر بأمر تكلم به، فإذا تكلم به أخذت السماء رجفة، أو قال رعدة شديدة فإذا سمع بذلك أهل السماء، صعقوا فيخرون سجدًا، فيكون أول من يرفع رأسه جبريل - عليه السلام - فيكلمه الله من وحيه بما أراد فيمر به جبريل - عليه السلام - على الملائكة، فكلما مر بسماء سألته ملائكتها: ماذا قال ربنا؟. قال جبريل - عليه السلام: قال ربكم الحق وهو العلي الكبير. فيقولون كلهم كما قال جبريل - عليه السلام - فينتهي جبريل - عليه السلام - بالوحي حيث أمر من سماء وأرض) [1] .
فجبريل - عليه السلام - هو أمين الوحي الإلهي سواء كان هذا الوحي أرضيًا، وموضوع (تلقي النبي - صلى الله عليه وسلم -) يشكل أنموذجه، أو سماويًا كما في حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إذا أحب الله العبد نادى جبريل: إن الله يحب فلانا فأحببه، فيحبه جبريل، فينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يحب فلانًا، فأحبوه، فيحبه أهل
(1) (الطبراني) أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب، مسند الدنيا، ت 360 هـ: مسند الشاميين 1984م - 1405هـ، مؤسسة الرسالة، بيروت، مراجعة: حمدي بن عبد المجيد السلفي، وأصل هذا الحديث عند ابن حبان 1/ 224، مرجع سابق، بلفظ: (إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماء للسماء صلصلة كجر السلسلة على الصفا، فيصعقون، فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم جبريل، حتى إذاجاءهم جبريل، فزع عن قلوبهم - قال - فيقولون: يا جبريل! ماذا قال ربك؟ فيقول: الحق. فيقولون: الحق الحق) .