يمكن أن يصل إليه التدقيق، مما هو خارجٌ عن نطاق البشر في مقابلة حفظ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ما أُمِر جبريل - عليه السلام - بحفظه من ربه، وأهم صفةٍ ذاتيةٍ لجبريل - عليه السلام - عند نزوله من السماء أنه ما ينزله ربه - سبحانه وتعالى - إلا بالحق [1] .
3 -الظهور: ففي مختار الصحاح:"عرض له كذا أي ظهر، وعرضته له أظهرته له وأبرزته إليه" [2] ... فإظهار القرآن، وإبرازه من النبي - صلى الله عليه وسلم - لجبريل - عليه السلام -، والعكس يعني إظهار ألفاظ القرآن لفظًا لفظًا من الشيخ لتلميذه ومن التلميذ على [3] شيخه، ويؤكد هذا العرض الدقيق ما جاء في معنى مادة عرض:"عرض الجند إذا أمرهم عليه ونظر في حالهم" [4] ، وهذه غايةٌ في الدقة في وصف تثبيت ألفاظ القرآن الكريم في قلب النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولا يَرِدُ على هذا التقرير احتمالية أن يكون ما كان يعرضه الرسول - صلى الله عليه وسلم -، أو ما كان يعرض عليه هو معاني القرآن وأمور الشريعة؛ إذ لو كان الأمر كذلك لقيل يعرض عليه الشريعة أو نحوها من العبارات، ولا يخصص القرآن بالذكر.
فإن اعتُرض بأن: القرآن هو الشريعة كلها نصًا أو تضمنًا، فعبر به في الحديث عنها، فالمعروض هو أحكام الشريعة لا ألفاظ القرآن.
فالجواب: الدليل صحيحٌ، والاستدلال غير صحيحٍ؛ لأن تخصيص القرآن بالذكر في جميع الروايات يدل على اقتصار الكلام عليه، ولو أراد الكلام عن الشريعة أو الدين ونحوها لما عدل عن لفظها أو ما يدل عليه كما في قوله - عز وجل - {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا ... } "الجاثية /18"،
(1) من قوله - عز وجل - {مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ} "الحجر/8"، بل إن مجرد النزول لا يكون إلا بأمر من الله، لقوله: {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلا بِأَمْرِ رَبِّكَ} "مريم/64"، وليس للملك الاجتهاد في إنشاء أمر، أو تنفيذه كما في قوله - عز وجل: {لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} "الأنبياء /27"، فالحق صفة ذاتية في النزول والنازل والمنزَل به، فلا مس من باطل يعتريه، ولا اجتهاد من مخلوق يأتيه.
(2) مختار الصحاح 178، مرجع سابق.
(3) تضمن الفعل إظهار الطالب ما عنده معنى التصويب على ما عند الشيخ، لذا عُديَ فعُدي بـ (على) .
(4) لسان العرب 9/ 138، مرجع سابق.