فهرس الكتاب

الصفحة 199 من 360

4 -العَرَضية اللفظية: إذ إن استخدام لفظة يعرض في أغلب الروايات عند الراوي الواصف لما حدث، ثم مجيئها على لسان النبي - صلى الله عليه وسلم - [1] دالٌ على فحواها، وهو عرض الألفاظ واستعراضها، ومعلومٌ أن العرض ضد الطول [2] ... فهل يكون أثر إيقاع هذه اللفظة الدقيقة الوصف إلا عرض الألفاظ واحدًا واحدًا، واقتضاء لفظة العرض سبر الجوانب الداخلية في اللفظة أداءٌ ومعنى؟.

فيعرض"من العرض وهو بفتح العين وسكون الراء، أي يقرأ، والمراد يستعرضه ما أقرأه إياه" [3] بل قد صرح بعض شراح الحديث أثناء شرحهم لحديث المعالجة بأن العرضية تشمل الحروف حرفًا حرفًا، قال السندي -رحمه الله تعالى-:"يحرك شفتيه أي لكل حرفٍ عقب سماعه من جبريل - عليه السلام -" [4] .

ولا يُعترض بأن هذه بديهة! وتحصيل حاصل، إذ لا يمكن عرض الألفاظ دون حروفها؛ لأن التصريح بمتابعة الحروف دليلٌ على شدة الاعتناء بها، وفيه ردٌ على زاعمٍ التكلف في حق من يخوض غمار علم الصوتيات، على أنه قد يُعْنى بالحرف غير ذلك، وهو اللفظ فيدخل ما ذكر ضمنًا.

ومما جاء دالًا على أن لفظة (يعرض) تتضمن سبر الجوانب الداخلية قول النبي - صلى الله عليه وسلم: (لئن كنت أقصرت الخطبة، فقد أعرضت المسألة) [5] . قال ابن

(1) راجع متن الحديث في المطلب الأول من هذا المبحث ص177.

(2) لسان العرب 9/ 137، مرجع سابق، مختار الصحاح 178، مرجع سابق، وفيه:"وعَرَضَ الشيء فأَعْرَضَ، أي أظهره فظهرن فهو كقولهم كبَّه فأكبَّ، وهو من النوادر وقوله - عز وجل - {وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا ... } "الكهف/ 100"أي أبرزناها حتى نظروا إليها، فأعْرَضَتْ هي أي استبانت وظهرت، ورآه في عُرْض الناس أيضًا أي فيما بينهم، وفلانٌ من عُرْض الناس أي من العامة، وفلان عُرْضَةٌ للناس أي لا يزالون يقعون فيه، وجعلت فلانًا عرضة لكذا أي نصبته له، وقوله - سبحانه وتعالى - {وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ ... } "البقرة/224"أي نصبًا، ونظر إليه من عُرْضٍ"وهذا كله مقررٌ مبدأ (العرضية اللفظية) ، والقصد من استخدام هذه اللفظة لبيان جعل ألفاظ القرآن عرضة للمقابلة والإظهار في (عُرْض) الألفاظ أي فيما بينها من (عُرْض) الألفاظ أي من عامتها.

(3) فتح الباري 9/ 43، مرجع سابق.

(4) حاشية السندي 2/ 34، مرجع سابق.

(5) صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان 2/ 98، مرجع سابق: عن البراء بن عازب -رضي الله تعالى عنه - قال: جاء أعرابي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله! علمني عملًا يدخلني الجنة. قال: (لئن كنت أقصرت الخطبة، فقد أعرضت المسألة: أعتق النسمة، وفك الرقبة) قال: أو ليستا بواحدة؟ قال: (لا ‍عتق النسمة أن تفرد بعتقها، وفك الرقبة أن تعطي في ثمنها، والمنحة الوكوف، والفيء على ذي الرحم القاطع، فإن لم تطق ذاك، فأطعم الجائع، واسق الظمآن، ومر بالمعروف، وانه عن المنكر، فإن لم تطق ذلك، فكف لسانك إلا من خير) .

وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط في تعليقه على ابن حبان: إسناده صحيح، وهو في مستدرك الحاكم وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، قال الذهبي في التلخيص (لمستدرك الحاكم) : صحيح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت