جمع وإعداد
الباحث في القرآن والسنة
علي بن نايف الشحود
(( حقوق الطبع متاحة لجميع الهيئات العلمية والخيرية ) )
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، القائل في محكم كتابه: { إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (97) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (98) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (99) وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (100) [النساء/97-100] }
والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين ، القائل:"لاَ تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ مَا قُوتِلَ الْكُفَّارُ." [1]
والقائل أيضًا:"لاَ هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا" [2]
صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .
أما بعد:
من الأمور المسلَّم بها أن بقاء الدعوة في أرض قاحلة لا يخدمها، بل يعوق مسارها ويشلُّ حركاتها، وجرت سنة الله في خلقه أن يقبل بعض الناس على دعوات رسله، فتنشرح صدورهم لهدايته، وأن يُعرض بعض الناس فينشأ الصراع بين الحق والباطل.
تخضع القضية بعد ذلك لشيء من الموازنة. فإن كانت الفئة المؤمنة من أتباع الحق، من القلة بحيث لا تملك إلا أن تظل مستضعفة في الأرض، فستتلقى من الفئة الكافرة ضربات لا هوادة فيها، ولن يكن للفئة المؤمنة خيار إلا أن تصبر وتتحمل كل صنوف الأذى من أجل دعوتها إلى أن يأتي أمر الله، أو تهاجر لتتمكن من الانطلاق في أرض أخرى.
ولقد قص القرآن علينا أن من الأنبياء من هاجر، منهم: سيدنا إبراهيم، ولوط، وموسى، ومحمد عليهم الصلاة والسلام. قال تعالى على لسان سيدنا إبراهيم: {إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ} (99) سورة الصافات. وقال: {فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [العنكبوت:26] . وقال: {وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَّا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى} [طه:77] .
وقال عن هجرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه: {الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحج:40] .
وقال أيضا: {وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ} [محمد:13] .
فالهجرة إهدار للمصالح، وتضحية بالأموال، ونجاة بالنفس، مع شعور المهاجر بأنه مستباح منهوب، وقد يهلك في أوائل الطريق أو نهايتها، وأنه يسير نحو مستقبل مبهم، لا يدري ما يتمخض عنه من قلاقل وأحزان.
روى الإمام البخاري عن خَبَّابً قالَ: أَتَيْتُ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - وَهْوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً ، وَهْوَ فِى ظِلِّ الْكَعْبَةِ ، وَقَدْ لَقِينَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ شِدَّةً فَقُلْتُ أَلاَ تَدْعُو اللَّهَ فَقَعَدَ وَهْوَ مُحْمَرٌّ وَجْهُهُ فَقَالَ « لَقَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ لَيُمْشَطُ بِمِشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ عِظَامِهِ مِنْ لَحْمٍ أَوْ عَصَبٍ مَا يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ ، وَيُوضَعُ الْمِنْشَارُ عَلَى مَفْرِقِ رَأْسِهِ ، فَيُشَقُّ بِاثْنَيْنِ ، مَا يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ ، وَلَيُتِمَّنَّ اللَّهُ هَذَا الأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ مَا يَخَافُ إِلاَّ اللَّهَ وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ » [3] .
لكن مع شدة الألم وكثرة الطغيان وانتشار البطش بالمؤمنين والمؤمنات أذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمن يريد الهجرة بدينه أن يتجه إلى أرض يخلى بينه وبين أداء دينه، فبدأ المسلمون يهاجرون، وهم يعرفون كل ذلك
فإدراك الماضي إدراكًا واعيًا ضروري لمعرفة الطريق القويم- معرفة العدو من الصديق- معرفة كيفية التعامل مع كل حديث وجديد ، فالتزاوج بين الماضي والحاضر واستيعاب دروس الماضي والاستفادة منها وتحديد مكانة الماضي في الحاضر ضروري حتى يتم الانطلاق نحو المستقبل، وبغير ذلك تعجز الأمة عن دخول الواقع بأبعاده.
فالهجرة من وسائل التغيير وأهمها هجرة المسلم بقلبه من محبة غير الله إلى محبته ، ومن عبودية غيره إلى عبوديته، ومن خوف غيره ورجائه والتوكل عليه، إلى خوف الله ورجائه والتوكل عليه، ومن دعاء غيره وسؤاله والخضوع له والذل والاستكانة له.. إلى دعائه، وسؤاله والخضوع له والذل له والاستكانة له. وهذا معنى قوله تعالى: { فَفِرُّواْ إِلَى اللَّهِ } [الذاريات:50] .
أما هجرة النبي - صلى الله عليه وسلم - وهجرة صحابته رضوان الله عليهم، فقد كانت على أساس ثابت، قائم على محبة الله تعالى ورضوانه، فأثبتوا للدنيا أجمع أنهم لدينهم ولعقيدتهم، وأنهم ليسوا للتراب، ولا للأهواء ولا للعصبيات، وأن بناءهم لا يقوم على الحجر والطين، ولا يلقي ثقله على أموال اقترفوها ولا تجارة يخشون كسادها، ولا مساكن يرضونها، بل هي العقيدة الصافية الصادقة: (لا إله إلا الله، محمد رسول الله) . فأدرك الغويّ أبو جهل ومن وراءه إدراك الموقن بنفسه المعارض بلسانه، أنهم لم ينازعوهم في أرض ولا في مال ولا في عقار ولا في قمار، ولا في زعامة فاشلة تهدم ولا تبني، ولا في قبَلِيَّة عمياء جهلاء، بل نازعوهم في تلك العقيدة التي حملوها، وحملوا على عاتقهم نشرها والدعوة إليها رغم أنف أبي جهل ومن معه.
فهاجروا وتركوا الأرض والديار والأهل؛ ولكن الإيمان أصيل يملأ القلوب، وآي التنزيل تنير لهم دُهْمَة (ظبمة) الليالي، وراية التوحيد تفتح أمامهم طرقًا كانت ضيقة، وتزيح أمامهم عراقيل الجبال الشوامخ، فإذا أفقُ طيبةَ الطيبة يتلألأُ من بعيد وهو قريب، طابت بخير قادم عليها، فهام أوسها وخزرجها على روابيها بصدور رحبة، تحيي الأمين وصحبه فرحة بخير قادم عليها، والمحبة أوثق العرى مع من ربطتهم به (لا إله إلا الله، محمد رسول الله) . [4]
إنَّ هذا الحدث الذي غير مجرى التأريخ، الحدث الذي يحمل في طياته معاني الشجاعة والتضحية والإباء، والصبر والنصر والفداء، والتوكل والقوة والإخاء، والاعتزاز بالله وحده مهما بلغ كيد الأعداء، إنه حدث الهجرة النبوية الذي جعله الله سبحانه طريقا للنصر والعزة، ورفع راية الإسلام، وتشييد دولته، وإقامة صرح حضارته، فما كان لنور الإسلام أن يشع في جميع أرجاء المعمورة لو بقي حبيسا في مهده، ولله الحكمة البالغة في شرعه وكونه وخلقه.
إن في هذا الحدث العظيم من الآيات البينات والآثار النيرات والدروس والعبر البالغات ما لو استلهمته أمة الإسلام اليوم وعملت على ضوئه وهي تعيش على مفترق الطرق لتحقق لها عزها وقوتها ومكانتها وهيبتها، ولعلمت علم اليقين أنه لا حل لمشكلاتها ولا صلاح لأحوالها إلا بالتمسك بإسلامها والتزامها بعقيدتها وإيمانها، فوَالذي بعث محمدا بالحق بشيرا ونذيرا ما قامت الدنيا إلا بقيام الدين، ولا نال المسلمون العزة والكرامة والنصر والتمكين إلا لما خضعوا لرب العالمين، وهيهات أن يحل أمن ورخاء وسلام إلا باتباع نهج الأنبياء والمرسلين. إذا تحقق ذلك أيها المسلمون، وتذكرت الأمة هذه الحقائق الناصعة وعملت على تحقيقها في واقع حياتها كانت هي السلاح الفاعل الذي تقاتل به والدرع الحصين الذي تتقي به في وجه الهجمات الكاسحة والصراع العالمي العنيف، فالقوة لله جميعا، والعزة لله ولرسوله وللمؤمنين. [5]
وفي هذا الكتاب دروس وعبر كثيرة التقطتها من هنا وهناك ، من أجل النظر فيها ، والانتفاع بمضمونها ، فما أحوجنا لها في هذه الأيام العصيبة التي تمر بالأمة الإسلامية في كل مكان ، فعَنْ ثَوْبَانَ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:يُوشِكُ الأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ ، كَمَا تَدَاعَى الأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا. فَقَالَ قَائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ ؟ قَالَ: بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ ، وَلَيَنْزِعَنَّ اللهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ ، وَلَيَقْذِفَنَّ اللهُ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهَنَ. فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ ، وَمَا الْوَهَنُ ؟ قَالَ: حُبُّ الدُّنْيَا ، وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ. سنن أبى داود (4299) وهو صحيح
وقد بينت مصادرها في بدايتها أو نهايتها ، وهي كثيرة بحمد الله تعالى .
وقد تركتها في الغالب -كما هي- وقمت بفهرستها على الورد ، ووضعها في الشاملة 3 ، ليعم النفع بها .
هذا وقد كنت كتبت كتابا كبيرا حول أحكام الهجرة وهو (المفصل في أحكام الهجرة) وهو في مكتبة صيد الفوائد، وفي مشكاة ، تحدثت فيه بالتفصيل عن الأحكام الشرعية المتعلقة بالهجرة .
أسأل الله تعالى أن ينفع به جامعه وقارئه وناشره والدال عليه في الدارين .
جمع وإعداد
الباحث في القرآن والسنَّة
علي بن نايف الشحود
في 27 شعبان 1429 هـ الموافق ل 29/8/2008 م
بسم الله الرحمن الرحيم
أيها الأحبة في الله: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..
لا شك أن حدثا مثل الهجرة النبوية حين تكون تاريخا للأمة لا شك أنها حدث عظيم في تاريخها ونقطة تحول في حياتها .. فالهجرة فرقت بين الحق والباطل ، وميزت بين الخير والشر ..
حولت ضعف المسلمين إلى قوة ، وذلهم إلى عزة ، وعجزهم إلى قدرة .
وكما يقولون: إن لكل شيء سببا ، فللهجرة النبوية أيضا أسباب ، وهما سببان:
1)شدة الأذى والاضطهاد الذي كان يتعرض له النبي - صلى الله عليه وسلم - هو وأصحابه من كفار قريش .
2)قبول أهل المدينة الإسلام ودخولهم فيه .
السبب الأول: شدة الإيذاء والاضطهاد من كفار قريش لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ..
حقيقة: لقد أوذي النبي - صلى الله عليه وسلم - إيذاء شديدا لم يتعرض له نبي من الأنبياء السابقين ..
من أنواع الإيذاء: كان المشركون يسخرون منه ويحتقرونه ، ويستهزؤون به ويكذبونه ، فكانوا ينادونه بالمجنون كما قال الله تعالى عنهم: وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون.
كانوا يقولون عنه انه ساحر كذاب ، كما قال تعالى: وعجبوا أن جاءهم منذر منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذاب .
كانوا يستقبلونه بنظرات استحقار ، كما قال سبحانه: {وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ} (51) سورة القلم .
كانوا يشوهون تعاليمه الشريفة ويثيرون حولها الشبهات ، وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا .
وقالوا عن القران الكريم: إن هذا إلا إفك افتراه ... وكانوا يقولون أيضا: إنما يعلمه بشر .
وقالوا عن الرسول - صلى الله عليه وسلم -: مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق .
من أنواع الإيذاء ابيضا: إنهم عرضوا على النبي - صلى الله عليه وسلم - ان يتنازل عن بعض تعاليمه ويتركون هم بعض ما عليه مثل المفاوضات فنزل قوله تعالى: ودوا لو تدهن فيدهنون .
وأيضا عرضوا على النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يعبد آلهتهم سنة ويعبدون الله تعالى سنة فنول قوله سبحانه: قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون .
من أنواع الإيذاء أن أبا لهب وهو عم النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر ولديه عتبة وعتيبة أن يطلقا ابنتي النبي - صلى الله عليه وسلم - رقية وأم كلثوم لما جاء بالدعوة وكان قد كتب كتابهما فقط .
وأيضا: لما توفي عبد الله وهو الابن الثاني للنبي - صلى الله عليه وسلم - استبشر أبو لهب وقال لقومه: ابشروا فان محمدا قد صار ابترا يعني ليس له ولد يحمل ذكره من بعده . فنزل قوله تعالى: إن شانئك هو الأبتر .
وكانت زوجة أبي لهب وهي أخت أبي سفيان كانت تحمل الشوك وتضعه في طريق النبي - صلى الله عليه وسلم - وعلى بابه ، ولذلك وصفها القران الكريم بأنها حمالة الحطب .
من أنواع الإيذاء أيضا: إنهم وضعوا رحم الشاة وهو يصلي كما وضع عقبة بن أبي معيط سلا الجزور على ظهره الشريف وهو ساجد - صلى الله عليه وسلم - حتى جاءت فاطمة فطرحته عن ظهره .
وكان أمية بن خلف إذا رأى الرسول - صلى الله عليه وسلم - همزه ولمزه ، ونزل فيه قوله تعالى: ويل لكل همزة لمزة .
وكذلك الأخنس بن شريق كان ممن ينال من النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فوصفه الله تعالى في القران بتسع صفات: ولا تطع كل حلاف مهين هماز مشاء بنميم مناع للخير معتد أثيم عتل بعد ذلك زنيم .
أما أبو جهل رأس الكفر والشرك فقد كان ينهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الصلاة فنزل فيه قوله تعالى: أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى ...
وفي يوم أراد أن يطأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقدمه ويعفر وجهه في التراب لكن الله تعالى حال بينه وبين ما يريد .
ومرة أخرى حمل أبو جهل لعنه الله حجرا كبيرا ليضرب به النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو ساجد لكن الله تعالى منعه من ذلك .
من أنواع الإيذاء انه في يوم اجتمع عليه عشرة رجال وأحاطوا به فهذا يجذبه والأخر يدفعه والثالث يضربه حتى جاء أبو بكر رضي الله عنه فدفعهم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
كما أنهم غيروا اسمه الشريف - صلى الله عليه وسلم - من محمد إلى مذمم .
من أشد أنواع الإيذاء التي تعرض لها النبي - صلى الله عليه وسلم -: الحصار في شعب أبي طالب ثلاث سنوات حتى أكلوا أوراق الشجر فصارت مخرجاتهم وفضلاتهم مثل الدواب حتى أن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وجد في ليلة جلدة شاة فأخذها فوضعها على النار حتى تفحمت ثم أكلها وظل عليها ثلاث ليال لا يأكل شيئا .
من أنواع الإيذاء أنهم حاولوا قتل النبي - صلى الله عليه وسلم - عدة مرات ، ففي يوم الخميس 26 صفر سنة 14 من البعثة اجتمع سبعة من كبار كفار قريش في دار الندوة وجاءهم الشيطان في صورة شيخ يريد نصحهم ودار نقاش طويل فقال احدهم: نحرجه من بيننا وننفيه من بلادنا .
فقال الشيطان: لا والله ما هذا لكم برأي الم تروا حسن حديثه وحلاوة كلامه والله لو فعلتم ذلك فسينزل على حي من العرب فيتبعوه فيسير بهم إليكم فيقاتلوكم .
فقال أبو البختري: احبسوه في الحديد وأغلقوا عليه الباب حتى يموت . فقال الشيطان: لا والله ، لئن حبستموه ليخرجن من وراء الباب .
فقال أبو جهل: أرى أن نأخذ من كل قبيلة شابا جلدا قويا فنعطي كل فتى منهم سيفا صارما فيضربوه ضربة رجل واحد فيتفرق دمه في القبائل فلا يقدر بنو عبد مناف على حربكم فيرضوا منا بالدية . هذا عن السبب الأول ويعتبر هو السبب الرئيسي من أسباب الهجرة .
السبب الثاني: قبول أهل المدينة الإسلام ودخولهم فيه:
كان من عادة النبي - صلى الله عليه وسلم - وحكمته أن يعرض الإسلام على القبائل بالليل ، وفي موسم الحج سنة 11 من البعثة خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - مع أبي بكر الصديق وعلي بن أبي طالب إلى منى فسمع أصوات رجال يتكلمون وكانوا ستة نفر من شباب المدينة وكانت تسمى يثرب .
فعرض النبي - صلى الله عليه وسلم - الإسلام عليهم فاسلموا ، وحملوا الإسلام إلى أهل المدينة حتى لم يبق بيت من بيوت الأنصار إلا وفيه ذكر لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
في موسم الحج سنة 12 جاء 12 رجلا وبايعوا النبي - صلى الله عليه وسلم - بيعة العقبة الأولى . وأرسل النبي - صلى الله عليه وسلم - مصعب بن عمير معهم غالى المدينة .
في موسم الحج سنة 13 من البعثة جاء 73 رجلا وامرأتان وبايعوا النبي - صلى الله عليه وسلم - بيعة العقبة الثانية . وبذلك أصبح للإسلام قواعد وأرضية صلبة يستند عليها في المدينة .
ونواصل الحديث في اللقاء القادم إن شاء الله عن أهم الدروس المستفادة من قصة الهجرة على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى السلام .. والله ولي التوفيق .
ــــــــــــ
(1) - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ وَقْدَانِ الْقُرَشِيِّ - وَكَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ السَّعْدِيِّ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لاَ تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ مَا قُوتِلَ الْكُفَّارُ.صحيح ابن حبان - (ج 11 / ص 208) (4866) صحيح
(2) - صحيح البخارى (2783 ) وصحيح مسلم (4938) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما
(3) - صحيح البخارى (3852 )
(4) - انظر موسوعة خطب المنبر - (ج 1 / ص 2364)
(5) - انظر موسوعة خطب المنبر - (ج 1 / ص 2333)