الهجرة لغة:
الهجرة: هي الاسم من الهجر أو الهجران ، وهي مأخوذة من مادة ( هـ ج ر ) التي تدل على معنيين:
الأول: القطيعة.
الثاني: شد شيء وربطه
فمن الأول: أخذ الهجر ضد الوصل وكذلك الهجران , وقولهم: هاجر القوم من دار إلى دار: أي تركوا الأولى إلى الثانية كما فعل المهاجرون حين هاجروا من مكة إلى المدينة .
قال ابن منظور: الهِجرةُ والهُجرة: الخروج من أرض إلى أرض والمهاجرون: الذين ذهبوا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - مشتق منهم.
الهجرة في الشرع:
* هي ترك الوطن الذي بين الكفار ، والانتقال إلى دار الإسلام
قال الرَّاغبُ: الهجرة: الخروج من دار الكفر إلى دار الإيمان ، كمن هاجر من مكة إلى المدينة .
قال الكُفوي: الهجرة هجرتان:
الأولى: هجرة المسلمين في صدر الإسلام إلى الحبشة فرارًا من أذى قريش
الثانية: هجرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين قبله وبعده ومعه إلى المدينة وقد كانت الهجرة من فرائض الإسلام بعد هجرته - صلى الله عليه وسلم - ثم نسخت بعد فتح مكة.
لقوله - صلى الله عليه وسلم - - (( لاهجرة بعد الفتح ) )صحيح مسلم- كتاب الإمارة- باب المبايعة بعد فتح مكة على الإسلام والجهاد والخير برقم (2468) .
لقد عاش نبينا - صلوات الله وسلامه عليه - محبوبًا بين قومه وعشيرته ، محترمًا عندهم غاية الاحترام ، والتقدير مما أدى بهم إلى أن حكَّموه في وضع الحجر الأسود ، حينما تنازعوا في وضعه ، ولقبوه بالصادق الأمين ، ولكن سرعان ما انقلب هذا الحب والتقدير إلى كُرهٍ وبغضاء , وحقدٍ ذميم ، وذلك حينما صدع - صلوات الله وسلامه عليه - بالدعوة إلى الله ، إلى إفراده سبحانه بالألوهية ، والربوبية ، والطاعة والإتباع ، عند ذلك ثارت ثائرة قريش بالتصدي له وتكذيبه فقالوا:
{أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} (5) سورة ص )) ص: 5 . وقالوا: {أَأُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ} (8) سورة ص. وصاروا يقابلون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأشد أنواع الإيذاء ، من سخرية ومحاولة اغتيال ، وعروض دنيوية ، وغير ذلك ، من الوسائل التي يسلكها أعداء الله للقضاء على الإسلام ودعاته في كل زمانٍ ومكان . ولما كانت الهجرة أمرًا مهمًا لإعلاء شأن الدين ، ولحصول الحرية الكاملة لعبادة الله وطاعته ، ولأنها لا تحدث إلا عن حرب ومضايقة من أعداء الله لأوليائه . لذلك نوه الله بذكرها فأطلع بعض الأمم على أمرها فكان عندهم العلم اليقين بهجرة سيد المرسلين من البلد الأمين إلى المدينة النبوية . عن أبي موسى عن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال:
(( رأيت في المنام أني أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل، فذهب وهلي إلى أنها اليمامة ، أو هجر ، فإذا هي المدينة يثرب.. ) )البخاري- كتاب المناقب- باب علامات النبوة في الإسلام برقم (3352)
وعند البخاري: (( رأيت دار هجرتكم رأيت سبخة ذات نخل بين لابتين وهما الحرتان ) )البخاري-كتاب الحوالات-باب جوار أبي بكر في عهد النبي وعقده برقم (2134) .
وبعد ما علم - عليه الصلاة والسلام - مكان هجرته وبايع الأنصار على النصرة والتأييد, واطمأنت نفسه الشريفة على وجود بلد آمن يستطيع فيه هو وأصحابه - رضي الله عنهم- أن يعبدوا الله ويدعوا الناس إلى عبادته وتوحيده , وعند ذلك أذن - صلوات الله وسلامه عليه - لأصحابه بالهجرة - إلى طيبة الطيبة. فعن عروة وعائشة قالا: لما صدر السبعون من عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم- طابت نفسه وقد جعل الله له منعة , وقومًا أهل حرب , وعدة ونجدة، وجعل البلاء يشتد على المسلمين من المشركين لما يعلمون من الخروج ، فضيقوا على أصحابه وتعبثوا بهم ، ونالوا منهم ما لم يكونوا ينالون من الشتم والأذى ،فشكا ذلك أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم- واستأذنوه في الهجرة فقال: (( قد رأيت دار هجرتكم ، رأيت سبخة ذات نخل بين لابتين وهما الحرتان ولو كانت السراة أرض نخل وسباخ لقلت هي هي ) )، ثم مكث أيامًا فخرج إلى أصحابه مسرورًا ، فقال: (( قد أخبرت بدار هجرتكم، وهي يثرب فمن أراد الخروج فليخرج إليها ) ). البخاري-كتاب الحوالات-باب جوار أبي بكر في عهد النبي وعقده برقم (2134)
فجعل القوم يتجهزون ويتوافقون ويتواسعون ويخرجون ويخفون ذلك، فكان أول من قدم المدينة من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم- ، أبو سلمة بن عبد الأسد, ثم قدم بعده عامر بن ربيعة معه امرأته ليلى بنت أبي خيثمة ، فهي أول ظعينة قدمت المدينة ، ثم قدم أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم- أرسالًا ، فنزلوا على الأنصار فآووهم ونصروهم وواسوهم .
ثم أقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم- بمكة بعد أصحابه من المهاجرين ينتظر أن يؤذن له في الهجرة ، ولم يتخلف معه بمكة أحد من المهاجرين إلا من حبس أو فتن إلا علي بن أبي طالب, وأبو بكر بن أبي قحافة الصديق - رضي الله عنهما - وكان بقاء الصديق بإذن من رسول الله. وكان أبوبكر كثيرًا ما يستأذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الهجرة فيقول له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (( لا تعجل لعل الله يجعل لك صاحبًا فيطمع أبوبكر أن يكونه ) ). انظر سيرة ابن هشام 2/102.
ولما أزفت التراتيب التي قضاها الله ، بعد أن وقت لها أوقاتها ، ورأت قريش أن الفرصة سانحة للنيل من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد أن خرج أصحابه من مكة ، وبقي وحيدًا مع المستضعفين ، وحسبتها غنيمة سهلة المنال ، فاجتمع رجالها في دار الندوة ، يتشاورون فيما بينهم بشأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاقترح بعضهم حبسه في حديد وتجويعه حتى يموت ، لكنهم رفضوا ذلك مخافة أن يجتمع أصحابه وينقذوه. وأشار ربيعة بن عامر بأن يخرجوه من بين أظهرهم فيفرغون بذلك منه ، لكن هذا الرأي لم يجد موافقه عند القوم ، خشية أن يغلب النبي الناس بحديثه ، ثم يجمع منهم قوة تدحر قريشًا في يومٍ من الأيام. ورأى أبو جهل أخيرًا أن يأخذوا من كل قبيلة فتىً شابًا جلدًا ، شريفًا ، ثم يعطى كل فتى منهم سيفًا صارمًا ، فيعمدون إليه فيضربونه ضربة رجل واحد ، وهكذا يتفرق دمه بين القبائل كلها. وحظي رأي أبو جهل بالقبول التام، وفيما كانت قريش تجمع فتيانها، نزل جبريل على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يعلمه بما يبيت ضده، ويأمره أن لا يلزم فراشه تلك الليلة قال الله - تعالى -: {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} (30) سورة الأنفال
وكان من عادة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يأتي بيت أبي بكر كل يومين: بكرة وعشية ، قالت عائشة: فبينما نحن جلوس في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة قال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم- متقنعًا - مغطيًا رأسه - في ساعة لم يكن يأتينا فيها ، فقال أبو بكر: فداءً له أبي وأمي ، والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر فجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم- فاستأذن له ، فدخل ، فاستأ خر أبو بكر عن السرير حتى جلس عليه ، فقال لأبي بكر: ( أخرِج مَنْ عِندَك ) فقال أبو بكر إنما هم أهلك بأبي أنت يا رسول الله. قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ( فإني قد أُذن لي في الخروج ) فقال أبو بكر وهو يبكي من الفرح - الصحبة يا رسول الله اختر إحدى راحلتي هاتين فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ( بالثمن ) واستأجر عبد الله بن أريقط ، وكان - مشركًا - يدلهما على الطريق ، ودفعا إليه الراحلتين اللتين أعدهما الصديق - رضي الله عنه - للهجرة فكانت عنده يرعاهما لميعاديهما الذي واعده بعد ثلاث. وقد اشتركت أسماء وعائشة ابنتا الصديق في تجهيز السفرة التي سيأخذها المهاجران ووضعتاها في جراب ، فلما أرادتا ربط فم الجراب لم تجد شيئًا فشقت السيدة أسماء نطاقها نصفين فربطت فم الجراب بنصفه ، وانطلقت بالآخر ، فلذلك سميت ( بذات النطاقين أو ذات النطاق.)
النبي - صلى الله عليه وسلم - - ينجو من كيد قريش:
عاد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعدما أخبر أبا بكر بالإذن له في الهجرة ، وبعد أن أعد العدة للهجرة إلى بيته، وكان جبريل - عليه السلام - أمر النبي - صلى الله عليه وسلم- أن لا يبيت على فراشه ، فلما كانت عتمة الليل اجتمع فتيان من قريش على بابه ، وبيدهم السيوف المرهفة ، ويتطاير من عيونهم شر الغدر والمكيدة، فلما رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم- مكانهم قال لعلي بن أبي طالب: (( نم على فراشي ، وتسبَّح ببردي هذا الحضرمي الأخضر ، فإنه لن يخلص إليك منهم شيء تكرهه ) )
وفي هجعة من الليل خرج - صلى الله عليه وسلم - وقد أخذ الله على أبصارهم فلم يبصروا به ، وكان أخذ كفًا من تراب فصار ينثر منه على رؤوسهم زيادة في النكاية بهم ، وهو يتلوا قول الله - تبارك وتعالى-: {وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ} (9) سورة يس ثم انصرف رسول الله لشأنه ، وبقي المشركون ينتظرون النائم حتى يخرج فيفعلوا به ما اتفقوا عليه ، لكن الله حارس لا ينام فقد أعمى أبصارهم عن رؤية رسوله فخرج رسول الله سالمًا من بين أظهرهم يذر التراب على رؤوسهم.
ذهاب الرسول - صلى الله عليه وسلم- إلى بيت الصديق ونظره إلى البيت ودعاءه:
وذهب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- من فوره إلى بيت الصديق - رضي الله عنه - وكان الصديق يترقب وصوله في أية ساعة بعد أن اتفقا على الصحبة في الهجرة وأعدا للسفر عدته.
ولما خرج من مكة توجه إلى البيت ، وقال: (( والله إنك لأحب الأرض إلي ، وإنك لأحب أرض الله إلى الله ، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ماخرجت ) )رواه ابن ماجة أنظر صحيح ابن ماجه 2برقم 2523 الألباني البداية والنهاية (3 / 178)
ثم توجه إلى الله بهذا الدعاء:
(( الحمد لله الذي خلقني ولم أكُ شيئًا ،اللهم أعني على هول الدنيا ، وبوائق الدهر، ومصائب الليالي والأيام ,اللهم اصحبني في سفري ، واخلفني في أهلي ، وبارك لي فيما رزقتني ، ولك فذللني ، وعلى صالح خُلقي فقوني ، وإليك ربي فحببني ، وإلى الناس فلا تكلني.رب المستضعفين وأنت ربي ، أعوذ بوجهك الكريم الذي أشرقت له السماوات والأرض ، وكشفت به الظلمات، وصلح عليه أمر الأولين والآخرين، أن تحل علي غضبك، وتنزل بي سخطك.
أعوذ بك من زوال نعمتك، وفجأة نقمتك، وتحول عافيتك، وجميع سخطك، لك العتبى عندي خير ما استطعت، ولا حول ولا قوة إلا بالله )) 1.
النبي - صلى الله عليه وسلم - وصاحبه في الغار:
خرج الرسول - صلى الله عليه وسلم- وصاحبه وقد تزودوا بالزاد والماء ليلًا من خوخة في ظهر بيت أبي بكر حتى لا يراهما أحد، وسلكا طريقًا غير معهودة، فبدلًا من أن يسيرا نحو الشمال ذهبا إلى الجنوب حيث يوجد (غار ثور) وكان خروجه كما قال ابن إسحاق لهلا ربيع الأول ، وقيل: في أواخر صفر.
ولما وصل النبي - صلى الله عليه وسلم - وصاحبه إلى الغار وأراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم- أن ينزل فيه قال له الصديق: مكانك حتى أستبرئ لك، فإن كان به أذى نزل بي قبلك، ثم نزل فتحسس الغار فلم يجد به شيئًا، فنزل رسول الله وقد بلغ منه الإعياء والتعب مبلغه فما أن دخلا حتى توسد الرسول قدم أبي بكر ونام ، وكان الصديق يأخذ من ثوبه ويسدُّ فم الأجحار خشية أن يكون شيء من الهوام فتؤذي رسول الله- صلى الله عليه وسلم- , - رضي الله عن الصديق - ما أصدقه في الصحبة ، فبقي منها جحر فألقمه عقبه ، وكانت به حية فلدغته ، فمنعه مكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- منه أن يتململ أي صدق في الصحبة بعد هذا وأي فداء يفدي بنفسه بعد هذا - رضي الله عنك - يا أبا بكر ولعن الله من يطعن فيك!!!
ولكن الألم لما اشتد به تحدرت دموعه ، فسقطت على وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم- فقال: ( ما لك يا أبا بكر؟ ) فأخبره بما حدث فتفل عليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم- فبرئت بإذن الله تعالى).
حفظ الله - عز وجل - نبيه - صلى الله عليه وسلم - من كيد الأعداء:
روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- لما دخل هو وصاحبه الصديق بالغار أمر الله - سبحانه- شجرة فنبتت على فم الغار ، وانتشرت أغصانها على بابه ، وألهم العنكبوت فنسجت على أغصان الشجرة، وألهم حمامتين وحشيتين فعششتا وباضتا بين أغصان الشجرة، وقد كان لهذه الآيات الثلاث أثرها في تضليل المشركين وصدهم عن اقتحام الغار ودخوله كما سترى عن كثب , وهكذا وقى الله نبيه وصاحبه بأضعفه جنده.ولما تبينت قريش إفلات النبي منهم جن جنونهم ، وصاروا يهيمون على وجوههم طلبًا له ، وجعلوا لمن يأتي به حيًا أو ميتًا مائة ناقة ، وبعثوا القافة وهي (جمع قائف ، وهو الذي يتبع أثر الأقدام في الأرض حتى يعلم أين ذهب صاحبه) . إثرة في كل وجه ، منهم: كرز بن علقمة ، وسراقة بن جعشم ، فصاروا يتبعون الأثر حتى انتهوا إلى جبل ( ثور ) ثم صعدوا الجيل حتى وقفوا على فم الغار. وهنا وقفوا متحيرين ..!!
إذ لو كان دخل الغار فكيف لم يتهدم نسيج العنكبوت ..!! ، وكيف لم ينكسر بيض الحمام؟!
ووقفوا مترددين ، أيدخلون الغار أم لا؟ حتى إن أحدهم هم أن يدخل الغار فقال له الآخرون: إن هذا العنكبوت لمن قبل ميلاد محمد !! وهكذا نرى أن الله صرف المشركين عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وصاحبه ، وهذا من حفظ الله - عز وجل - لنبيه - صلى الله عليه وسلم - من كيد أعدائه وحساده .
لطيفة خرافية: سُئل بعضهم عن الحكمة في اختفائه - صلى الله عليه وسلم - في غار ثور دون غيره فأجاب بأنه - - صلى الله عليه وسلم - كان يحب الفأل الحسن ، وقد قيل إن الأرض مستقرة على قرن الثور فناسب استقراره - صلى الله عليه وسلم - في غار ثور تفاؤلًا بالطمأنينة والاستقرار فيما يقصده هو ورفيقه2 سبل الهدى والرشاد في هدي خير العباد 3 / 242.
يقول الشرف البوصيري:
ظنوا الحمامَ وظنُّوا العنكبوتَ على ... خيرِ البريّة لم تَنسِج ولم تَحُمِ
وقايةُ الله أغنتْ عن مُضاعفةٍ ... منَ الدُّروعِ وعن عالٍ منَ الأُطُمِ 3
أهم المراجع
1.زاد المعاد / 3.
2.السيرة النبوية في ضوء الكتاب والسنة / د محمد بن محمد أو شهبة ج /1 .
3.أحاديث الهجرة جمع وتحقيق ودراسة / الدكتور / سليمان بن علي السعود.
4.السيرة النبوية دروس وعبر / د / مصطفى السباعي.
5.قبسات تربوية من السيرة النبوية د / حس
6.هذا الحبيب يامحب / الجزائري .
1 -قال الشيخ الألباني - رحمه الله - في تحقيقه على"فقه السيرة"للغزالي (166-167) عزاه إليه ابن كثير (187) من طريق محمد بن إسحاق قال: بلغني أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما خرج من مكة مهاجرًا إلى الله يريد المدينة. قال: فذكر الدعاء قلت: وهذا إسناد ضعيف معضل.
2 ما ذكرناها إلا لبيان بطلانها ، فالقول بأن الأرض على قرن ثور من خرافات الناس ، والله ورسوله بريئان من الباطل والخرافة .
3 قد سبق تعليقنا بعدم صحة قصة العنكبوت والحمام ونقلنا كلام العلماء في ذلك ، فارجع إلية .
خروج النبي من الغار إلى المدينة
بعد ثلاث ليالٍ وقد هدأ الطلب ، ويئس المشركون من إدراكهما خرجا من الغار ، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم- وأبو بكر استأجرا رجلًا من بني الديل وكانا قد دفعا راحلتهما ، وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليالٍ براحلتيهما صبح ثلاث، وانطلق معهما عامر بن فهيرة يخدمهما ويعينهما، يردفه أبو بكر ويعقبه ، فكانوا ثلاثة والدليل.
طريق الهجرة:
فلما خرج بها عبد الله بن أريقط دليلهما سلك بهما أسفل مكة ، ثم مضى بهما على الساحل حتى عارض الطريق أسفل من ( عسفان ) ، ثم سلك بهما أسفل ( أمج ) ، ثم استجاز بهما حتى عارض بهما الطريق بعد أنأ جاز قديدًا أجاز بهما من مكانه ذلك ، فسلك بهما ( الخرَّار ) ثم سلك بهما ثنية مرة ، ثم سلك بهما القفاء ، ثم أجاز بهما مدلجة لقف ، ثم استبطن بهما مدلجة فجاج، ويقال: فجاج فيما قال ابن هشام- ثم سلك بهما مرجح من ذي الغضون قال ابن هشام: ويقال: العضوين، ثم بطن ذي كثر، ثم أخذ بهما على الجداجد ثم على الأجرد ، ثم سلك بهما ذا سلم من بطن أعداء من لجة تعهن ، ثم على العبابيد ثم أجاز بهما الفاجة ثم هبط بهما العرج وقد أبطأ عليهما بعض ظهرهما ، فحمل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - - رجل من أسلم يقال له: أوس بن حجر على جمل له يقال له: ابن الرداء إلى المدينة، وبعث معه غلامًا له يقال له: سعود بن هنيدة ثم خرج بهما دليلهما من العرج فسلك بهما ثنية العائر عن يمين ركوبه، ويقال ثنية الغائر - فيما قال ابن هشام حتى هبط بهما بطن رئم ، ثم قدم بهما قباء على بني عمرو بن عوف لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول يوم الاثنين حين اشتد الضحاء وكادت الشمس تعتدل.
في خيمة أم معبد:
وفي الطريق إلى المدينة مرَّ النبيُّ بأم معبد، وإليك قصتها لما فيها من معجزة ظاهرة للنبي، ولما فيها من صورة واضحة لكثير من نساء الجاهلية في عفتها وشهامتها ، ومروءتها ، وبلاغتها وفصاحتها، فقد وصفت النبي- صلى الله عليه وسلم- بما يعجز عنه بيان غيرها.
روى الإمامُ البيهقي وغيره عن أخي أم معبد حبيش قال: لما خرج رسول الله - - صلى الله عليه وسلم - - ومعه أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - وعامربن فهيرة ، وابن أريقط يدلهم على الطريق فمروا بقديد على أم معبد:"عاتكة بنت خالد الخزاعية"، وكانت برزة ، جلدة ، تحتبي بفناء القبة ، ثم تسقي وتطعم من يمر بها ، وكان القوم مرملين مسنين ، فسألوها: هل عندها لبن أو لحم يشترونه منها فلم يجدوا عندها شيئًا ، وقالت: والله لو كان عندنا شيء ما أعوزكم القرى فنظر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى شاة في كسر الخيمة خلفها الجهد عن الغنم ، فسألها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ( هل بها من لبنٍ؟ ) فقالت هي: أجهد من ذلك فقال: (( أتأذنين لي أن أحلبها؟ ) )فقالت: نعم بأبي أنت وأمي إن رأيت حلبًا فاحلبها ، فدعا بالشاة فاعتقلها ، ومسح ضرعها ، فتفاجَّت ودرت ودعا بإناءٍ يربض الرهط ، فحلب فيه ثجًا وسقى القوم حتى رووا ، وسقى أم معبد حتى رويت ، ثم شرب آخرهم وقال: (( ساقي القوم آخر هم شربًا ) )، ثم حلب فيه مرة أخرى فشربوا عللًا بعد نهل ، ثم حلب فيه آخرًا وغادره عندها ، وفي رواية أنه قال لها أن (( ارفعي هذا لأبي معبد إذا جاءك ) )ثم ركبوا وذهبوا في انتظار الرسول.
ولما بلغ المسلمين بالمدينة مخرج النبي - صلى الله عليه وسلم- من مكة هو وصاحبه الصديق -رضي الله عنه-كانوا يخرجون كل غداة إلى الحرة فينتظرونه حتى يردهم حر الظهيرة ، فعلوا ذلك مرارًا ، فانقلبوا يومًا بعد ما أطالوا انتظارهم، فلما أووا إلى بيوتهم أوفى رجل من يهود على أطم من آطامهم لأمر ينظر إليه فبصر برسول الله - صلى الله عليه وسلم- وأصحابه مبيضين ، يزول بهم السراب ، فلم يملك اليهودي أن صاح بأعلى صوته: يا معشر العرب ، هذا جدكم الذي تنتظرون فثار المسلمون إلى السلاح ، فتلقوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - - بظهر الحرة ، فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل في بني عمرو بن عوف.
وكانت منازل بني عمر وبن عوف في قباء ، وكان ذلك يوم الاثنين من شهر ربيع الأول ، وقيل لهلال ربيع الأول ، وقيل: لليلتين خلتا منه وقيل لثامن يوم منه ، وقال ابن إسحاق لاثنتي عشرة ليلة خلتا من ربيع الأول ، وعند ابن سعد لثلاث عشرة منه
فقام أبو بكر للناس يتلقاه ، وجلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم- صامتًا ، فطفق من جاء من الأنصار ممن لم ير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يعرفه من قبل يحيى أبا بكر، حتى أصابت الشمس رسول الله - صلى الله عليه وسلم- فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه ، فعرف الناس رسول الله - صلى الله عليه وسلم- عند ذلك. فأقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم- في بني عمرو بن عوف أربعة أيام . الاثنين ، والثلاثاء ، والأربعاء ، والخميس ، وخرج يوم الجمعة قاصدًا المدينة.
استقبال أهل المدينة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
إنه ما إن ركب - صلى الله عليه وسلم - راحلته وسارت به من ديار بني سالم متجهة نحو المدينة ، وأهل كل دار من دور الأنصار يمر بها إلا ويستقبله رجالها قائلين هلم إلينا يا رسول الله إلى العدد والعدة وهم ممسكون بخطام ناقته وهو يقول:"دعوها فإنها مأمورة"
وخرج أهل المدينة لاستقبال الحبيب - - صلى الله عليه وسلم - - على بكرة أبيهم ، فامتلأت بهم الطرق ، وظهروا على سطوح المنازل نساءً وأطفالًا ورجالًا وهم يقولون ، الله أكبر جاء رسول الله ، الله أكبر جاء محمد الله أكبر جاء رسول الله ، والنساء والصبيان يضربون بالدفوف وينشدون:1
طلع البدر علينا ... ... من ثنيات الوداعْ
وجب الشكر علينا ... ... ما دعا لله داعْ
أيها المبعوث فينا ... ... جئت بالأمر المطاعْ
جئت شرفت المدينة ... ... مرحبًا يا خير داعْ
وواصل الحبيبُ سيره في تلك الحشود الحاشدة ، والجموع المتجمعة في هذا اليوم التاريخي العظيم الذي قال فيه أنس بن مالكٍ:"لقد رأيت اليوم الذي دخل فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علينا واليوم الذي قبض فيه فلم أر يومين مثلهما قط" (هذا الحبيب يا محب - الجزائري - ص 163)
وبعد الجمعة دخل النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة ومن ذلك اليوم سميت بلدة يثرب بمدينة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ويعبر عنها بالمدينة إختصارًا وكان يومًا تاريخيًا أغر فقد كانت البيوت والسكك ترتج بأصوات التحميد والتقديس ، والأنصار إن لم يكونوا أصحاب ثروات طائلة ؛ إلا أن كل واحد منهم كان يتمنى أن ينزل الرسول - صلى الله عليه وسلم - - عنده.
من فوائد الهجرة ما يلي:
1.دليل كمال الإيمان ، وحسن الإسلام.
2.إعلان العبودية الكاملة لله - عزوجل - والانقياد له .
3.دليل محبة الله ومحبة رسوله - صلى الله عليه وسلم - .
4.دليل صلاح العبد واستقامته.
5.الوعد بالكرامة والفوز بالجنة.
6.تفريج الكربات وحصول الخيرات.
7.تمحيص للإيمان واختبار للإنسان.
موسوعة نظرة النعيم 8 / 3566