الشيخ الأمين الحاج محمد أحمد*
ورد في فضل المحرم عامة، وعاشره وتاسعه خاصة، عدد من الأحاديث والآثار، تحث على الإكثار من الصيام في شهر الله المحرم خاصة، ويومي تاسوعاء وعاشوراء، أي التاسع والعاشر، أو العاشر والحادي عشر؛ من ذلك:
قوله صلى الله عليه وسلم:"أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله الذي تدعونه المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة قيام الليل".
وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سئل عن يوم عاشوراء، فقال:"ما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يومًا يتحرى فضله على الأيام إلا هذا اليوم ـ يعني يوم عاشوراء ـ وهذا الشهر ـ يعني رمضان".
وعن أبي قتادة أن رجلًا سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن صيام عاشوراء، فقال:"أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله".
وصح عنه أنه قال:"لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع والعاشر".
هذا كل ما صح في هذا الشهر، أما الاحتفال في أوله بالهجرة، واتخاذ ذلك عيدًا وعطلة، فهذا لم يرد فيه حديث صحيح، ولم يُؤثر عمل ذلك عن أحد ممن يقتدى بهم، من الصحابة، والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين؛ إذ لو صحَّ في ذلك حديث، أوأثر، أوفعل، لنقل إلينا، كما نقل إلينا الحث على إكثار الصيام فيه، سيما يومي عاشوراء وتاسوعاء، فإن الهمم متوفرة لنقل ذلك وحفظه والعمل به؛ وحيث لم يصلنا في ذلك خبر صحيح، ولا فعل موصول بالقرون الفاضلة، دل ذلك على عدم مشروعية الاحتفال في أول المحرم بالهجرة واتخاذ ذلك عيدًا وعطلة عامة، لأن ما لم يكن في ذلك اليوم دينًا فلن يكون اليوم دينًا .
روى معمر عن ابن طاوس عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا تتخذوا شهرًا عيدًا ولا يومًا عيدًا"، يعني غير أعياد المسلمين الثلاثة المعلومة: الجمعة من كل أسبوع، وعيد الفطر وأيام التشريق، وعيد الأضحى .
قال الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله: (وأصل هذا أنه لا يشرع أن يتخذ المسلمون عيدًا إلا ما جاءت به الشريعة باتخاذه عيدًا وهو يوم الفطر، ويوم الأضحى، وأيام التشريق، وهي أعياد العام؛ ويوم الجمعة وهو عيد الأسبوع؛ وما عدا ذلك فاتخاذه عيدًا وموسمًا بدعة لا أصل له في الشريعة) .
أول من سن التأريخ بهجرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - من مكة إلى المدينة الخليفة الراشد والإمام العادل عمر بن الخطاب، وكان ذلك في السنة السادسة عشرة من الهجرة في خلافته، وقد عمل ذلك بمشورة أصحاب الرسول - صلى الله عليه وسلم - وإجماعهم؛ ولو كان الاحتفال بالهجرة مشروعًا من قبلُ لما غفل عنه عمر، ولو كان سنة لفعله هو، إذ عمل الخلفاء الراشدين سنة؛ فلو كان خيرًا لما غفل عنه هؤلاء الأخيار وانتبه إليه الخلوف من الأمة في القرون المتأخرة، ولو كان مشروعًا لما سبق إليه المتأخرون وتركه الأولون، فدلّ ذلك على أن الاحتفال بالهجرة واتخاذ ذلك عيدًا وعطلة لا أصل له في الدين، ومن ثم فهو بدعة ومحدث، وقد أعلمنا رسولنا - صلى الله عليه وسلم - أن كل بدعة ضلالة، وأن من أحدث في الدين ما ليس منه فعمله مردود عليه، لا يقبل منه صرفًا ولا عدلًا، بل سيؤاخذ بابتداعه هذا، وبتقليد الناس له، بحكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"من سنّ سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئًا".
اعلم أخي المسلم أن هذا العلم دين فانظر ممن تتلقى دينك، ولا تكن إمعة تقول: إن أحسن الناس أحسنتُ وإن أساءوا أسأتُ، ولكن وطِّن نفسك على اتباع الحق، فالخير كل الخير في الاتباع، والشر كل الشر في الابتداع؛ اللهم هل بلغت، اللهم فاشهد.
ــــــــــــ