صرف القيادات عن أهدافها ، بالترغيب أو بالترهيب ، وكذلك إبادة القيادات ؛ بالاغتيال أو بالإعدام: غاية ، يسعى إليها ، ويعمل بجد لها أعداء الإسلام ، وشانئوا الحركة الإسلامية
وهؤلاء وهؤلاء يظنون أنهم بصرف هذه القيادات ، أو إبادتها: ستموت المبادئ ، وينقرض حاملوها .
ولذلك: فهم لا يكلون ، ولا يملون من محاولات الوصول إلى هذا الهدف في كل العصور منذ القائد الأول محمد - صلى الله عليه وسلم - .
ولذلك: كان وجوب حماية القيادات ، وافتداؤها بالغالي والنفيس: أمرا شرعيا ، وواجبا دينيا ، حماية للمبادئ ، وحفاظا على مسيرة الدعوة .
وهذا درس واضح كل الوضوح في هجرة النبي - صلى الله عليه وسلم - .
يظهر ذلك جليا في كل هذه التدابير والاحتياطات التي تفنن فيها الأفراد الذين علموا بتفاصيل وخطط الهجرة النبوية ، والذين أحاطوها بالكتمان والسرية ، والحذر الشديد الواعي ، لحماية هذا القائد - صلى الله عليه وسلم - من أن تغتاله أيدي الطغاة .
خاصة: وأن هذا الأمر بات قرارا ، لكفار مكة ، لا رجعة فيه ، بعد أن اجتمعوا في دار الندوة ، لم يتخلف أحد من ذوي الرأي والحجى منهم ، ليتشاوروا في أمره ، - صلى الله عليه وسلم - . . وبعد أن قال أبو جهل:"والله إن لي فيه رأيا ما أراكم وقعتم عليه بعد ، قالوا: وما هو يا أبا الحكم . . ؟ قال: أري أن نأخذ من كل قبيلة فتى شابا جليدا نسيبا وسيطا فتيا ، ثم نعطي كل فتى منهم سيفا صارما ، ثم يعمدوا إليه فيضربوه بها ضربة رجل واحد ، فيقتلوه ، فنستريح منه ، فإنهم إذا فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل جميعا""66"
ولذلك _ وكما توضح كتب السيرة _ كان الكتمان الشديد ، والحرص الدقيق ، والتخطيط المحكم ، لتنفيذ الهجرة .
وهذه الحماية ، وهذا الافتداء: يتجلى في أعلى وأحلى صوره فيما يلي:
أ _ في نوم علي رضي الله عنه على فراش النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذه الليلة العصيبة الرهيبة التي أجمع كفار مكة فيها على قتل صاحب هذا الفراش ، وقد تقع الواقعة ، قبل أن يكتشفوا أن النائم ليس محمدا - صلى الله عليه وسلم - ، وبالضرورة سوف يحدث ، فغياب المقصود بالقتل عن فراشه هذه الليلة بالذات ، ونوم آخر مكانه ، أمر لا يخطر على بال أحد منهم أو من غيرهم .
ومع ذلك: لم يرفض علي رضي الله عنه ، ولم يناقش ، ولم يكشف عن نفسه لهم لينجو ، ولم يرتجف ، بل كان سعيدا لأن الفرصة واتته ، والأقدار قد شرفته بمناسبة يحمي فيها القائد ويفتديه بحياته .
ب _ وفي الطريق إلى الغار:"رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أبي بكر عجبا ، رآه يسير مرة أمامه ، ومرة يسير خلفه ، ومرة عن يمينه ، ومرة عن شماله ."
فسأله رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: عن هذا . . ! ! ؟
فقال: يا رسول الله . . ! ! أذكر الطلب _ أي طلبهم لك _ فأمشي خلفك ، وأذكر الرصد _ أي ترصدهم لك _ فأمشي أمامك ، ومرة عن يمينك ، ومرة عن شمالك ؛ لا آمن عليك .""67""
وهكذا: حماية ، وافتداء للقيادة من الشباب والشيوخ ، خوفا على القائد وحبا فيه ، وحرصا على الدعوة وصيانة أمرها ، وحبا في الله تعالى وإعلاء كلمته .
ج _ ولا يقف الأمر عند حماية القيادة من القتل والاغتيال فقط ، بل حمايتها من كل مكروه ، صغر أو كبر ، قل أو كثر
يذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، لما مشي على أطراف أصابعه _ وهو في الطريق إلى الغار _ لئلا يظهر أثر رجليه على الأرض ، وحفيت قدماه ، ولم يصل إلى الغار حتى تقطرت دما ! ! حمله أبو بكر _ وهو يشتد به _ حتى أتى الغار ، فأنزله ."68"
الله أكبر ! ! لهذه الدرجة يفتدي شيوخ الحركة شبابها إذا كانوا هم القادة . . ! ! ؟
د _ لما وصلا للغار: وأراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ينزل فيه: قال له الصديق . . مكانك حتى استبرئ لك ، فإن كان به أذى نزل بي قبلك ، ثم نزل فتحسس الغار ، فلم يجد به شيئا ، فنزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وقد بلغ منه الإعياء والتعب مبلغه ، فما إن دخلا حتى توسد الرسول - صلى الله عليه وسلم - قدم أبي بكر ونام .
وما كل هذه الصور _ وغيرها كثير _ إلا لأنهم علموا جيدا أن اغتيال القيادة وإنهاءها ، هو هدف رئيسي بالنسبة للعدو
وهذا درس يجب أن يعيه شباب الحركة الإسلامية ، فيحمون قادتها ، ويفتدونهم بالغالي والنفيس .
خاصة: وهم يرون " المحاولات _ الكثيرة _ اليائسة ، التي يقوم بها أعداء الإسلام لإنهاء الحركة الإسلامية ، عن طريق قتل قيادتها إعداما ، أو اغتيالا .""59 "
"والذي يلحظ الحاكمين وهم يواجهون الحركة الإسلامية رغم اختلاف مشاربهم ، ونوازعهم ، يجدهم يلتقون جميعا على قتل هذه القيادات ."
ومما ينبغي الانتباه له: " أن أعداء الإسلام يخطئون كثيرا ، حينما يتصورون أن انتهاء القائد ، يعني انتهاء المواجهة والجهاد _ وبالرغم من خطورة هذا الأمر ، والدور الرئيسي للقيادة ، كما يقول: الأستاذ منير الغضبان _ فهو لا يصح بشكل دائم ، إنه قد يعيق الحركة . . . ولكن المعاني المتغلغلة في نفوس شباب الدعوة ، لا يمكن أن تنتهي بانتهاء القيادة""59 "
ولذلك . . ومن هذا الدرس . . نرى أن حماية القيادة ، وافتداءها: فريضة دينية ، وضرورة سياسية .
ــــــــــــ