تمهيد
السيرة لغة هي الطريقة والهيأة المعتادة التي يكون عليها الإنسان وغيره، والسيرة النبوية مأخوذة من السيرة بمعنى الطريقة، وهي تبحث في حياة الرسول - صلى الله عليه وسلم - منذ مولده حتى انتقاله إلى الرفيق الأعلى، وفي حياة صحابته الكرام الذين ضحوا في سبيل إعلاء كلمة الله في الأرض، وتبحث أيضا في الظروف الاجتماعية والسياسية التي انتشر فيها الدين الإسلامي، الذي ابتدأ بكلمة"اقرأ"في غار حراء، إلى أن دانت الجزيرة العربية به ودخل الناس في دين الله أفواجا.
فعندما ندرس السيرة النبوية المطهرة، نكون بصدد دراسة سيرة خير نبي اصطفاه الله ، وندرس سيرة خير أمة أخرجت للناس، وندرس سيرة خير رسالة أنزلت للناس، ودراستها قبل كل شيء عبادة: يقول تعالى: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا) "الأحزاب 21"، فالأمة الإسلامية مأمورة بالاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، ولن تتمكن من التأسي به ما لم تفقه سيرته وتدرسها وتتعرف عليها.
وقد اخترت في بحثي هذا المتواضع موضوع الهجرة النبوية ورجالاتها لما لهذا الحدث العظيم من أهمية في التاريخ الإسلامي، حيث سأحاول ذكر الأحداث الرئيسية التي سجلها هذا الحدث العظيم، مع التركيز على سير بعض الرجال الذين أعطوا الدليل والبرهان على صدق نصرتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، عبرة لنا ولأجيالنا المستقبلية، عسى أن تتيقظ هممنا وتنبعث عزائمنا متأسية بحياة هؤلاء الرجال، الذين جاهدوا بأموالهم وأنفسهم. والله نسأل أن يجعلنا على نهجهم القويم، وأن يحشرنا في زمرتهم غدا يوم لقاء الله سبحانه وتعالى.
الهجرة النبوية
روى الإمام أحمد عن جابر رضي الله عنه قال: مكث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمكة عشر سنين يتبع الناس في منازلهم يقول:"من يؤويني، من ينصرني؟ حتى أبلغ رسالة ربي، وله الجنة"فلم يجد أحدا يؤويه ولا ينصره... حتى إن الرجل ليخرج من اليمن أو من مضر فيأتيه قومه، وذو رحمه فيقولون له: احذر غلام قريش لا يفتنك، ويمضي بين رجالهم وهم يشيرون إليه بالأصابع، حتى بعثنا الله إليه من يثرب فآويناه وصدقناه. فيخرج الرجل منا فيؤمن به ويقرؤه القرآن، فينقلب إلى أهله فيسلمون بإسلامه، حتى لم تبق من دور الأنصار إلا وفيها رهط من المسلمين يظهرون الإسلام، ثم ائتمروا جميعا فقلنا: حتى متى نترك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يطوف ويطرد في جبال مكة ويخاف؟ فرحل إليه منا سبعون رجلان حتى قدموا عليه الموسم، فواعدناه العقبة، فاجتمعنا عندها من رجل أو رجلين حتى توافينا، فقلنا يا رسول الله، علام نبايعك قال:"تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل، والنفقة في اليسر والعسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن تقولوا في الله لا تخافون في الله لومة لائم وعلى أن تنصروني فتمنعوني إذا قدمت عليكم، مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم ولكم الجنة"، فقمنا إليه فبايعناه، وأخذ بيده أسعد بن زرارة وهو من أصغرهم فقال:"رويدا يا أهل يثرب، فإنا لم نضرب إليه أكباد الإبل، إلا ونحن نعلم أنه لرسول الله، وان إخراجه اليوم منا وأن العرب كافة، وقتل خياركم، وأن تعضكم السيوف، فإما أنتم قوم تصبرون على ذلك فخذوه، وأجركم على الله، وإما أنتم قوم تخافون من أنفسكم خيفة فذروه، فبينوا ذلك فهو أعذر لكم عند الله، قالوا: أمط عنا يا أسعد، فوالله لا ندع هذه البيعة، ولا نسلبها أبدا، قال فقمنا إليه، فبايعناه، وأخذ علينا وشرط، ويعطينا على ذلك الجنة".
من خلال هذه الرواية، يتضح أن الدعوة بمكة وصلت إلى الطريق المسدود، فقد أصبح المسلمون يتعرضون إلى كل أنواع العذاب و الحصار والاضطهاد النفسي والبدني، خصوصا بعد وفاة خديجة رضي الله عنها، وأبي طالب عم النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي كانت تهابه قريش. فأخذ يعرض - صلى الله عليه وسلم - نفسه على القبائل، إلى أن استجاب أهل يثرب، وأبدوا استعدادهم لنصرته في السراء والضراء.
رجالات الهجرة النبوية
الرجل هنا بالمفهوم القرآني، يدخل فيه الذكر والأنثى، إذا تحققت فيهم الصفات التي أرادها الله لهم:"رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة"، وذكرتها الآية هنا بالجمع كناية على أن الهجرة ساهم فيها كثير من المسلمين، منهم من دونتهم كتب السيرة ، ومنهم من لم يذكروا.
1-أبو بكر الصديق رضي الله علنه:
كان هذا الصحابي الجليل من الذين سبقوا في إعلان إسلامهم، وكان لا يفارق رسول الله عليه وسلم، وكان رضي الله عنه يصدقه في كل ما يقول دون تردد، وقد وُضع في كفة والأمة في كفة فرجح بها، نال هذا كله بالتصديق المطلق لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
أراد هذا الصحابي الجليل أن يهاجر، فجاء يستأذن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك، فقال رسول الله عليه وسلم:"على رسلك فإني أرجو أن يؤذن لي"فقال أبو بكر: وهل ترجو ذلك بأبي أنت؟ قال:"نعم"فحبس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليصحبه، وعلف راحلتين كانتا عنده أربعة أشهر .لقد اختاره - صلى الله عليه وسلم - أن يكون رفيقه في هجرته، واختياره هذا دليل على مكانته وحبه للنبي صلى الله عليه وسلم.
قال ابن شهاب: قال عروة: قالت عائشة: فبينما نحن يوما جلوس في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة، قال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - متقنعا في ساعة لم يكن يأتينا فيها، فقال أبو بكر: فدى له أبي وأمي، والله ما جاء به هذه الساعة إلا أمر. قالت: فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستأذن فأذن له، فدخل فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأبي بكر:"أخرج من عندك"فقال أبو بكر: إنما هم أهلك بأبي أنت يا رسول الله، قال:"فإني قد أذن لي في الخروج". قال أبو بكر: الصحبة بأبي أنت يا رسول الله؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"نعم". قال أبو بكر: فخذ بأبي أنت يا رسول الله إحدى راحلتيّ هاتين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"بالثمن".
كان بيت أبي بكر رضي الله عنه بيت الدعوة والجهاد في سبيل الله، منه بدأت الهجرة وانطلق الإعداد لها. وكلام سيدنا أبي بكر مع نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - كله فداء وتعظيم لرسول الله. وخرجا من بيت أبي بكر خفية، وذهبا إلى غار ثور حيث اختبآ من أن تلحق بهم قريش فتدركهما فتغتال دعوة الله.
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن أبا بكر الصديق حدثهم قال: نظرت إلى أقدام المشركين فوق رؤوسنا ونحن في الغار، فقلت: يا رسول الله، لو أن أحدهم نظر تحت قدميه أبصرنا فقال:"يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما".
2-عبد الله بن أبي بكر:
هذا الصحابي كان له دور كبير ودقيق في نجاح هجرة النبي - صلى الله عليه وسلم - من مكة إلى يثرب، فقد كان يقضي يومه في مكة يخالط قريشا ويستمع إلى ما يقوله أعداء الدعوة وما يعتزمون القيام به قصد القضاء على نبي الله الكريم، وكان ينقل هذه الأخبار إلى غار ثور حيث كان يختبئ النبي - صلى الله عليه وسلم - مع أبى بكر الصديق رضي الله عنه وكان يبيت معهم، وحتى لا يعرف أثره الذي يخلفه في الطريق عندما كان ينتقل من مكة إلى الغار، كان يمر وراءه عامر بن فهيرة ليتلف أثر قدميه حتى لا تصل إليه قريش.
3-علي بن أبي طالب كرم الله وجهه:
لقد ضحى بنفسه هذا الصحابي الجليل ليلة كان يأتمر الشيطان مع قريش في دار الندوة ، حيث قرروا أن يضربوه ضربة واحدة فيتفرق دمه بين القبائل ويتخلصون من"دعوة محمد". فأطلع الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - على ذلك، فخرج هو وأبو بكر على غار في الجبل، ونام علي على فراش النبي صلى الله عليه وسلم، وباتوا يحرسونه يحسبونه أنه النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أصبحوا، قام علي لصلاة الصبح، بادروا إليه فإذا هم بعلي، فقالوا أين صاحبك؟ قال: لا أدري فاقتصوا أثره.
بات وهو يدرك أن مصيره في خطر. إلا أن قوة الإيمان جعلته ينام مطمئنا، ليقوم في الصباح برد ودائع قريش التي كانوا يضعونها عند رسول الله صلى الله عليه وسلم.
4-أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها:
جاء في صحيح البخاري ، مناقب الأنصار، باب هجرة النبي - صلى الله عليه وسلم - أن أسماء رضي الله عنها قالت: صنعت سفرة للنبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر حين أرادا المدينة، فقلت لأبي: ما أجد شيئا أربطه إلا نطاقي، قال: فشقيه، ففعلت، فسميت ذات النطاقين.
وعن أسماء رضي الله عنها قالت: لما خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخرج أبو بكر معه، احتمل أبو بكر معه ماله كله خمسة آلاف درهم أو ستة آلاف درهم، فانطلق بها معه. قالت: فدخل علينا جدي أبو قحافة وقد ذهب بصره، فقال: إني والله لأراه قد فجعكم بماله مع نفسه. قلت كلا يا أبت، قد ترك لنا خيرا كثيرا، قالت: فأخذت أحجارا فجعلتها في كوة في البيت كان أبي يجعل فيها ماله، تم جعلت عليها ثوبا، ثم أخذت يده، فقلت يا أبت، ضع يدك على هذا المال، قالت: فوضع يده عليه، فقال لا بأس، إن كان ترك لكم هذا لقد أحسن، وفي هذا لكم بلاغ. قالت: لا والله ما ترك لنا شيئا، ولكن أردت أن أسكن الشيخ بذلك.
هؤلاء الرجال كان لهم فضل كبير في انتقال الدعوة من مكة إلى يثرب حيث سيقيم - صلى الله عليه وسلم - إلى جانب كل من الأنصار والمهاجرين دولة إسلامية تكون منطلقا لنشر الإسلام إلى كل بقاع العالم.
اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وحزبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
المراجع:
-القرآن الكريم.
-صحيح البخاري.
-مسند الإمام أحمد.
-مجمع الزوائد.
ـــــــــــ
شرعية الأعمال الفدائية
ليست الشجاعة التي سبق وأن تحدثنا عنها في الدرس السابق: كلاما نظريا .
بل هي واقع عملي ، يتحلى به ، ويشرف باكتسابه أصحاب الدعوات .
ولهذه الشجاعة من الصور: الكثير والكثير .
ومن أعلى هذه الصور وأشرفها: الأعمال الفدائية ، التي تتطلبها الدعوات ، وتقتضيها الضرورات ، ويأذن بها الشارع ، ويعد بالثواب عليها .
وبيان ذلك:
أنه لو لم يكن هناك سبيل لحماية: الدين ، أو العرض ، أو النسل ، أو المال ، أو الدفاع عن ذلك ، إلا بافتدائه بذات النفس: كان ذلك عملا مشروعا .
وهذا ما فعل بعضه سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، حينما بات ليلته راقدا في فراش الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، وهو يعلم يقينا _ أو يغلب على ظنه ظنا راجحا _ أنهم سوف يقتلونه ، اعتقادا منهم أنهم يقتلون محمدا صلى الله عليه وسلم
لا يشك أحد في أن عليا كان يعلم بالظروف التي تمر بها الدعوة ، وبالشر الذي يبيته الكفار للنبي - صلى الله عليه وسلم - بصفة عامة .
كما أنه لا يشك أحد في أنه كان يعلم أنهم سوف يهجمون عليه هجمة رجل واحد ، فيقتلونه ، إما بسبب غرابة التصرف وهو نومه _ على غير العادة _ في فراش النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وإما انتقاما منه ، لما فعل .
ومع ذلك: نام في هذا المكان الخطير ، وفي هذه الظروف العصيبة ، وبين يدي هؤلاء الأعداء الأشداء . . ! !
نام . . ليفتدي الرسول عليه الصلاة والسلام بنفسه . . ! !
نام . . ليفتدي هذه الدعوة بروحه . . ! !
نام . . ليقدم القدوة لشباب الإسلام في البطولة ، والشجاعة والفدائية .
نعم . . نام بإقرار النبي - صلى الله عليه وسلم - وموافقته ، بل بطلبه - صلى الله عليه وسلم - منه ذلك .
نام . . ليصير الفداء شرعيا .
ولذا . . لا مجال لأحد في إنكار شرعية الأعمال الفدائية ، للدفاع عن النفس أو حمايتها ، للدفاع عن الدين أو حمايته ، للدفاع عن العرض أو حمايته ، للدفاع عن الأهل أو حمايتهم ، للدفاع عن المال أو حمايته ، للدفاع عن الأوطان أو حمايتها .
وهؤلاء الفدائيون _ على هذا النحو _ شهداء إن قتلوا في هذه الحالة .
يقول عليه الصلاة والسلام:"فيما رواه الإمام أحمد في مسنده _ عن عبد الله بن عمرو بن العاص"ما من مسلم يظلم بمظلمة ، فيقاتل فيقتل: إلا قتل شهيدا""87
ولا ينبغي أن يقال عن هؤلاء الفدائيين: إنهم انتحاريون . . فهذا تحريف للكلم عن مواضعه ، وتزييف على العقول ، وفرق كبير بين الأعمال الفدائية التي تكون للإحياء ، أي إحياء النفس عند الله تعالى بحفاظها على الدين أو العرض ، أو غير ذلك مما ناضلت من أجله ، ودفعت روحها ثمنا لإبقائه وإحيائه ، مرضاة لله تعالى ، وبين الأعمال الانتحارية التي تكون تخلصا من الحياة ، وإهلاكا لنفس خلقها الله تعالى دون موافقة لشرعه ، وإذن منه سبحانه .
ومن هنا: لا ينبغي السكوت على حق يستلب ، أو على عرض يغتصب ، أو أرض تحتل ، أو دين تنتهك حرماته . بل لابد من الدفاع عن كل ذلك ، بل _ من البدء _ حماية كل ذلك .
وقد افترض الله على عباده المؤمنين هذا ، بما يحقق الغرض ، ويؤدي إلى النجاح فيه ، ولو كان بالأعمال الفدائية التي تهلك فيها النفس ، وتضيع فيها الروح .
( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم ) "88"
( يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون ) "89"
وقد امتثل النبي - صلى الله عليه وسلم - لهذا الأمر ، وقدم القدوة الحسنة الشجاعة الفدائية بنفسه ، في حضوره الغزوات ، وجهاده فيها ، وهو يعلم يقينا أن الكفار يقصدونه قصدا ، ولا يريدون سواه .
كما إمتثل على رضى الله عنه ، لهذا الأمر الإلهي ، التكليفى ، التشريفى ، النبوي ، له ، بهذا العمل الفدائي ليلة خروج النبي - صلى الله عليه وسلم - من بيته للهجرة .
وهو درس من دروس الهجرة النبوية: يجب أن يكون ماثلا في الأذهان ، لمن أراد حماية الدين والأوطان .
شعر أبي أحمد بن جحش في هجرة بني أسد
وقال أبو أحمد بن جحش بن رئاب، وهو يذكر هجرة بني أسد بن خزيمة من قومه إلى الله تعالى وإلى رسوله - صلى الله عليه وسلم - وإيعابهم في ذلك حين دعوا إلى الهجرة:
ولو حلفت بين الصفا أم أحمد *** ومروتها بالله برت يمينها
لنحن الألى كنا بها ثم لم نزل *** بمكة حتى عاد غثا سمينها
بها خيمت غنم بن دودان وابتنت *** وما إن غدت غنم وخف قطينها
إلى الله تغدو بين مثنى وواحد *** ودين رسول الله بالحق دينها
وقال أبو أحمد بن جحش أيضا:
لما رأتني أم أحمد غاديا *** بذمة من أخشى بغيب وأرهب
تقول فإما كنت لا بد فاعلا *** فيمم بنا البلدان ولتنأ يثرب
فقلت لها: بل يثرب اليوم وجهنا *** وما يشإ الرحمن فالعبد يركب
إلى الله وجهي والرسول ومن يقم *** إلى الله يوما وجهه لا يخيب
فكم قد تركنا من حميم مناصح *** وناصحة تبكي بدمع وتندب
ترى أن وترا نأينا عن بلادنا *** ونحن نرى أن الرغائب نطلب
دعوت بني غنم لحقن دمائهم *** وللحق لما لاح للناس ملحب
أجابوا بحمد الله لما دعاهم *** إلى الحق داع والنجاح فأوعبوا
وكنا وأصحابا لنا فارقوا الهدى *** أعانوا علينا بالسلاح وأجلبوا
كفوجين أما منهما فموفق *** على الحق مهدي، وفوج معذب
طغوا وتمنوا كذبة وأزلهم *** عن الحق إبليس فخابوا وخيبوا
ورعنا إلى قول النبي محمد *** فطاب ولاة الحق منا وطيبوا
نمت بأرحام إليهم قريبة *** ولا قرب بالأرحام إذ لا نقرب
فأي ابن أخت بعدنا يأمننكم *** وأية صهر بعد صهري ترقب
ستعلم يوما أينا إذ تزايلوا *** وزيل أمر الناس للحق أصوب
قال ابن هشام: قوله"ولتنأ يثرب"، وقوله"إذ لا نقرب"، عن غير ابن إسحاق.
قال ابن هشام: يريد بقوله"إذ"إذا، كقول الله عز وجل (إذ الظالمون موقوفون عند ربهم) قال أبو النجم العجلي:
ثم جزاه الله عنا إذ جزى *** جنات عدن في العلالي والعل
ضرورة البحث عن البيئة الصالحة للدعوة
على الداعية الذي يجد البيئة غير صالحة لدعوته ، والجو ليس مناسبا لها ، والأفراد لا يتقبلونها: أن يبحث _ بشرط صلاحيته هو _ عن بيئة أخرى لهذه الدعوة ، وجو آخر لها ، وأناس يتقبلونها ، مستعينا بالله ، معتمدا عليه ، ممتثلا لقوله تعالى ( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن ) "34"دون أن يكف عن نشر دعوته ، وإقناع الآخرين بها ، وتحبيبهم في التعرض لفضل الله ورضوانه عن طريقها ، وكذلك دون أن ييأس من النجاح في ذلك ، أو من نتيجة دعوته ، خاصة وأنه لا يعرف بيقين . . أين البيئة الصالحة لدعوته ؟ ولا متى يكون الجو مناسبا لها ؟ ولا من هم الأفراد الذين سيشرح الله صدورهم لقبولها ؟ حتى يخصهم _ في هذه الحالة _ بدعوته ، ويتفرغ لهم دون غيرهم ، ويحبس نفسه عليهم ؛ رجاء النجاح معهم ، والإفادة بهم ولهم .
حيث إن مرد الأمر في ذلك كله _ كما هو في غيره _ لله تعالى ، أولا وأخرا .
ولو كان الأمر على غير ذلك: لما بحث النبي - صلى الله عليه وسلم - لهذه الدعوة عن بيئات أخرى غير مجتمع مكة ، الذي كان يتطلع لهدايته ، ويتشوق لإيمانه ، ويتحسر لكفره وعناده ( فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا ) "35"في الوقت الذي كانوا فيه يقولون لبعضهم البعض ( لا تسمعوا لهذا القرآن ألغو فيه لعلكم تغلبون ) "36"
وذلك يتمثل في:
أمره - صلى الله عليه وسلم - لصحابته الكرام بالهجرة إلى الحبشة ؛ بحثا عن مجتمع لهذه الدعوة غير هذا المجتمع .
في ذهابه - صلى الله عليه وسلم - بنفسه إلى الطائف بحثا عن مجتمع لهذه الدعوة غير هذا المجتمع .
وهكذا كان يفعل - صلى الله عليه وسلم - في الظروف والمناسبات .
وثالثا: مع الأفراد والقبائل الذين كان يعرض عليهم دعوته دون كلل أو ملل أو يأس ، حتى استجاب الله لدعائه الذي قال فيه ( رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا ) "37"
وكان هذا المجتمع: هو مجتمع المدينة ، بجوه ، وظروفه ، وأفراده ، وجماعاته ، والذي كان بعد طول بحث وعناء .
وحتى نستفيد من هذا الدرس: علينا _ نحن المسلمين _ أن نكون جادين نشيطين في نشر الإسلام ومبادئه بكل الوسائل الممكنة ، _ وهي كثيرة ومتنوعة _ وبكل اللغات ، وفي كل البيئات ، وعلى كل الأفراد من باب عرض مباهج هذا الدين وروائعه ووسائله في إنقاذ العالم ، من الظلم والضياع والدمار ، الذي يسير فيه وإليه ، وليس من باب الدفاع عنه فقط ، والاكتفاء برد الشبهات التي تصنع ضده صنعا ، وتزرع زرعا ، لينشغل الدعاة بها ، وينصرف الناس عنه بسببها ، وتظل مبادؤه مطمورة ، وتعاليمه مهجورة .
وينبغي: أن لا يقعدنا عن ذلك ، ما يقال: من أن الفساد قد عم ، واتسع الخرق على الراقع ، و ( ظهر الفساد في البحر) "38"ولن تجدي محاولتنا في الدعوة والإصلاح .
إذ لو كان الأمر كذلك _ وهو ليس كذلك _ لما كانت الدعوة لإبراء الذمة وإنقاذ النفس في قوله تعالى ( وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون * فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون ) "39"
وأيضا . . فإن الداعية لا يدري متى هداية الله ؟ ولا لمن تكون ؟ كل ما عليه: أن يبلغ ، وأن ينشر ، وأن يكون قدوة صالحة بأقواله وأفعاله ، وأما مسألة الهداية ومكانها وأشخاصها . . فليدع ذلك لله سبحانه وتعالى ( إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء ) "48"
وللعلم . . ليست قلوب الناس كلهم قاسية كالحجارة ، ولكن تحتاج - فقط -إلى من يعرف مفاتيحها ، وإذا فتحت هذه القلوب ، ومست شغافها أنوار الدعوة: سرعان ما تتحول منقلبة على جهلها وجاهليتها ، وعلى معصيتها وعصيانها ، وفاعلة في بيئتها ومحيطها ، ليصبح ذلك خيرا لها ، ولمجتمعها ، وللدعوة .
كما أن كثيرا من أهل الباطل وأنصاره: يعادون الدعوة جهلا بها ، وبغضا لبعض أهلها ، ولو جاء الداعية الماهر: وأزاح هذه الغشاوة من الجهل عن العقول والقلوب ، وعالج هذا البغض من النفوس ، وزرع بدلا منه العلم السهل الواضح بهذه الدعوة وأهدافها ، وملأ هذه النفوس بالتسامح والمحبة ، والقدرة على التماس المعاذير للغير .
لو فعل ذلك ، ووفقه الله فيه: لتحول هؤلاء ، أو كثير منهم ، أو بعضهم . . إلى أنصار للدعوة بدل العداء لها ، ومحبين لهذا التيار بدل العداء لأهله .
ولو تم ذلك ..!!
لكسبت الدعوة بهم خيرا كثيرا .
ولكسبوا هم _ كذلك _ بالدعوة _ خيرا كثيرا .
ضرورة التخطيط
التخطيط لكل شئ: هو تحديد الهدف ، وتوضيح الوسائل والسبل الموصلة إليه ، والإعداد الجيد لبلوغه .
والذي يخطط جيدا: يدرس إلى جانب ذلك القدرات المطلوبة ، والإمكانات المتاحة ، للوصول إلى هذه الغاية ، وكذلك معرفة العقبات المتوقعة للحيلولة دون هذا الوصول ، ووضع الحلول والعلاجات لهذه العقبات .
ويختلف التخطيط لموضوع أو مشروع عنه لموضوع أو مشروع آخر ، كما يختلف التخطيط لموضوع يعني به فرد واحد عن موضوع تعني به جماعة ، عن موضوع تعني به دولة ؛ إذ لكل من هذه الثلاثة أهميته ودراساته وأهدافه .
ولكن . . لا يختلف أحد على أن كل موضوع أو مشروع لابد له من تخطيط جيد
وهذا ما فعله النبي - صلى الله عليه وسلم - في مشروع الهجرة النبوية .
فهي لم تتم ارتجالا ، ولا بين عشية أو ضحاها ، ولا بدون دراسة جادة ، وتخطيط دقيق . بل كانت الدراسة الواعية ، والتخطيط الجيد ، والإعداد المسبق لها ، بما يعد صورة من أرقى مستويات التخطيط ، والذي ينبغي أن تعيه الحركة الإسلامية ، وأن تدرسه جيدا ، وأن تتخذه نبراسا في تحقيق أهدافها .
ولبيان بعض جوانب هذا التخطيط نقول:
1 _ كان لابد من ترك الأمانات التي كان يأتمن كفار مكة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليها، وعدم أخذها معه ، إلى المدينة ، بل كان لابد من ردها إليهم .
وكان القرار: تكليف علي بن أبي طالب بالبقاء في مكة ؛ ليقوم برد هذه الأمانات إلى أصحابها ، بعد اختفاء النبي - صلى الله عليه وسلم - عنهم . وإخبار على وحده بذلك .
2 _ كان لابد من رفيق في هذه الرحلة الطويلة الشاقة إلى المدينة .
وكان هذا الرفيق: هو الصاحب والصديق ، والصديق أبو بكر رضي الله عنه ، وإخباره وحده ليستعد لذلك .
3 _ كان لابد من رواحل للركوب في هذه الفرة الطويلة .
ولذلك: تم شراء الراحلتين ، وقد دفع النبي - صلى الله عليه وسلم - ثمن إحداهما .