فهرس الكتاب

الصفحة 137 من 205

الحَمْدُ لِلَّهِ نَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنا، مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هادِيَ لَهُ، وأشْهَدُ أنْ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ، وأشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ?يا أيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها، وَبَثَّ مِنْهُما رِجَالًا كَثِيرًا وَنِساءً، واتَّقُوا اللَّهَ الذي تَساءَلُونَ بِهِ والأرْحامَ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا? [ النساء:1] . ?يا أيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وأَنْتُمْ مُسْلِمُون? [آل عمران:102] . ? يا أيُّهَا الَّذين آمَنوا اتَّقُوا اللَّه وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أعْمالَكُمْ، ويَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ، وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًَا عَظِيمًا? [الأحزاب:71] .

أيها المؤمنون في توديع عام واستقبال عام تتزاحم الذكريات والعبر، وتتجلى في النفس اللوامة الحقائق والصور، حين تنظر إلى الماضي وتستشرف المستقبل.

أيها الناس: اتقوا الله تعالى وانظروا وتدبروا في هذه الأيام والليالي، فإنها مراحل تقطعونها إلى الدار الآخرة، وكل يوم يمر بكم، فإنه يبعدكم من الدنيا ويقربكم من الآخرة، فطوبى لعبد اغتنم فرصة العمر الذي يقربه من ربه وخالقه في فعل الطاعات والقربات واجتناب المعاصي والآثام.

طوبى لعبد اتعظ بما في الأيام والليالي من تقلبات الأمور والأحوال، طوبى لعبد استدل بتقلبها على أيام لله فيها من الحكم البالغة والأسرار واستدل بتلك الأحداث والأحوال على محدثها ومقلبها ومصرفها ? يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُوْلِي الْأَبْصَارِ? [النور:44] .

أيها المسلمون: ألم تروا إلى هذه الشمس كيف تطلع كل يوم من مشرقها وتغيب في مغربها. وفي ذلك أعظم العظمة والاعتبار، فإن طلوعها ثم غيابها إيذان بأن هذه الدنيا ليست دار قرار ، وإنما هي ظهور ثم اختفاء وزوال ، ألم تروا إلى الشهور كيف تهل علينا يبدوا فيها الهلال صغيرًا ثم ينموا رويدًا رويدًا، حتى إذا تكامل نموه، أخذ بالنقص والاضمحلال ، وهكذا عمر الإنسان سواء ، فاعتبروا يا أولي الأبصار: إذا تم شيء بدا نقصه .. ترقب زوالًا إذا قيل تم .

ألم تروا إلى هذه السنين والأعوام كيف تنتهي وتتجدد فإذا دخل عام جديد نظر الإنسان إلى آخره نظر البعيد، ثم تمر به الأيام سراعًا فينصرم العام كلمح البصر، فإذا هو في آخر العام، وهكذا عمر الإنسان يتطلع إلى آخره تطلع البعيد وينظر إلى الموت نظر الشاك المريب يؤمل الإنسان بطول العمر، ويتسلى بالأماني، فإذا بحبل الأمل قد انصرم وإذا بالموت قد هجم عليه ونزل وتحقق ما أخبر الله به ? وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ? [ق:19] .

أيها المسلمون لقد ودعنا عامًا مضى وارتحل عنا بما فيه واستقبلنا عامًا جديدًا فليحاسب كل منا نفسه ماذا قدم في العام الماضي؟ وبماذا سيستقبل العام الجديد؟ لنتدارك ما فات من الزلل والتقصير بالتوبة والاستغفار ولنعزم في بقية أعمارنا على الإيمان الصادق والعمل الصالح والإنابة إلى الله فإننا في زمن الإمكان، وقد أوصى النبي - صلى الله عليه وسلم - رجلًا بقوله:"اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك"

أيها المؤمنون يحتفل بعض الناس في بداية العام الهجري الجديد ويقيمون الخطب والمناسبات واكتفوا من سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - بالخفيف من المظاهر والرسوم ولا شك أن سيرة نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - بكل ما فيها من مواقف ووقائع جديرة بكل تدبر وتأمل يزيد في الإيمان ويزكي الخلق ويقوم السلوك.

إن الحب الصادق للرسول الحبيب محمد - صلى الله عليه وسلم - يستدعي عزمًا صادقًا في الاستمساك بالأصول والحقائق التي جاء بها من عند الله والعض عليها بالنواجذ. إن الحب رخيصًا حين يكون زعمًا وكلامًا ولكنه غال حين يكون عملًا وجهادًا وإقدامًا ? قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ? [آل عمران:31 ] .

أيها المؤمنون إن هجرة نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم معلم بارز في سيرته المباركة المليئة بالعظات والدروس والعبر.

وإن من الدروس العظيمة التي ينبغي أن يعيها المسلمون وهم يمرون بأخطر هجمة يهودية صليبية حيث يجندون العالم كله لاستئصال الإسلام والقضاء على المسلمين ومطاردتهم في كل أرض. هذا الدرس هو أن هذا الدين الذي أكرمنا الله به ورضيه لنا دينًا هو السياج الحامي لكل حق في الأنفس والأموال والأرض والحرية والكرامة، إذا حفظ الدين حفظت النفس وحفظ المال والثروات ، بصدق العقيدة تحفظ الأرض ويحفظ الأهل.

أيها المؤمنون: تهجر الأوطان ويضحى بالنفوس والمهج والثروات من أجل الحفاظ على الإيمان بالله ورسوله. إن درس الهجرة ليؤكد لنا بكل وضوح وجلاء أن التفريط في العقيدة مآله هلاك النفوس وخراب الديار. إذا فقد الدين فلن يغني من بعده وطن، ولا مال، ولا أرض. وإن من سنن الله الثابتة أن القوى المعنوية هي الحافظة للقوى المادية. العقيدة والأخلاق والتربية القويمة هي الوسائل الصحيحة للحصول على المكاسب العليا والحفاظ عليها. إن الهجرة في غايتها فرار بالدين وتلمس لطرق النصر وأمل في حصول الفرج وسعي إليه. إن ترك الديار والأوطان وهجرها والخروج منها فيه مشقة على النفس، إن ترك الدُّور والإخراج منها قريبة من القتل كما قال تعالى: ? وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ? [النساء: 66] .

ولكن الله تعالى وعد المجاهدين في ذاته والمهاجرين في سبيله بالنصر والظفر في الدنيا والفوز والفلاح في الآخرة كما قال تعالى: ? وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللّهِ وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ? [النساء: 100] .

وقال عن المرتد عن دينه الذين الذي لا يصمدون أمام المحن والفتن. ? لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرونَ ? [النحل: 109] وأثنى سبحانه وتعالى على الثابتين على دينهم والقابضين عليه على الرغم من كل أجواء الفتن والمحن فقال: ? ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جَاهَدُواْ وَصَبَرُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ? [النحل:110] وقال: ? وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ? [العنكبوت:69 ] .

وإن من دروس هذه الهجرة المباركة كذلك التي ينبغي أن يعيها المسلمون جيدًا هو أن الظلم والطغيان مهما اشتد وتناهى فإنه إلى انتهاء واندحار ، فلا يحل لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يستسلم للباطل أو أن يدب اليأس والقنوط إلى نفسه. وإنما عليه أن يصبر ويصابر وأن يأخذ بالأسباب المتاحة أمامه معتمدًا في ذلك كله على ربه وخالقه لاجئًا إليه متوكلًا عليه مفوضًا الأمور كلها إليه جل وعلا. فإن من توكل على الله كفاه، ومن لاذ به حماه، ومن استنصر به نصره ووقاه وإن خذله أهل الأرض أو كادوا به وفي هذه المعاني يقول الله عز وجل منوهًا بهجرة نبيه - صلى الله عليه وسلم - وبصاحبه وخليله أبو بكر: ? إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ? [التوبة:40 ] .

أيها الناس: بادروا بالأعمال الصالحة قبل أن تشغلوا، فإن فتنًا كقطع الليل المظلم تدع الحليم حيرانًا، يصبح الرجل فيها مؤمنًا ويمسي كافرًا ، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا يبيع دينه بعرض من الدنيا ، لقد رأينا والله في زمننا من يبيع دينه وعرضه ووطنه وبلاده لليهود والنصارى بثمن بخس حقير قليل.

فعلى المسلم أن يتقي الله وأن يصبر ويثبت على دينه حتى يلقى الله.. واعلموا أن أمامكم أيامًا فاضلة كان نبيكم - صلى الله عليه وسلم - يخصها بصيام ويحث على صيامها ، إنها عاشوراء ويوم قبله أو يوم بعده مخالفة لليهود، وفي هذا اليوم الأغر العاشر من محرم أهلك الله فيه طاغية من أعظم الطواغيت الذين ظهروا على مسرح الحياة إنه فرعون وجنده وأنجى الله بني إسرائيل من العذاب المهين الذي عاشوه ردحًا من الزمن ، وفي القرآن الكريم بسط لقصة موسى عليه السلام مع فرعون وملئه.. ثم كانت النهاية التي تنتظر كل جبار عنيد يستعلي في الأرض ويضطهد المستضعفين.

وحين أراد الله أن يهلك الطغاة الجبابرة من فرعون وقومه أمر نبيه موسى أن يخرج ببني إسرائيل ليلًا كما قال سبحانه: ? وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ إِنَّ هَؤُلَاء لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ فَأَخْرَجْنَاهُم مِّن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ فَلَمَّا تَرَاءى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ وَأَنجَيْنَا مُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ? [الشعراء:52-68] إنه يوم مشهود صامه نبي الله موسى ومن معه شكرًا لله تعالى على هذه النعمة العظيمة نعمة إهلاك المجرمين ونصر المستضعفين، وصامه محمد - صلى الله عليه وسلم - وأمر بصيامه شكرًا لله فصوموه أيها المؤمنون. وأنيبوا إلى ربكم وسلوه أن يهلك فراعنة العصر من اليهود والصليبيين والمنافقين المندسين في صفوف المسلمين الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد، وكونوا أنتم مؤهلين للنصر والاستجابة بالاستقامة على أمر الله واجتناب الفواحش ما ظهر منها وما بطن.

واعلموا أن الأبواب كلها موصدة ولا نجاة للمسلمين اليوم إلا بالرجوع إلى الله وطرق بابه وصدق اللجوء إليه والضراعة والإخلاص هذا هو طريق الخلاص لا طريق غيره أبدًا.

راجعه/ عبد الحميد أحمد مرشد.

( المسندرك 4/ 341، حديث رقم: 7846، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقال الذهبي في التلخيص: على شرط البخاري ومسلم.

ــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت