فهرس الكتاب

الصفحة 173 من 205

خطبة الجمعة 4 محرم 1427هـ الموافق 3 فبراير 2006

تاريخ: 2006-03-13

حمدًا لله ، وشكرًا لله ، وصلاةً وسلامًا عليك يا رسول الله .

الحمد لله والحمد دائمًا لله ، والشكر دائمًا لله ، والصلاة والسلام دائمًا على رسول الله

عباد الله: إنّا في هذه الأيام ونحن نتذكر دروس الهجرة ، ونتأمل ونتدبر في تاريخ البعثة المحمدية ، ونتدبر قانون الله على هذه الأرض ، وقد جعل انتشار دين الحق وانتشار كل رسالات السماء ، من خلال جهاد ، ومن خلال فكرٍ وعملٍ وصراعٍ ، يدور بين معسكر الحق ومعسكر الباطل ، بين الذين يُرشدون إلى طريق الحياة وبين الذين يوجهون إلى طريق الموت . وهذا هو حال الدنيا منذ القدم

"وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَر.." [المائدة 27]

هذا هو قانون الأرض ، دائمًا كان هناك من يدعو إلى اتجاهٍ ، ومن كان يدعو إلى اتجاه مضاد ، واليوم كذلك ، وغدًا سيظل الأمر كذلك ، إنها الأرض بقانونها وبحكمة الله في خلقها .

"..إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَة.." [البقرة 30]

فكان الإنسان بوجوده ، هو في معنى خلافة الله على هذه الأرض ، وكان الإنسان بوجوده ، إما في طريق الحق ، وإما في طريق الباطل

"وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا" [الشمس 7-10]

فليس الهدف أن يكون الناس جميعًا في اتجاه واحد ، وإنما الهدف أن يظل هذا الاختلاف ، وأن يظل هذا الحوار بجميع صوره وأشكاله ، قائمًا على هذه الأرض . وكل الرسل حين ظهروا على هذه الأرض ، حوربوا واضطهدوا ، وكان انتشار دعوتهم من خلال الحوار ، ومن خلال الجهاد ، ومن خلال الاختلاف ، وما يستتبعه من صراعات بصور مختلفة .. إرادة الله في هذا الاختلاف ، إرادة الله في هذا التنوع ، إرادة الله أن يكون هناك الشيطان ، وأن يكون هناك الإنسان الذي هو خليفة الله على هذه الأرض:"..اهْبِطَا مِنْهَا.." [طه 123]

هكذا خاطب الله آدم وإبليس ، فكانت حكمته أن يتواجد آدم وإبليس على هذه الأرض

الذي يسلك طريق الحق ، يتخذ الأسباب وقوانين هذه الأرض حتى يستطيع أن ينشر دعوته ، لا يعتمد على خرق للعادة ، ولا يعتمد على أن هناك غيبًا سوف ينصره بدون جهدٍ ، وبدون جهادٍ ، وبدون دعوةٍ وحوارٍ وفكرٍ ، وقد يصل الأمر في بعض الأحيان إلى صراع وحرب على هذه الأرض بقوانينها وبأساليبها . كانت الهجرة إذًا هي في ظل هذا القانون الأرضي . حين اشتد أذى الكفار في مكة ، وحين أصبح رسول الله والذين معه في خطرٍ من وجودهم في هذه البقعة ، والله حافظٌ لهم ، وقد يقول قائل ألم يكن يستطيع الله أن يحفظهم في مكة ، وأن يقويهم في مكة ، وأن يجعلهم ينتصروا وهم في مكة ؟

كما قلنا ليست القضية هنا أن نقول أن الله قادرٌ أو غير قادر -حاشا لله- وإنما هو قانون الله ، قدرة الله في قانونه ، وفي آلياته ، وفي أساليبه ، وفي أسبابه ، وفي أن يكون هناك درس للناس جميعًا ، أن يتخذوا الأسباب ، وأن يتبعوا الطريق القويم ، وأن يعلموا دائمًا أن هناك فكرًا مضادًا ، واتجاهًا مضادًا لهم ولأفكارهم .. فكانت الهجرة هي تعبيرٌ عن اتخاذ هذه الأسباب ، واللجوء إلى مكان حصين آمن ، حتى يعد المسلمون أنفسهم ، ويُجَمِّعوا قوتهم ، ويستطيعوا أن يقفوا أمام هذا الظلام ..

حين ننظر في أحداث الهجرة ، نجد أن هناك أحداثًا خرجت عن المألوف من ظواهر هذه الأرض ، وقد يقول قائل أليس في هذا تناقض لما نقوله من أن القانون سارٍ على الجميع؟ نقول أن ما حدث هو في إطار القانون ، وأن الإنسان يوم يبذل كل جهده وكل قدراته وكل إمكاناته ، فإنه يكون بذلك أهلًا لقوةٍ أكبر من هذه الأرض تساعده في حركته ، لا يكون ذلك وهو يهمل أمرًا ، وهو يفرط في سببٍ ، وإنما تكون هذه الرعاية الغيبية يوم يكون قد بذل الجهد واتخذ السبب واجتهد في أمره ، في هذه اللحظة تكون هناك رعاية غيبية للإنسان .. لقد هاجر الرسول ولم يصر على بقائه في هذا المكان ، واتخذ جميع التدابير بقدر استطاعته وإمكاناته ، هنا تتدخل إرادة الله الغيبية ، فتحدث بعض الظواهر التي تساعده في حركته وفي هجرته ، فيخرج أمام المرابطين أمام بيته دون أن يروه ، ويدخل في غارٍ وينسج العنكبوت نسيجه أمامه فلا يدخله من يتابعوه .

هكذا نجد بعض الظواهر الغيبية التي ساعدت ، ولكن في إطارٍ - كما قلنا - من المساعدة لمن اجتهد ، ولمن اتخذ السبب ، واتجه في الطريق القويم . هكذا نجد في أحداثٍ كثيرة ، نجد في بدر وكان المسلمون قلة"..كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ.." [البقرة 249]

نجد التدخل الغيبي والمساعدة الروحية ، وفي أُحد يوم تخلّى المسلمون عما أمروا به ، لم يتدخل الغيب ليحميهم أو ليساعدهم ، لأنهم لم يساعدوا أنفسهم ولم يلتزموا بما أمروا به .. هذا هو القانون ، على الإنسان أن يبذل كل طاقاته وكل إمكاناته ، لا بالكلام الأجوف ، وإنما بالعمل الصالح ، وبأن يكون قدوةً صالحة ، وأن يكون فكرًا منيرًا .

يغضب المسلمون اليوم لما يجدوه في الغرب من إهانات لنبيهم الكريم - في نظرهم - والإهانات هي لهم هم ، وقد كانوا أسوأ مثلًا ، لم يفهموا ولم يدركوا ما جاءهم به رسولهم ورسول الله لهم ، وظنوا أنهم بحرفيتهم الشديدة يؤمنون ، ولم يدركوا أنهم بهذه الحرفية إنما هم فرطوا في أمر دينهم الذي أمرهم أن يُعملوا عقولهم ، وأن يتدبروا أمور حياتهم ، وأن يتبعوا ما هو أحسن و أفضل وأقوم ، وأن يتعلموا أن الهدف هو الأحسن والأقوم والأفضل ، وأن الكلمات هي تعبيرٌ عما هو أحسن ، في لحظة ما ، في وقت ما ، في ظرف ما ، وأن العبرة بالمقصد ، وأن على المسلم الحق أن يتأمل في آيات الله وفي أحاديث رسول الله ، بتعمقٍ وتفكرٍ وتدبر ، وأن يتبع المعنى الأساسي الذي يتفق مع أمورٍ أخرى .

فالآيات تفسر بعضها بعضا ، والأحاديث تفسر بعضها بعضا ، ولا يجب أن نختزل قرارنا وعقيدتنا ، بحديثٍ من كلماتٍ محدودة ، قيل في إطارٍ وفي مضمونٍ معين ، وهناك حديث آخر يفسره ويوضحه . لا نأخذ مجرد كلمات مبتورة ، ونقول أنها حديث ، يُبنى عليه فكر ، ويُبنى عليه مسلك ومنهج ، إنما علينا أن ننظر إلى كل الأحاديث وإلى كل الآيات ، كبنيان واحد متكامل يوضح بعضه بعضا ، هناك العام وهناك الخاص ، هناك المطلق وهناك المقيد ، والهدف في النهاية أن تكون أمة صالحة نافعة ، تستطيع أن تقدم شيئًا للبشرية ، وأن تكون مثلًا صالحًا للإنسانية ، في فكرها وعلمها ، في عملها وإتقانها ، في إخلاصها وصدقها ، في تقدمها وازدهارها ، في احترامها للإنسان ولكل كائن من كان على هذه الأرض ، في عقولٍ متفتحة متقبلة متنورة ، وليس في عقولٍ منغلقة متجمدة ، في أمةٍ تعرف هدفها وتعرف مقصودها ، تعرف أن عليها أن تعبد الله حقًا ، بإخلاصها في علمها وفي عملها وفي إخلاصها ، ليست مجرد كلمات يلوكها اللسان ، وليست مجرد حركات تقوم فيها الأجساد ، وإنما في ممارسات ومعاملات ترفع من قيمة الإنسان ، وتجعله أكثر علمًا ، وأكثر عملا ،ً وأكثر نفعًا ، وأكثر صلاحًا وإصلاحًا ، فأين هو الإسلام في مجتمعاتنا وفي أفكارنا وفي معتقداتنا؟ . الكل يظن أن هناك من يتربص بالمسلمين ، والمسلمون لا يستحقون أن يتربص بهم أحد ، إنهم يضرون أنفسهم أكثر من أي إنسان آخر ، بجهلهم ، وبقلة فكرهم ، وبتجمدهم ، إلا من رحم الله .

عباد الله: نسأل الله أن يرفع هذه الغمة ، وأن يجعل منا أداة خيرٍ وسلامٍ ورحمة ، لنا ولمجتمعنا ولأمتنا.

فحمدًا لله ، وشكرًا لله ، وصلاةً وسلامًا عليك يا رسول الله ..

الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ..

عباد الله: ما أردنا أن نقوله اليوم: أن الإنسان عليه أن يتخذ أسباب وقوانين هذه الأرض ، ليعبر عن فكره وعن معتقده ، وأن كل إنسانٍ عليه أن يدفع فيما يرى أنه الخير وفيما يرى أنه الحق ، وأن ليس الهدف أن يصير الناس جميعًا في فكر واحد ، أو أن يكون الجميع في إيمان بشكل واحد ، وبصورة واحدة ، والاختلاف سيظل قائمًا

"وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً.." [هود 118]

إنما"..وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُم.." [الحجرات 13]

فالاختلاف سيظل قائمًا على هذه الأرض ، وسيستمر الصراع بين جميع الأفكار والمعتقدات ، وكل إنسانٍ يريد أن يؤدي رسالته ، عليه أن يتخذ الأسباب التي تمكنه من أن يقول ما يعتقده ، وما يعتقده ليس حقًا مطلقًا ، إنما هو حقٌ نسبي يراه ، ودوره أن يحاول أن يوضحه ، بغض النظر عن أنه أفضل أو أقل ، أصوب أو أكثر خطأً .

فإن على الإنسان أن يحاول فيما يعتقد ، وهذا هو الذي يجعله في معنى الحياة ، وهذا هو الذي يجعله يعمل ويبحث ، ويقدم ما يراه بصور يعتقد أنها أفضل ، لذلك كان الحديث:

"من اجتهد فأخطأ فله أجر ، ومن اجتهد فأصاب فله أجران"

لأن هنا العبرة في هذا الحديث بمحاولة الإنسان أن يجتهد ، هذا هو المهم ، المهم أن يحاول أن يسلك طريق الحق ، من خلال أن يتعلم قانون هذه الأرض . الإنسان الذي يبذل جهدًا ، ويحاول بكل الطرق سلوك ما هو حق ، يساعده الغيب إذا احتاج إلى ذلك لاستمرار طريقه ودعوته ، على الإنسان ألاَّ يفكر في ذلك مسبقًا ، إنما الدعم الإلهي الغيبي سوف يجيء في وقته .. على الإنسان أن يعمل بقانون هذه الأرض ، وأن يجتهد بقدر ما يستطيع . هذا ما نتعلمه من أحداث تاريخنا ، وأحداث حاضرنا أيضًا ، وما سيكون عليه الحال في مستقبلنا ، فقوانين هذه الأرض سارية عليها منذ القدم ، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها سيظل قانونه ساريًا عليها .

اللهم وهذا حالنا ، وهذا فهمنا ، وهذا قيامنا ، نتجه إليك ، ونتوكل عليك ، ونوكل ظهورنا إليك ، ونسلم وجوهنا إليك ، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك .

اللهم ونحن نسألك الخير كل الخير ، والنور كل النور ، والحق كل الحق .

اللهم فاكشف الغمة عنا ، وعن بلدنا ، وعن أرضنا .

اللهم ادفع عنا شرور أنفسنا ، وشرور الأشرار من حولنا .

اللهم ألف بين قلوبنا اللهم احيي قلوبنا

اللهم ألف بين أرواحنا اللهم طهر أرواحنا

اللهم زكي نفوسنا اللهم اثلج صدورنا

اللهم كن لنا في الصغير والكبير من شأننا .

اللهم كن لنا فيما نعلم ، وفيما لا نعلم ، وفيما أنت به أعلم .

اللهم لا تجعل لنا في هذه الساعة ذنبًا إلا غفرته ، ولا همًا إلا فرجته ، ولا حاجة لنا فيها رضاك إلا قضيتها.

اللهم ارحمنا ، واغفر لنا ، واعف عنا .

"رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ" [آل عمران 8]

ــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت