فهرس الكتاب

الصفحة 108 من 205

ابراهيم سيف السيف

جاءت الهجرة النبوية من مكة المكرمة الى المدينة المنورة بتلك الموعظة القيمة (فمن كانت هجرته الى الله ورسوله فهجرته الى الله و رسوله. ومن كانت هجرته الى دنيا يصيبها او امرأة ينكحها فهجرته الى ماهاجر اليه) .

مثل من واقع الحياة. هو رجل من المسلمين هاجر من أجل امرأة يريد الزواج منها تدعى (أم قيس) فكانت نيته الى غير الله.

حفاظا على الدين

لقد هاجر النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن معه من الاصحاب في وقت حالك، حيث تآلب الكفار عليهم فهاجروا حفاظا على الدين. وربطا للقلوب في نشر سماحة الاسلام هذا الدين الحق. اما ذلك الرجل فقد اتخذ الرسول عليه السلام من واقع حاله نصيحة للمسلمين فقال:"ومن كانت هجرته الى دنيا يصيبها او امرأة ينكحها فهجرته الى ماهاجر اليه".

وهذا ارشاد كريم من نبي عظيم في ان الاعمال التي تكون لله هي التي تكون مقبولة. وتظهر آثارها على النفوس. وفي الواقع.

مهاجرو أم قيس

وهنا اشير الى مهاجري (أم قيس) ان يصلحوا نياتهم ـ وما اكثرهم ـ يتظاهرون امام الناس بالتقوى والورع وهم يخوضون في اعراض الناس بالغيبة والنميمة والسب والشتم، يتسترون بالطاعات ويأكلون اموال الناس بالباطل والحرام. الى هؤلاء اوجه نصيحتي فان الله لايقبل الا ماكان خالصا له. الصلاة، والصيام، والصدقات، والحج على هذا الاساس يجب ان تكون هذه العبادات كلها لله في سبيل مرضاته.

حدث عظيم

واشير هنا الى ان حدث الهجرة النبوية حدث عظيم نكتب به التاريخ ونعتز به، لانه كان بداية تحول في الامة المسلمة الى الخير:

1ـ فقد آخى النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد الهجرة بين الانصار والمهاجرين.

2ـ ووثق العهود بينه وبين جيرانه من اليهود ليعيشوا في سلام ورخاء.

3ـ واصبح المجتمع المسلم مجتمعا مترابطا. يواجه الاحداث بالصبر والعزيمة و الحكمة.

4ـ بعد الهجرة استقرت رحال النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة فبنى المواطن الصالح الذي يحمل الشهامة والمروءة. ويتصف بالولاء لهذه الدولة الجديدة.لقد هذب عليه السلام النفوس من الانحرافات في العقيدة. ونقاها من الخرافات. وطهرها من الامراض النفسية كالحسد وسوء الظن والحقد والتشاؤم. فيجب ان نستفيد من دروس الهجرة.

عدم تعجل النصر

على المسلم بعامة ، وشباب الحركة الإسلامية خاصة: عدم استبطاء النصر ، أو التعجل في تحقيق النتائج ، وقطف الثمار .

فذلك آفة خطيرة . . تؤدي إلى الفشل الذريع ، وتنبئ عن الجهل بسنن الله تعالى ، وعدم سلامة التكوين وصحة التربية .

ومراعاة هذا الدرس: أمر ضروري في إعداد الجيل الذي يحمل الأمانة ، ويعمل على تبليغ الدعوة ، وإقامة النظام .

وهو درس: جد واضح بين الدروس الحركية التي تؤخذ من هجرة النبي - صلى الله عليه وسلم - .

فهذه الهجرة مثلا . . قد تأخرت بعد البعثة النبوية ثلاثة عشر عاما ، كلها مصاعب ومتاعب .

وحتى خلال التمهيد للهجرة . . هؤلاء الأنصار كانوا في أول لقاء مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ستة أفراد فقط ،

وبعد عام كامل _ ياه . . ؟ عام كامل ! ! ؟ _ نعم عام كامل ، جاء إليه - صلى الله عليه وسلم - اثنا عشر رجلا فقط ، وهم الذين بايعوه بيعة العقبة الأولى .

وبعد عام كامل كذلك _ ياه . . ! ! عام كامل . . ! ! ؟_ نعم عام كامل ، جاء إليه ثلاثة وسبعون رجلا وامرأتان . . وهم الذين بايعوه بيعة العقبة الثانية .

بهذا النمو العددي البطيء ، والبطء العددي العجيب ، ومع من . . ؟ مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ولم يتعجل النتائج أو يستبطئ هذا النمو العددي .

والجواب على ذلك كله: أن الهجرة لم تتأخر ، بل إنها لو جاءت قبل ذلك _ ولم تكن لتجئ _ لخالفت سنة الله وحكمته في بناء النفوس قبل بناء الدولة ، فدولة دون أفراد تم بناء نفوسهم: سرعان ما تنهار ، وأفراد تم بناء نفوسهم دون دولة: سرعان ما قد يقيمون الدولة .

ولذلك لم تأت الهجرة ، إلا بعد بناء الأفراد الذين يقيمون الدولة وتربيتهم ، وتمحيصهم .

والنمو العددي البطيء فيما نرى: صاحبه أمر في غاية الأهمية ، هو النمو الكيفي العظيم الهائل .

ولذلك: ما رأينا من النبي - صلى الله عليه وسلم - استخفافا بهذا العدد ، ولا استبطاء لنموه العددي .

خاصة: وأن أعمار الدعوات ونجاح مراحلها . . أمر يقدره الله سبحانه وتعالى بعلمه وحكمته ومشيئته ( إنا كل شئ خلقناه بقدر ) "45"

كما أن النتائج كلها بيد الله تعالى ( وما النصر إلا من عند الله ) "46"

وما علينا إلا أن نأخذ في الأسباب . فنعمل ، ونعمل ، ونحسن العمل ( وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبؤكم بما كنتم تعملون ) "47"

فضلا عن أنه _ أي أعمار الدعوات _ أمر لا يقاس بالسنين وعددها ، ولا يقاس بأعمار الأفراد وقصرها ، بل بأمور هي من تدبير الله وصنعه ، وتحديده وتقديره

ولا ينبغي: أن نخضع ما يقدره الله من نجاح ، أو ما يدبره الله لنجاح: إلى موازيننا ، ولا أن نضبط إيقاعه بحسابات أعمارنا .

ومراعاة هذه الفائدة: أمر ضروري وهام . . ! !

وإلا فإننا بتعجلنا: قد نحفر قبر فشلنا بأيدينا ، ونستجلب للدعوة وأهلها الصعاب والعقبات ، وننسف جهود السابقين ، ونضطر إلى البدء _ من جديد ، بلا فائدة _ من أول الطريق الذي قطع فيه من سبقنا أشواطا بعيدة .

وعلى ذلك: فالتعجل ضد طبائع الأشياء أولا ، وضد السنن الإلهية في الدعوات ، وتكوين أفرادها بما يجعلهم مؤهلين للنجاح في حمل أمانتها ، وحسن أداء متطلباتها .

وفهم هذه الفائدة ، وحسن الإفادة منها ، وجدية الالتزام بها: يعين على عدم الوقوع بين براثن اليأس والإحباط ، ويساعد في هدوء الأعصاب ، وشمولية النظرة ، ودقة الأداء ، والإجادة فيه ، وتجنب الأخطاء ، وتحقيق المكاسب ، وضمان الوصول إلى الغايات بتوفيق الله تعالى .فصل في الهجرة الى رسول الله صلى الله عليه وسلم

واما الهجرة الى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعلم لم يبق منه سوى اسمه ومنهج لم تترك بنيات الطريق سوى رسمه ومحجة سفت عليها السوافي فطمست رسومها وغارت عليها الاعادي فغورت مناهلها وعيونها فسالكها غريب بين العباد فريد بين كل حي وناد بعيد على قرب المكان وحيد على كثرة الجيران مستوحش مما به يستانسون مستانس مما به يستوحشون مقيم اذا ظعنوا ظاعن اذا قطنوا منفرد في طريق طلبة لايقر قراره حتى يظفر به فهو الكائن معهم بجسده البائن منهم بمقصده نامت في طلب الهدى اعينهم وما ليل مطيته بنائم وقعدوا عن الهجرة النبوية وهو في طلبها مشمر قائم يعيبونه بمخالفة ارائهم ويزرون عليه ازراءه على جهالاتهم واهوائهم قد رجموا فيه الظنون واحدقوا فيه العيون وتربصوا به ريب المنون فتربصوا انا معكم متربصون قال رب احكم بالحق وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون * نحن واياكم نموت فما افلح عند الحساب من ندما *

والمقصود ان هذه الهجرة النبوية شانها شديد وطريقها على غير المعتاد بعيد بعيد على كسلان او ذي ملالة * اما على المشتاق فهو قريب

ولعمر الله ما هي الا نور يتلالا ولكن انت ظلامة وبدر اضاء مشارق الارض ومغاربها ولكن انت غيمة وقتامة ومنهل عذب صاف وانت كدرة ومبتدا لخير عظيم ولكن ليس عندك خبره

فاسمع الآن شان هذه الهجرة والدلالة عليها وحاسب ما بينك وبين الله هل انت من الهاجرين لها او المهاجرين اليها

تعريف الهجرة الى الرسول صلى الله عليه وسلم

فجد هذه الهجرة: سفر النفس في كل مسالة من مسائل الايمان ومنزل من منازل القلوب وحادثة من حوادث الاحكام الى معدن الهدى ومنبع النور الملتقى من فم الصادق المصدوق الذي وما ينطق عن الهوى ان هو الا وحي يوحى فكل مسالة طلعت عليها شمس رسالته والا فاقذف بها في بحر الظلمات وكل شاهد عدله هذا المزكي والا فعده من اهل الريب والتهمات فهذا حد هذه الهجرة

فما للمقيم في مدينة طبعه وعوائده القاطن في دار مرباه ومولده القائل: انا على طريقة آبائنا سالكون وانا بحبلهم متمسكون وانا على آثارهم مقتدون ولهذه الهجرة التي كلت عليهم واستند في طريقة نجاحه وفلاحه اليهم معتذرا بان رأيهم خير من رايه لنفسه وان ظنونهم وآراءهم اوثق من ظنه وحدسه .

ولو فتشت عن مصدر مقصود هذه الكلمة لوجدتها صادرة عن الاخلاد الى ارض البطالة متولدة بين الكسل وزوجه الملالة

هجرتان

والمقصود: ان هذه الهجرة فرض على كل مسلم وهي مقتضى شهادة ان محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم

كما ان الهجرة الاولى مقتضى شهادة ان لااله الاالله

وعن هاتين الهجرتين يسال كل عبد يوم القيامة وفي البرزخ ويطالب بها في الدنيا ودار البرزخ ودار القرار

قال قتاده: كلمتان يسال عنهما الاولون والاخرون: ماذا كنتم تعبدون وماذا اجبتم المرسلين

وهاتان الكلمتان هما مضمون الشهادتين وقد قال تعالى فلا وربك لايؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لايجدوا في انفسهم حرجا مما قضيت ويسملوا تسليما

فاقسم سبحانه باجل مقسم به وهو نفسه عز وجل على انه لايثبت لهم الايمان ولايكونون من اهله حتى يحكموا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في جميع موارد النزاع في جميع ابواب الدين

فإن لفظة ما من صيغ العموم فانها موصلة تقتضي نفي الايمان او يوجد تحكيمه في جميع ما شجر بينهم .

ولم يقتصر على هذا حتى ضم اليه انشراح صدورهم بحكمه حيث لايجدون في انفسهم حرجا وهو الضيق والحصر من حكمه بل يقبلوا حكمه بالانشراح ويقابلوه بالتسليم لا انهم ياخدونه على اغماض ويشربونه على قذى فان هذا مناف للايمان بل لابد ان يكون اخذه بقبول ورضا وانشراح صدر .

ومتى اراد العبد ان يعلم هذا فلينظر في حاله ويطالع قلبه عند ورود حكمه على خلاف هواه وغرضه او على خلاف ما قلد فيه اسلافه من المسائل الكبار وما دونها بل الانسان على نفسه بصيرة ولو القى معاذيره .

فسبحان الله كم من حزازة في نفوس كثير من الناس من كثير من النصوص وبودهم ان لو لم ترد وكم من حرارة في اكبادهم منها وكم من شجى في حلوقهم منها ومن موردها ستبدو لهم تلك السرائر بالذي يسوء ويخزي يوم تبلى السرائر ثم لم يقتصر سبحانه على ذلك حتى ضم اليه قوله تعالى ويسلموا تسليما فذكر الفعل مؤكدا بمصدره القائم مقام ذكره مرتين وهو التسليم والخضوع له والانقياد لما حكم به طوعا ورضا وتسليما لاقهرا ومصابرة كما يسلم المقهور لمن قهره كرها بل تسليم عبد مطيع لمولاه وسيده الذي هو احب شئ اليه يعلم ان سعادته وفلاحه في تسليمه اليه ويعلم بانه اولى به من نفسه وابر به منها واقدر على تخليصها .

فمتى علم العبد هذا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واستسلم له وسلم اليه انقادت له كل علة في قلبه ورأى ان لاسعادة له الا بهذا التسليم والانقياد .

وليس هذا مما يحصل معناه بالعبارة بل هو امر انشق القلب واستقر في سويدائه لاتفي العبارة بمعناه ولا مطمع في حصوله بالدعوى والاماني وكل يدعى وصلا لليلى * وليلى لاتقر لهم بذلك

الحب بين العلم والحال

وفرق بين علم الحب وحال الحب فكثيرا ما بشتبه على العبد علم الشئ بحاله ووجوده وفرق بين المريض العارف بالصحة والاعتدال وهو مثخن بالمرض وبين الصحيح السليم وان لم يحسن وصف الصحة والعبارة عنها وكذلك فرق بين وصف الخوف والعلم به وبين حاله ووجوده

ما في الاية من تاكيد اتباع الرسول

وتامل تاكيده سبحانه لهدا المعنى المذكور في الآية بوجوه عديدة من التاكيد:

اولها: تصديرها بتضمن المقسم عليه للنفي وهو قوله لايؤمنون وهذا منهج معروف في كلام العرب اذا اقسموا على شئ منفى صدروا جملة القسم باداة نفي مثل هذه الاية ومثل مافي قول الصديق عمر رضي الله عنه لاها الله لايعمد الى اسد الله يقاتل عن الله ورسوله فيعطيك سلبه

وقول الشاعر: فلا وابيك ابنه العامري * لايدعى القوم اني افر

وقال الاخر * فلا والله لايلقي لما بي ولا لما بهم ابدا دواء * وهذا في كلامهم اكثر من ان يذكر

وتامل جمل القسم التي في القران المصدرة بحرف النفي كيف تجد المقسم عليه منفيا ومتضمنا للنفي ولايحزم هذا قوله تعالى فلا اقسم بمواقع النجوم وانه لقسم لو تعلمون عظيم انه لقران كريم

فانه لما كان المقصود بهذا القسم نفي ما قاله الكفار في القران: من انه شعر او كهانه او اساطير الاولين صدر القول باداة النفي ثم اثبت له ما قالوه فتضمنت الاية ان ليس الامر كما يزعمون ولكنه قران كريم

ولهذا صرح بالامرين: النفي والاثبات مثل قوله تعالى فلا اقسم بالخنس الجوار الكنس والليل اذا عسعس والصبح اذا تنفس انه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم امين وما صاحبكم بمجنون ولقد رآه بالافق المبين وما هو على الغيب بضنين وما هو بقول شيطان رجيموكذلك قوله لا اقسم بيوم القيامة ولا اقسم بالنفس اللوامة ايحسب الانسان الن نجمع عظامه بلى قادرين على ان نسوي بنانه

والمقصود: ان افتتاح هذا القسم باداة النفي يقتضي تقوية المقسم عليه وتاكيده وشدة انتقائه

وثانيها: تاكيده بنفس القسم

وثالثها: تاكيده بالمقسم به وهو اقسامه بنفسه لا بشئ من مخلوقاته وهو سبحانه يقسم بنفسه تارة وبمخلوقاته تارة

ورابعها: تاكيده بانتفاء الحرج وهو وجود التسليم

وخامسها: تاكيد الفعل بالمصدر وما هذا التاكيد الا لشدة الحاجة الى هذا الامر العظيم وانه مما يعتني به ويقرر في نفوس العباد بما هو من ابلغ انواع التقرير

حب الرسول صلى الله عليه وسلم

وقال تعالى النبي اولى بالمؤمنين من انفسهم وهو دليل على ان من لم يكن الرسول اولى به من نفسه فليس من المؤمنين وهذه الاولوية تتضمن امورا

منها: ان يكون احب الى العبد من نفسه لان الاولوية اصلها الحب ونفس العبد احب له من غيره ومع هذا يجب ان يكون الرسول اولى به منها واحب اليه منها فبذلك يحصل له اسم الايمان

ويلزم من هذه الاولوية والمحبة كمال الانقياد والطاعة والرضا والتسليم وسائر لوازم المحبة من الرضا بحكمه والتسليم لامره وايثاره على ما سواه .

ومنها ان لا يكون للعبد حكم على نفسه اصلا بل الحكم على نفسه للرسول - صلى الله عليه وسلم - يحكم عليها اعظم من حكم السيد على عبده او الوالد على ولده فليس له في نفسه تصرف قط الا ما تصرف فيه الرسول الذي هو اولى به منها .

فيا عجبا كيف تحصل هذه الاولوية لعبد قد عزل ما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن منصب التحكيم ورضي بحكم غيره واطمان اليه اعظم .

من اطمئنانه الى الرسول - صلى الله عليه وسلم - وزعم ان الهدى لايلتقي من مشكاته وانما يتلقى من دلالة العقول وان الذي جاء به لايفيد اليقين الى غير ذلك من الاقوال التي تتضمن الاعراض عنه وعما جاء به والحوالة في العلم النافع الى غيره ذلك هو الضلال البعيد ولا سبيل الى ثبوت هده الاولوية الا بعزل كل ماسواه وتوليته في كل شئ وعرض ما قاله كل احد سواه على ماجاء به فان شهد له بالصحة قبله وان شهد له بالبطلان رده وان لم تتبين شهادته له لابصحة ولا ببطلان جعله بمنزلة احاديث اهل الكتاب ووقفه حتى يتبين أي الامرين اولى به .

فمن سلك هذه الطريقة استقام له سفر الهجرة واستقام له علمه وعمله واقبلت وجوه الحق اليه من كل جهة

ادعياء المحبة

ومن العجب ان يدعي حصول هذه الاولوية والمحبة التامة من كان سعيه واجتهاده ونصبه في الاشتغال باقوال غيره وتقريرها والغضب والمحبة لها والرضا بها والتحاكم اليها وعرض ما قاله الرسول عليها فان وافقها قبله وان خالفها التمس وجوه الحيل وبالغ في رده ليا واعراضا

الاعراض عن الرسول

كما قال تعالى وان تلووا او تعرضوا فان الله كان بما تعملون خبيرا

وقد اشتملت هده الاية على اسرار عظيمة يجب التنبيه على بعضها لشدة الحاجة اليها

قال تعالى يا ايها الذين امنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على انفسكم او الوالدين والاقربين ان يكن غنيا او فقيرا فالله اولى بهما فلا تتبعوا الهوى ان تعدلوا وان تلووا او تعرضوا فان الله كان بما تعملون خبيرا .

فامر سبحانه بالقيام بالقسط وهو العدل في هذه الاية وهذا امر بالقيام به في حق كل احد عدوا كان او وليا واحق ما قام له العبد بقصد الاقوال والاراء والمذاهب اذ هي متعلقة بامر الله وخبره

فالقيام فيها بالهوى والمعصية مضاد لامر الله مناف لما بعث به رسوله

والقيام فيها بالقسط وظيفة خلفاء الرسول في امته وامنائه بين اتباعه ولايستحق اسم الامانة الا من قام فيها بالعدل المحض نصيحة لله ولكتابه ولرسوله ولعباده واولئك هم الوارثون حقا

لامن يجعل اصحابه ونحلته ومذهبه معيارا على الحق وميزانا له يعادي من خالفه ويوالي من وافقه بمجرد موافقته ومخالفته فأين هذا من القيام بالقسط الذي فرضه الله على كل احد وهو في هدا الباب اعظم فرضا واكبر وجوبا .

شهداء الله

ثم قال شهداء الله الشاهد هو المخبر فان اخبر بحق فهو شاهد عدل مقبول وان اخبر بباطل فهو شاهد زور

وامر تعالى ان يكون شهيدا له مع القيام بالقسط وهذا يتضمن ان تكون الشهادة بالقسط وان تكون لله لا لغيره

وقال في الاية الاخرى كونوا قوامين لله شهداء بالقسط فتضمنت الآيتان امورا اربعة

احدهما: القيام بالقسط

الثاني: ان يكون لله

الثالث: الشهادة بالقسط

الرابع: ان تكون لله

واحتضنت آية النساء بالقسط والشهادة لله

وآية المائدة بالقيام لله والشهادة بالقسط لسر عجيب من اسرار القران ليس هذا موضع ذكره

ثم قال تعالى ولو على انفسكم او الوالدين او الاقربين فامر سبحانه ان يقام بالقسط ويشهد على كل احد ولو كان احب الناس الى العبد فيقوم بالقسط على نفسه ووالديه الذين هما اصله واقاربه الذين هم اخص به والصديق من سائر الناس فان كان ما في العبد من محبة لنفسه ولوالديه واقربيه يمنعه من القيام عليهم بالحق ولاسيما اذا كان الحق لمن يبغضه ويعاديه قبلهم فانه لا يقوم به في هذا الحال الا من كان الله ورسوله احب اليه من كل ما سواهما .

وهذا يمتحن به العبد ايمانه فيعرف منزلة الايمان من قلبه ومحله منه وعكس هذا عدل العبد في اعدائه ومن يجفوه فانه لاينبغي ان يحمله بغضه لهم ان يحيف عليهم كما لا ينبغي ان يحمله حبه لنفسه ووالديه واقاربه على ان يترك القيام عليهم بالقسط فلا يدخله ذلك البغض في باطل ولا يقصر به هذا الحب عن الحق كما قال السلف: العادل هو الذي ذا غضب لم يدخله غضبه في باطل واذا رضي لم يخرجه رضاه عن الحق .

اشتملت الايتان على هذين الحكمين وهما القيام بالقسط والشهادة به على الاولياء والاعداء

ثم قال تعالى ان يكن غنيا وفقيرا فالله اولى بهما منكم هو ربهما ومولاهما وهما عبيده كما انكم عبيده فلا تحابوا غنيا لغناه ولا فقيرا لفقره فان الله اولى بهما منكم

وقد يقال فيه معنى اخر احسن من هذا وهو انهم ربما خافوا من القيام بالقسط واداء الشهادة على الغني والفقير

اما الغني فخوفا على ماله واما الفقير فلا عدامه وانه لاشئ له فتتساهل النفوس في القيام عليه بالحق فقيل لهم: والله اولى بالغني والفقير منكم اعلم بهذا وارحم بهذا فلا تتركوا اداء الحق والشهادة على غني ولا فقير

ثم قال تعالى فلا تتبعوا الهوى ان تعدلوا نهاهم عن اتباع الهوى الحامل على ترك العدل

وقوله تعالى ان تعدلوا منصوب الموضع لانه مفعول لاجله وتقديره عند البصريين كراهية ان تعدلوا او حذر ان تعدلوا فيكون اتباعكم للهوى كراهية العدل او فرارا منه وعلى قول الكوفيين التقدير ان لا تعدلوا وقول البصريين احسن واظهر اللي والاعراض

ثم قال تعالى وان تلووا او تعرضوا فان الله كان بما تعملون خبيرا ذكر سبحانه السببين الموجبين لكتمان الحق محذرا منهما ومتوعدا عليهما

احدهما: اللي

والاخر: الاعراض

فإن الحق اذا ظهرت حجته ولم يجد من يروم دفعها طريقا الى دفعها اعرض عنها وامسك عن ذكرها فكان شيطانا اخرس وتارة يلويها ويحرفها

اللي مثال الفتل وهو التحريف وهو نوعان: لي في اللفظ ولي في المعنى

فاللي في اللفظ ان يلفظ بها على وجه لايستلزم الحق اما بزيادة لفظه اونقصانها او ابدالها بغيرها ولي في كيفية ادائها وايهام السامع لفظا وارادة غيره كما كان اليهود يلوون السنتهم بالسلام على النبي - صلى الله عليه وسلم - وغيره فهذا احد نوعي اللي

والنوع الثاني منه: لي المعنى وهو تحريفه وتاويل اللفظ على خلاف مراد المتكلم وبجهالة مالم يرده أو يسقط منه لبعض المراد به ونحو هذا من لي المعاني فقال تعالى: وان تلووا او تعرضوا فان الله كان بما تعملون خبيرا

ولما كان الشاهد مطالبا باداء الشهادة على وجهها فلا يكتمها ولا يغيرها كان الاعراض نظير الكتمان واللي نظير تغييرها وتبديلها

فتأمل ما تحت هذه الاية من كنوز العلم

والمقصود: ان الواجب الذي لايتم الايمان بل لايحصل مسمى الايمان الابه مقابلة النصوص بالتلقي والقبول والاظهار لها ودعوة الخلق اليها ولا تقابل بالاعتراض تارة وباللي اخرى

الخيرة لله

وقال تعالى وما كان لمؤمن ولا مؤمنة اذا قضى الله ورسوله امرا ان يكون لهم الخيرة من امرهم فدل هذا على انه إذا ثبت لله ورسوله في كل مسالة من المسائل حكم طلبي او خبري فانه ليس لاحد ان يتخير لنفسه غير ذلك الحكم فيذهب اليه وان ذلك ليس لمؤمن ولامؤمنة اصلا فدل على ان ذلك مناف للايمان

موقف الائمة من السنة

وقد حكى الشافعي رضي الله تعالى عنه اجماع الصحابة والتابعين ومن بعدهم على ان من استبانت له سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يكن له ان يدعها لقول احد ولم يسترب احد من ائمة الاسلام في صحة ماقاله الشافعي رضي الله تعالى عنه .

فان الحجة الواجب اتباعها على الخلق كافة انما هو قول المعصوم الذي لاينطق عن الهوى واما اقوال غيره فغايتها ان تكون سائغة الاتباع فضلا عن ان يعارض بها النصوص وتقدم عليها عياذا بالله من الخذلان وقال تعالى: واطيعوا الله واطيعوا الرسول واحذروا فان توليتم فاعلموا انما على رسولنا البلاغ المبين .

فاخبر سبحانه ان الهداية في طاعة الرسول لا في غيرها فانه معلق بالشرط فينتفي بانتفائه وليس هذا من باب دلالة المفهوم كما يغلط فيه كثير من الناس ويظن انه محتاج في تقريره الدلالة منه لاتقرير كون المفهوم حجة بل هذا من الاحكام التي ترتبت على شروط وعلقت فلا وجود لها بدون شروطها اذ ما علق على الشرط فهو عدم عند عدمه والا لم يكن شرطا له اذا ثبت هذا: فالاية نص على انتفاء الهداية عند عدم طاعته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت