فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 205

في هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، وهجرة أصحابه الكرام من مكة إلى المدينة عِبر ناطقة تستفيد منها الأمة عبر الدهور، إذا أرادت أن تكون وثيقة الصلة بعناصر القوة التي تستعيد بها ما كان لها من سؤدد وعزة وكرامة بين الشعوب والأمم•

فالتحول العظيم الذي حدث للإسلام بعد الهجرة سبقته جهود وتضحيات وإجراءات قام بها النبي، صلى الله عليه وسلم، ولم يحدث طفرة لأمة عاجزة عن القيام بدورها تحت مظلة السماء، فالله لا يحقق للعجزة أو المتواكلين والكسالى أي نجاح، ولا يمد يد العون للنائمين، ولكن لابد من الفعل المخلص المدروس، ثم الأخذ بالأسباب المعقولة الموصلة للأهداف المرسومة، التي اقترن بها العمل الواعي البصير، المدروس، ثم الأخذ بالأسباب المعقولة الموصلة للأهداف المرسومة، التي اقترن بها العمل الواعي البصير، عملًا بقوله تعالى في الآية 11 من سورة الرعد: (إن الله لا يغيِّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم) ، لقد بدأ النبي، صلى الله عليه وسلم، بالأخذ بالأسباب التي كلَّف الله بها البشر، ومرَّن أصحابه الأولين عليها تمرينًا قوليًا مقرونًا بالعمل، وظلت الدعوة تتعثر حينًا، وتنشط أحيانًا على مدى ثلاثة عشر عامًا كاملة، حتى أذن الله لفجر الدعوة بالانبلاج••• نصروا الله على أنفسهم، وعلى أعدائه فنصرهم الله نصرًا عزيزيًا: (إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم) محمد:7، ومن سنن الحكيم أنه يبلو المؤمنين بأعدائهم ليمحصهم وإلا فهو قادر على نصرة الحق الذي أنزله بلا أنصار، ولا قتال، ولكن في هذا تثبيط همم المؤمنين وركونهم إلى الاسترخاء والتواكل، وفي ذلك يقول عز وجل في الآية 4 من سورة محمد: (ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض)

ولأن النصر لو جاء عفوًا ما شعر المؤمنون بحلاوته، ولما أجهدوا أنفسهم في الحفاظ عليه، ولهان عليهم ضياعه، لأنهم لم يدفعوا فيه ثمنًا، ولم يلاقوا فيه شدة•

بدأت الدعوة ـ وبدأ معها التمحيص والتدريب ـ تبثَّ في القلوب الإيمان، وفي العزائم الصدق، وفي الإرادة القوة•

(وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين• وليمحِّص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين) آل عمران: 140 ـ 141•

الأخذ بالأسباب عند الصحابة

قلنا: إن الأخذ بالأسباب، هو طريق الحصول على ما عند الله، وهذا هو الذي بدأ النبي، صلى الله عليه وسلم، تدريب أصحابه الأولين عليه، فأمرهم بالصبر الجميل على ما ألحقه بهم المشركون من أذى، فكان الصبر هو أول درس تعلموه منه عليه الصلاة والسلام، وطبقوه عمليًا في مواجهة أعدائهم•

ولما اشتد عليهم الأذى، وخشوا الفتنة في دينهم أرشدهم القائد الملهم إلى الهجرة إلى الحبشة، في عمليات أشبه ما تكون باللجوء السياسي المعروف في هذه الأيام، فقال لهم: >لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكًا لا يُظلم عنده أحد••• حتى يجعل الله لكم فرجًا مما أنتم فيه< فخرج من أصحابه من خشي الفتنة في دينه•

فعملوا بتوجيهه، وتحملوا وعثاء السفر بلا زاد يحملونه معهم إلا ما خفَّ، وكان منهم من خرج بأهله، ومنهم من خرج بمفرده، ولما لمست قريش أن الدعوة آخذة في القوة والانتشار قامت بمقاطعة بني هاشم وبني عبدالمطلب وأحكمت الحصار على المؤمنين، وبعد ثلاث سنوات من الحصار، جاء الفرج من الله ناصر المؤمنين، فسخَّر جماعة من شباب قريش أجمعوا أمرهم على نقض الصحيفة، ثم خرج، صلى الله عليه وسلم، يعرض نفسه على القبائل لنشر دعوة الله، فكانت رحلة الطائف، وعانى منها ما عانى، ثم كانت بواكير النصر الإلهي المؤزر بعد اليأس من أعوان الأرض، رحلة الإسراء والمعراج، وبعدها أخذ مسار الدعوة ينتهج نهجًا جديدًا، إذ لم يعد للنبي - صلى الله عليه وسلم - أمل يرجوه من أهل مكة والقرى المتاخمة، فعرض نفسه، صلى الله عليه وسلم، على القبائل الوافدة من خارج مكة، التي لم يتلوث فكرها بفكر قريش القادمين إلى مكة في مواسم الحج، وكان من ثمرة هذا التخطيط النبوي الجديد عرض نفسه، صلى الله عليه وسلم، على قبيلتي الأوس والخزرج، فكان لقاؤه بهم سرًا على مشارف مكة لا في المسجد الحرام ولا في مكة، إخفاء للأمر عن قريش لأنها لو علمت لوضعت العراقيل أمامه، فكان لقاؤه بهم في مكان يُقال له العقبة، وكانوا اثني عشر شخصًا، عرض عليهم ،صلى الله عليه وسلم، الإسلام، فأسلموا وحسن إسلامهم، وبعث معهم أول سفير في الإسلام >مصعب بن عميرالعقبة الثانية< كان أرسخ قدمًا، وأعمق معنى، وأكثر التحامًا، وأوسع مدى، وأعظم منجزات من لقاء >العقبة الأولالأوس والخزرجأخرجوا إليَّ منكم اثني عشر نقيبًا ليكونوا على قومهم بما فيهمالمكتوب على الجبين تراه العيون

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت