فهرس الكتاب

الصفحة 144 من 205

حرم مشركو مكة الخير كله منذ جحدوا الرسالة، وقعدوا بكل صراط يوعدون، ويصدون عن سبيل الله من آمن به، ويبغونها عوجا.

ولئن نجحت دعايتهم الكاذبة في منع قبائل كثيرة من دخول الإسلام، فإن الحق لابدّ أن يعلو، وأن يثوب إليه المضلَّلون والمخدوعون على شرط أن يظل أهله أوفياء له، حراصًا عليه، صابرين محتسبين.

وقد قيض الله للإسلام من استنقذه من البيئة التي صادرته، فأنس بعد وحشة، واستوطن بعد غربة، وشق طريقه في الحياة، بعد أن زالت الجلامد الصلدة الملقاة في مجراه.

وبدأ هذا التحول على أيدي الوفود القادمة من"يثرب"إلى مكة في موسم الحج..

كان أهل يثرب يمتازون عن سائر العرب بجوارهم لليهود، وإلفهم عقيدة التوحيد. وربما حاورهم اليهود في شؤون الأديان، ونَعوا عليهم عبادة الأوثان فإذا اشتد الجدل وطالت اللجاجة قال لهم اليهود: يوشك أن يبعث الله نبيًا فنتبعه؛ ونقتلكم معه قتل عاد وإرم...!!

والغريب أن اليهود كانوا أول من كفر بهذا النبي يوم ظهر فيهم واقترب منهم، ولذلك ندَّد القرآن بمسلكهم المتناقض:

{وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ} .

أما العرب الأميون الذين هُدِّدوا بمبعثه، فقد فتحوا مسامعهم له!

فعندما وافى الموسم وقدمت قبائل"يثرب"ورأوا الرسول (صلَّى الله عليه وسلم) يدعو الناس إلى الله، قال بعضهم لبعض: تعلمون والله يا قوم أن هذا الذي تَوَعدكم به يهود، فلا يسبقنكم إليه..

وأخذ ذكر الإسلام يشيع في المدينة رويدًا رويدًا؛ فإن لم يستقبل بترحيب لم يستقبل بالسباب والحراب.

إن عناصر النفور والمقاومة التي عهدها في"مكة"تحولت -هنا- إلى عناصر احترام وإقبال، ولم تمض ثلاثة أعوام على تسامع الأنصار الجدد بالإسلام حتى أصبحوا كهفه الحصين، وموئله القريب..

2.4 فروق بين البلدين مكة والمدينة من الناحية الاقتصادية:

عاشت مكة في بحبوحة من الحياة أمدًا طويلًا، آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدًا من كل مكان، وترجع هذه السعة إلى عاملين: 1-مهارة أهلها التجارية 2-ومكانة الحرم الدينية، كلا الأمرين أدرَّ عليها أخلاف الخير، فأثرت حتى بطرت، وشبعت حتى أتخمت. ثم عراها ما يعرو كل جماعة تواتيها الحظوظ ويصبغها الترف، من: تكبر، وقسوة، وجحود، فلما ظهر فيها الإسلام، ودعا محمد (صلَّى الله عليه وسلم) إلى الحق، ردت يده في فمه، وأحدقت به وبمن معه، وملكها العناد من أول يوم، وأعلنت أن مركزها -عاصمة للوثنية، ومجمعًا للأصنام. ومثابة للحجيج- سيزول إن هي استمعت إلى هذا الدين، وأمكنته من البقاء.

وحاول الرسول عليه الصلاة والسلام -جاهدًا- أن يقنع أهل مكة بأن قبولهم للحق لن يحرمهم ذرة من الخير الذي متعوا به، فأبى الظالمون إلا كفورًا.

{وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعْ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} .

ومن هنا اشتبك سادة مكة في حرب مع الإسلام، اعتبروها دفاعًا عن كيانهم المادي ووضعهم الإقتصادي، إلى جانب ما هنالك من عوامل أخرى. وهذه الحروب معروفة النتائج:

{وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ} .

أما الأمر في"يثرب"فكان على النقيض، إن الشحناء المتأصلة بين أهليها استنزفت دماءهم، وقطعت شملهم، وشغلت بعضهم بالبعض، حتى أوصلتهم الحروب الدائمة إلى درك أسف له العقلاء، وتمنّوا الإنقاذ منه. كان"الأوس"و"الخزرج"-وهم في الأصل قرابة واحدة- يعانون في"يثرب"آثار هذا الخصام العنيف، ويورثونه أبناءهم؛ حتى يشبوا -وهم في مهادهم- أعداء! والذي وضع جرثومة هذا الشقاق هم اليهود.

3.4 صنع اليهود في المدينة وفتنهم فيها:

واليهود الذين استقروا في المدينة وأرباضها هبطوا صحراء الجزيرة فارين بدينهم من الاضطهاد الصليبي الذي عمل -من قديم- على تنصيرهم أو إفنائهم، ذلك لأن رأي اليهود في عيسى وأمه شنيع.

والنصارى يعتقدون أن اليهود هم قتلة عيسى، والموعزون بصلبه!!.

ولا شك أن اليهود شعب نشيط، وأنهم -حيث حلّوا- يبذلون جهودًا مذكورة للسيطرة على زمام التوجيه المالي، ولا يبالون بأساليب الختل والمكر لبلوغ أهدافهم، وقد ألْفَوا أنفسهم قلة بين أصحاب البلاد، وخشوا أن يفنوا إذا اشتبكوا معهم في صراع سافر. فاحتالوا حتى زرعوا الضغائن بين الأقرباء، وما زالوا بها حتى آتت ثمرها المر ، فأخذ العرب يأكل بعضهم بعضًا في سلسلة متصلة من المعارك التي لا مبرر لها، على حين قوي اليهود وتكاثروا، ونمت ثرواتهم، واستحكمت حصونهم، وخيف سطوهم.

وقبل الهجرة ببضع سنين وقعت بين الأوس والخزرج معركة"بُعاث"كان النصر فيها للخزرج ثم عاد للأوس، وبلغ من حدة الخصام بين الفريقين أن كليهما فكر في استئصال الآخر وإبادة خضرائه، لولا أن تدخل أولو النهى بالنصح أن يبقوا على أنفسهم وإخوانهم، فجوارهم أفضل من جوار الثعالب -يعني اليهود-!.

وهذه الفتن المتلاحقة جعلت أهل المدينة عندما ترامت إليهم أنباء الإسلام يؤملون من ورائه الخير. من يدري؟ لعله يجدد حياتهم فيعيد السلام إلى صفوفهم ويهب لهم حياة روحية ترجح بكفتهم على اليهود...

قال ابن إسحاق: فلما أراد الله إظهار دينه، وإعزاز نبيه، وإنجاز موعده له خرج رسول الله في الموسم الذي لقيه فيه النفر من الأنصار، فعرض نفسه على قبائل العرب كما كان يصنع في كل موسم، فبينما هو عند العقبة لقي رهطًا من الخزرج أراد الله بهم خيرًا، فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن أشياخ من قومه قالوا: لما لقيهم رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم) قال لهم: من أنتم؟ قالوا: نفر من الخزرج . قال: من موالي يهود؟ قالوا نعم. قال: أفلا تجلسون أكلمكم؟ قالوا: بلى ! فجلسوا معه فدعاهم إلى الله، وعرض عليهم الإسلام وتلا عليهم القرآن...

قال: فأجابوه فيما دعاهم إليه بأن صدقوه، وقبلوا منه ما عرض عليهم من الإسلام، وقالوا له: إنا قد تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، وعسى أن يجمعهم الله بك. فسنقدم عليهم فندعوهم إلى أمرك، ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين، فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعز منك!!ثم انصرفوا راجعين إلى بلادهم، قد آمنوا وصدقوا.

كان أولئك النفر، طليعة الدعاية الموفقة للإسلام في يثرب، وقد أثمرت جهودهم على عجل، فلم تبق دار إلاَّ دخلها الإسلام.

حتى إذا استدار العام، وأقبل موسم الحج، خرج من المدينة اثنا عشر رجلًا من الذين أسلموا -فيهم الستة الذين كلمهم النبي (صلَّى الله عليه وسلم) في الموسم السابق- وعزموا على الاجتماع برسول الله (صلَّى الله عليه وسلم) ليوثقوا معه إسلامهم.

4.4 بيعة العقبة الأولى بين رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم) ونفر من مسلمي المدينة:

وقد لقيهم النبي بالعقبة، وعقد معهم بيعة على الإيمان بالله وحده، والاستمساك بفضائل الأعمال والبعد عن مناكرها.

عن عبادة بن الصامت قال: بايعنا رسول الله ليلة العقبة الأولى"أن لا نشرك بالله شيئًا، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيه في معروف".

قال:"فإن وفيتم فلكم الجنة وإن غشيتم من ذلك شيئًا فأخذتم بحده في الدنيا فهو كفارة له. وإن سترتم عليه إلى يوم القيامة، فأمركم إلى الله. إن شاء عذب، وإن شاء غفر".

هذا ما كان محمد (صلَّى الله عليه وسلم) يدعو إليه، وكانت الجاهلية تنكره عليه.

أيكره هذه العهود إلا مجرم يحب للناس الريبة ويود للأرض الفساد؟؟

أتم وفد الأنصار هذه البيعة ثم قفل عائدًا إلى"يثرب"، فرأى النبي أن يبعث معهم أحد الثقات من رجاله، ليتعهد نماء الإسلام في المدينة ، ويقرأ على أهلها القرآن، ويفقههم في الدين، ووقع اختياره على"مصعب بن عمير"ليكون هذا المعلِّم الأمين.

ونجح"مصعب"أيّما نجاح في نشر الإسلام وجمع الناس عليه، واستطاع أن يتخطى الصعاب التي توجد -دائمًا- في طريق كل نازح غريب، يحاول أن ينقل الناس من موروثات ألفوها إلى نظام جديد، يشمل الحاضر والمستقبل، ويعم الإيمان والعمل، والخلق والسلوك...

ولا تحسبنَّ"مصعبًا"كأولئك المرتزقة من المبشرين الذين دسهم الإستعمار الغربي بين يدي زحفه على الشرق، فترى الواحد منهم يقبع تحت سرير مريض ليقول له: هذه القارورة تقدمها لك العذراء! وهذا الرغيف يهديه إليك المسيح!

وربما فتح مدرسة ظاهرها الثقافة المجردة، أو ملجأ ظاهره البر الخالص، ثم لوى زمام الناشئة من حيث لا يدرون، ومال بهم حيث يريد...!!

هذا ضرب من التلصص الروحي يتوارى تحت اسم الدعوة إلى الدين. والذين يمثلون هذه المساخر يجدون الجرأة على عملهم من الدول التي تبعث بهم، فإذا رأيت إصرارهم ومغامراتهم فلا تنس القوى التي تساند ظهورهم في البر والبحر والجو.

أما مصعب فكان من ورائه نبيٌّ مضطهد ورسالة معتبرة ضد القانون السائد، وما كان يملك من وسائل الإغراء ما يطمع طلاب الدنيا ونهازي الفرص، كل ما لديه ثروة من الكياسة والفطنة، قبسها من محمد (صلَّى الله عليه وسلم) ، وإخلاص لله، جعله يضحي بمال أسرته وجاهها في سبيل عقيدته.. ثم هذا القرآن الذي يتأنق في تلاوته، ويتخير من روائعه ما يغزو به الألباب، فإذا الأفئدة ترق له، وتتفتح للدين الجديد.

وعاد"مصعب"إلى رسول الله بمكة قبيل الموسم الحافل، يخبره بما لقي الإسلام من قبول حسن في"يثرب"، ويبشره بأن جموعًا غفيرة دخلت فيه عن اقتناع مسَّ شغافهم، وبصر أنار أفكارهم، وسوف يرى من وفودهم بهذا الموسم ما تقر به العين.

5.4 بيعة العقبة الكبرى بين محمد (صلَّى الله عليه وسلم) ورجال من الأنصار:

إن الرجال الذين اعتنقوا الإسلام عرفوا-دون شك-تاريخه القريب، والصعاب الهائلة التي لقيها، وحز في نفوسهم أن يستضعف إخوانهم في مكة وأن يخرج نبيهم وهو يدعو إلى الله فلا يجيبه إلا آثم أو كفور!.

ولذلك تساءلوا -وهم خارجون من المدينة قاصدين البيت العتيق- حتى متى نترك رسول الله يطوّف ويطرد في جبال مكة ويَخاف؟

لقد بلغ الإيمان أوْجهُ في هذه القلوب الفتية، وآن لها أن تنفِّس عن حماسها، وأن تفك هذا الحصار الخانق المضروب حول الدعوة والداعية.

قال جابر بن عبدالله: فرحل إليه منا سبعون رجلًا حتى قدموا عليه في الموسم، فواعدناه شعب العقبة، فاجتمعنا عندها من رجل ورجلين، حتى توافينا، فقلنا: يا رسول الله، علام نبايعك؟ قال (صلَّى الله عليه وسلم) تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل، والنفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن تقوموا في الله لا تخافون لومة لائم، وعلى أن تنصروني فتمنعوني -إذا قدمت عليكم- مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم، ولكم الجنة.

فقمنا إليه، وأخذ بيده"أسعد بن زرارة"-وهو أصغر السبعين بعدي، فقال رويدًا يا أهل يثرب، فإنا لم نضرب إليه أكباد الإبل إلا ونحن نعلم أنه رسول الله، وإن إخراجه اليوم مناوأة للعرب كافة، وقتل خياركم، وأن تعضكم السيوف.

فإما أنتم قوم تصبرون على ذلك فخذوه وأجركم على الله، وإما أنتم قوم تخافون من أنفسكم خيفة فذروه، فبينوا ذلك فهو أعذر لكم عند الله!

فقالوا يا"أسعد"أمِطْ عنا يدك، فوالله لا نذر هذه البيعة ولا نستقيلها، فقمنا إليه رجلًا رجلًا فبايعناه.

وعن كعب بن مالك: نمنا تلك الليلة -ليلة العقبة - مع قومنا في رحالنا، حتى إذا مضى ثلث الليل، خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم) ، نتسلل تسلل القطا مستخفين، حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة ، ونحن ثلاثة وسبعون رجلًا، ومعنا امرأتان من نسائنا، نسيبة بنت كعب وأسماء بنت عمرو بن عدي.

فلما اجتمعنا في الشعب ننتظر رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم) ، جاءنا ومعه العباس بن عبد المطلب، وهو يومئذ على دين قومه، إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه ويستوثق له، فلما جلس كان أول متكلم، قال: يا معشر الخزرج إن محمدًا منا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا فيه، فهو في عزة من قومه ومنعة في بلده، وإنه قد أبى إلا الانحياز إليكم واللحوق بكم، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه، ومانعوه ممن خالفه، فأنتم وما تحملتم من ذلك!! وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج إليكم، فمن الآن فدعوه فإنه في عزة ومنعة من قومه وبلده...

قال كعب: فقلنا له: قد سمعنا ما قلت فتكلم يا رسول الله، فخذ لنفسك وربك ما أحببت، فتكلم رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم) ، فتلا القرآن، ودعا إلى الله، ورغَّب في الإسلام، ثم قال: أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم.

قال كعب: فأخذ البراء بن معرور بيده وقال: نعم، فوالذي بعثك بالحق لنمنعنّك مما نمنع منه أزرنا، فبايعنا يا رسول الله، فنحن -والله- أبناء الحروب، ورثناها كابرًا عن كابر، فاعترض هذا القول -والبراء يكلم رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم) أبو الهيثم بن التيهان فقال: يا رسول الله، إن بيننا وبين الرجال -يعني اليهود- حبالًا وإنا قاطعوها، فهل عسيت إن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا قال: فتبسم رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم) ، ثم قال: بل الدم الدم والهدم الهدم، أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم...

وأمرهم رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم) أن يخرجوا منهم اثني عشر نقيبًا يكونون على قومهم بما فيهم، فأخرجوا منهم النقباء، تسعة من (الخزرج) وثلاثة من (الأوس) ، فقال لهم رسول الله عليه الصلاة والسلام: أنتم على قومكم بما فيهم كفلاء ككفالة الحواريين لعيسى بن مريم وأنا كفيل على قومي.

تلكم بيعة العقبة، وما أبرم فيها من مواثيق، وما دار فيها من محاورات...

إن روح اليقين والفداء والاستبسال سادت هذا الجمع وتمشت في كل كلمة قيلت، وبدا أن العواطف الفائرة ليست وحدها التي توجه الحديث أو تملي العهود كلا، فإن حساب المستقبل روجع مع حساب اليوم، والمغارم المتوقعة نظر إليها قبل المغانم الموهومة.

مغانم؟ أين موضوع المغانم في هذه البيعة؟ لقد قام الأمر كله على التجرد المحض والبذل الخالص.

هؤلاء السبعون مُثُلٌ لانتشار الإسلام، عن طريق الفكر الحر والاقتناع الخالص...

فقد جاءوا من"يثرب"مؤمنين أشد الإيمان، وملبين داعي التضحية، مع أن معرفتهم بالنبي كانت لمحة عابرة؛ غبرت عليها الأيام؛ وكان الظن بها أن تزول.

لكننا لا يجوز أن ننسى مصدر هذه الطاقة المتأججة من الشجاعة والثقة؛ إنه القرآن!! لئن كان الأنصار قبل بيعتهم الكبرى لم يصحبوا الرسول إلا لمامًا فإن الوحي المشع من السماء أضاء لهم الطريق، وأوضح الغاية..

لقد نزل بمكة قريب من نصف القرآن، سال على ألسنة الحفاظ وتداولته صحائف السفرة الكرام البررة، والقرآن النازل بمكة صوَّر جزاء الآخرة رأي العين، فأنت توشك أن تمد يدك تقطف من أثمار الجنة، ويستطيع الأعرابي المتعشق للحق أن ينتقل في لحظة فداء من رمضاء الجزيرة إلى أنهار النعيم والرحيق المختوم!

وحكى القرآن أخبار الأولين وكيف أخلص المؤمنين لله فنجوا مع رسلهم، وكيف طغى الكفار وأسكرهم الإمهال فتعنتوا وتجبروا، ثم حل العدل الإلهي، فذهب الظالمون بددًا، وتركوا وراءهم دنيا مدبرة، ودورًا خربة.

فأدبروا ووجوه الأرض تلعنهم كباطل من جلال الحق منهزم...!!

ثم إن الرسول جعل من هذا الإيمان بالحق رباطًا يعقد من تلقاء نفسه صلة الحب والتناصر بين أشتات المؤمنين في المشرق والمغرب.

فالمسلم في المدينة -وإن لم يرَ أخاه المستضعف في مكة - يحنو عليه، ويتعصب له، ويغضب من ظالمه، ويقاتل دونه، وذلك ما استقدم الأنصار من يثرب تجيش في حناياهم مشاعر الولاء لمن أحبوهم بالغيب في ذات الله.

عن أبي مالك الأشعري أن رسول الله قال: يا أيها الناس اسمعوا واعقلوا، واعلموا أن لله عبادًا ليسوا بأنبياء ولا شهداء يغبطهم النبيون والشهداء على منازلهم وقربهم من الله. فجثا رجل من الأعراب من قاصية الناس وألوى بيده إلى النبي (صلَّى الله عليه وسلم) ، فقال يا رسول الله: ناس من الناس ليسوا بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء على مجالسهم وقربهم من الله!! انعتهم لنا، حلِّهم لنا -يعني صفهم لنا- فسر وجه النبي بسؤال الأعرابي وقال: هم ناس من أفناء الناس، ونوازع القبائل، لم تصل بينهم أرحام متقاربة، تحابوا في الله وتصافوا، يضع الله لهم يوم القيامة منابر من نور، فيجلسون عليها، فيجعل وجوههم نورًا، وثيابهم نورًا، يفزع الناس يوم القيامة ولا يفزعون، وهم أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

الإيمان بالله، والحب فيه، والأخوة في دينه، والتناصر باسمه، ذلك كله كان يتدافع في النفوس المجتمعة في ظلام الليل بجوار مكة السادرة في غيها، يتدافع ليعلن أن أنصار الله سوف يحمون رسوله كما يحمون أعراضهم، وسوف يمنعونه بأرواحهم فلا يخلص إليه أذى وهم أحياء.

إن مشركي مكة حسبوا أنهم حصروا الإسلام في نطاق لا يعدوه، وأرهقوا المسلمين حتى شغلوهم بأنفسهم، فناموا نومة المجرم الذي اغترف الإثم وأمن القصاص.

حسنّت ظنك بالأيام إذ حسنت ولم تخف سوء ما يأتي به القدر

وسالمتك الليالي فاغتررت بها وعند صفو الليالي يحدث الكدر

أجل، ففي هذه الليلة تحالف جند الحق أن يقصموا ظهر الوثنية، وأن ينتهوا بالجاهلية ورجالها إلى الفناء.

واستمع شيطان من المشركين كان يجول في مضارب الخيام ومنازل الحجيج إلى الضجة المنبعثة قريبًا من العقبة ، واستطاع أن يقف على جلية الخبر، فصرخ ينذر أهل مكة:"إن محمدًا والصباء معه قد اجتمعوا على حربكم.."!!

وكان صوته جهيرًا يوقظ النيام.

وشعر المبايعون كأن ائتمارهم بالمشركين قد انكشف، فلم يكترثوا للنتائج.

وقال"ابن عبادة": يا رسول الله والذي بعثك بالحق إن شئت لنميلنَّ على أهل"منى"غدًا بأسيافنا، فقال رسول الله: لم نؤمر بذلك، ولكن ارجعوا إلى رحالكم.

قال كعب: فلما أصبحنا غدت علينا جلّة قريش حتى جاؤونا في منازلنا فقالوا: يا معشر الخزرج، إنه قد بلغنا أنكم جئتم إلى صاحبنا هذا تستخرجونه من بين أظهرنا، وتبايعونه على حربنا، وإنه -والله- ما من حي من العرب أبغض أن تنشب الحرب بيننا وبينهم منكم، قال: فانبعث مَنْ هناك من مشركي قومنا يحلفون، ما كان من هذا شيء وما علمناه، وصَدَقوا لم يعلموا. قال كعب وبعضنا ينظر إلى بعض.

بيد أن القرائن تجمعت على أن ما قيل حق، فخرجت قريش تطلب الأنصار ففاتوهم، ولم يدركوا غير سعد بن عبادة.

فعادوا به مغلولة يداه إلى عنقه، وأخذوا يجذبونه من شعره ويلكزونه، فأنقذه منهم جبير بن مطعم، والحارث بن حرب، إذ كان"سعد"يجير لهما قوافلهما المارة بالمدينة.

6.4 طلائع هجرة المسلمين من مكة إلى المدينة:

إن نجاح الإسلام في تأسيس وطن له، وسط صحراء تموج بالكفر والجهالة هو أخطر كسب حصل عليه منذ بدأت الدعوة له، وقد تنادى المسلمون من كل مكان: هلمّوا إلى يثرب.. فلم تكن الهجرة تخلصًا فقط من الفتنة والاستهزاء، بل كانت تعاونًا عامًا على إقامة مجتمع جديد في بلد آمن.

وأصبح فرضًا على كل مسلم قادر أن يسهم في بناء هذا الوطن الجديد، وأن يبذل جهده في تحصينه ورفع شأنه، وأصبح ترك المدينة -بعد الهجرة إليها- نكوصًا عن تكاليف الحق، وعن نصر الله ورسوله، فالحياة بها دين لأن قيام الدين يعتمد على إعزازها.

وفي عصرنا هذا أعجب اليهود بأنفسهم، وعانق بعضهم بعضًا مهنئًا لأنهم استطاعوا تأسيس وطن قومي لهم، بعد أن عاشوا -مشردين- قرونًا طوالا.

ونحن لا ننكر جهد اليهود في إقامة هذا الوطن، ولا حماس المهاجرين من كل فج للعيش به، ومحاولة إحيائه وإعلائه.

ولكن ما أبعد البون بين ما صنع اليهود اليوم -أو بتعبير أدق، ما صُنع لليهود اليوم- وبين ما صنع الإسلام وبنوه لأنفسهم، يوم هاجروا إلى يثرب نجاة بدعوتهم، وإقامة لدولتهم.

إن اليهود جاؤوا على حين فرقة من العرب وغفلة وضعف، وحاكوا مؤامراتهم في ميدان السياسة الغربية الناقمة على الإسلام وأهله. فإذا بالعالم كله يهجم على فلسطين بالمال والسلاح والنساء والدهاء، فلم يستطع مليون عربي حصرتهم الخيانات في مآزق ضيقة أن يصنعوا شيئًا، فهاموا على وجوههم في الأرض، نتيجة اتفاق"أمريكا وروسيا وانكلترا وفرنسا"و..ملوك العرب على خذلان أولئك العرب التعساء، وبذلك قام الوطن القومي لليهود، وبثّت الدعاية لتشجيع الهجرة إليه، وإسداء العون له من دهاقين السياسة والمال في أنحاء الدنيا !!

أين هذا الحضيض من رجال أخلصوا لله طواياهم، وترفعت عن المآرب هممهم، وذهلوا عن المتاع المبذول والأمان المتاح، واستهوتهم المثل العليا وحدها في عالم يعج بالصم البكم، وربطوا مستقبلهم بمستقبل الرسالة المبرأة التي اعتنقوها، وتبعوا صاحبها المتجرد المكافح، وهو لا يني يقول:

{قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ} !!

إن المدينة الفاضلة التي تعشَّقها الفلاسفة، وتخيلوا فيها الكمال، وجاءت في سطور الكتب، دون ما صنع المهاجرون الأولون، وأثبتوا به أن الإيمان الناضج يحيل البشر إلى خلائق تباهي الملائكة سناء ونضارة.

إن المسلمين -باذن رسول الله- هرعوا من مكة وغيرها إلى"يثرب"يحدوهم اليقين، وترفع رؤوسهم الثقة.

ليست الهجرة انتقال موظف من بلد قريب إلى بلدٍ ناءٍ، ولا ارتحال طالب قوت من أرض مجدبة إلى أرض مخصبة.

إنها إكراه رجل آمنٍ في سربه، ممتد الجذور في مكانه على إهدار مصالحه، وتضحية أمواله والنجاة بشخصه فحسب، وإشعاره -وهو يصفِّي مركزه- بأنه مستباح منهوب، قد يهلك في أوائل الطريق أو نهايتها. وبأنه يسير نحو مستقبل مبهم، لا يدري ما يتمخض عنه من قلاقل وأحزان، ولو كان الأمر مغامرة فرد بنفسه لقيل: مغامر طياش، فكيف وهو ينطلق في طول البلاد وعرضها، يحمل أهله وولده؟ وكيف وهو بذلك رضيَّ الضمير، وضّاء الوجه ؟!

إنه الإيمان الذي يزن الجبال ولا يطيش! وإيمان بمن؟ بالله الذي له ما في السموات وما في الأرض، وله الحمد في الأولى والآخرة، وهو الحكيم الخبير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت