هذه الصعاب لا يطيقها إلا مؤمن، أما الهيّاب الخوار القلق، فما يستطيع شيئًا من ذلك، إنه من أولئك الذين قال الله فيهم: {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنْ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوْ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ..} .
أما الرجال الذين التقوا بمحمد (صلَّى الله عليه وسلم) في مكة ، وقبسوا منه أنوار الهدى، وتواصوا بالحق والصبر، فإنهم نفروا خفافًا ساعة قيل لهم: هاجروا إلى حيث تعزون الإسلام وتؤمنون مستقبله.
ونظر المشركون، فإذا ديار بـ (مكة) كانت عامرة بأهلها قد أقفرت، ومحال مؤنسة قد أمحلت.
مر عتبة، والعباس، وأبو جهل على دار بني جحش بعدما غُلِّقت، فقد هاجر رب الدار، وزوجه وأخوه أبو أحمد -وكان رجلًا ضرير البصر- ونظر عتبة إلى الدار تخفق أبوابها يبابًا، ليس بها ساكن! فلما رآها تصفر الريح في جنباتها قال:
وكل دار وإن طالت سلامتها يومًا، ستدركها النكباء والحوب
ثم قال: أصبحت الدار خلاء من أهلها، فقال أبو جهل للعباس هذا من عمل ابن أخيك، فرق جماعتنا، وشتت أمرنا، وقطع بيننا...
وأبو جهل بهذا الكلام تبرز فيه طبائع الطغاة كاملة.
فهم يجرمون ويرمون الوزر على أكتاف غيرهم، ويقهرون المستضعفين، فإذا أبَوا الاستكانة، فإباؤهم علّة المشكلات ومصدر القلاقل..!!
وكان من أول المهاجرين"أبو سلمة: وزوجه، وابنه"فلما أجمع على الخروج قال له أصهاره: هذه نفسك غلبتنا عليها، أرأيت صاحبتنا هذه؟ علام نتركك تسير بها في البلاد؟ وأخذوا منه زوجته. فغضب آل أبي سلمة لرجلهم، وقالوا: لا نترك ابننا معها إذ نزعتموها من صاحبنا، وتجاذبوا الغلام بينهم، فخلعوا يده وذهبوا به وانطلق أبو سلمة وحده إلى المدينة، فكانت أم سلمة -بعد ذهاب زوجها وضياع ابنها- تخرج كل غداة بالأبطح، تبكي حتى تمسي، نحو سنة، فرقّ لها أحد ذويها وقال: ألا تخرجون هذه المسكينة؟ فرقتم بينها وبين زوجها وولدها، فقالوا لها: الحقي بزوجك إن شئت، فاسترجعت ابنها من عصبته، وهاجرت إلى المدينة ..
ولما أراد"صهيب"الهجرة قال له كفار قريش: أتيتنا صعلوكًا حقيرًا، فكثر مالك عندنا، وبلغت الذي بلغت، ثم تريد أن تخرج بمالك ونفسك، والله لا يكون ذلك، فقال لهم صهيب: أرأيتم إن جعلت لكم مالي أتخلُّون سبيلي؟ قالوا: نعم، قال: فإني قد جعلت لكم مالي. فبلغ ذلك رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم) فقال: ربح صهيب!
وهكذا أخذ المهاجرون يتركون مكة زرافات ووحدانًا، حتى كادت مكة تخلو من المسلمين. وشعرت قريش بأن الإسلام أضحت له دار يأرز إليها وحصن يحتمي به، وتوجست خيفة من عواقب هذه المرحلة الخطيرة في دعوة محمد، وهاجت في دمائها غرائز السبع المفترس حين يخاف على حياته.
إن محمدًا (صلَّى الله عليه وسلم) لا يزال في مكة، وهو -لابد- مدرك أصحابه اليوم أو غدًا، فلتعجل به قبل أن يستدير إليها..
7.4 اجتماع طواغيت الكفر في دار الندوة للقضاء على محمد (صلَّى الله عليه وسلم) ودعوته التوحيدية:
واجتمع طواغيت مكة في دار الندوة ليتخذوا قرارًا حاسمًا في هذا الأمر.
فرأى بعضهم أن توضع القيود في يد محمد (صلَّى الله عليه وسلم) ويشد وثاقه، ويرمى به في السجن لا يصله منه إلا الطعام، ويترك على ذلك حتى يموت..
ورأى آخر أن ينفى من مكة فلا يدخلها، تنفض قريش يديها من أمره.
وقد استُبعد هذان الاقتراحان لعدم جدواهما واستقر الرأي على الاقتراح الذي أبداه"أبو جهل". قال أبو جهل: أرى أن تأخذوا من كل بطن من قريش شابًا نسيبًا وسطًا فتيًا، ثم نعطي كل فتى سيفًا صارمًا، ثم يضربونه -جميعًا- ضربة رجل واحد، فإذا قتلوه تفرق دمه في القبائل كلها، ولا أظن بني هاشم يقوَوْن على حرب قريش كافة، فإذا لم يبق أمامهم إلا الدية أديناها.
ورضي المؤتمرون بهذا الحل للمشكلة التي حيرتهم وانصرفوا ليقوموا على إنفاذه، وقد أشار القرآن إلى تدبير هذه الجريمة بقوله: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} .
إن هذا الحكم لم يتخذ في مجلس سر، بل في اجتماع عام.
ومن الطبيعي أن يعلم به رسول الله؛ وأن يعرف حقيقة وضعه في مكة، إنهم لا ينتظرون به إلا موعد التنفيذ، ثم يقدمه الطغام قربانًا للأصنام!!.
على أن رسول الله لم يكن ليوعز إلى أصحابه بالهجرة ويتخلف عنهم.
لقد رسم الخطة التي يذهب بها إلى"يثرب"حين ندب المسلمين للهجرة إليها.
روى الزهري عن عروة عن عائشة قالت: قال رسول الله -وهو يومئذ بمكة- للمسلمين:"قد أريت دار هجرتكم؛ أريت سبخة ذات نخل بين لابتين"فهاجر من هاجر قِبَل المدينة حين ذكر ذلك رسول الله، ورجع إلى المدينة من كان هاجر إلى أرض الحبشة من المسلمين.
8.4 هجرة الرسول (صلَّى الله عليه وسلم) إلى المدينة:
حين عزم رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم) على ترك مكة إلى المدينة؛ ألقى الوحي الكريم في قلبه وعلى لسانه هذا الدعاء الجميل: {وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا} .
ولا نعرف بشرًا أحق بنصر الله وأجدر بتأييده مثل هذا الرسول (صلَّى الله عليه وسلم) الذي لاقى في جنب الله ما لاقى. ومع ذلك فإن استحقاق التأييد الأعلى لا يعني التفريط قيد أنملة في استجماع أسبابه، وتوفير وسائله.
ومن ثَمَّ فإن رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم) أحكم خطة هجرته، وأعدَّ لكل فرض عدته، ولم يدع في حسبانه مكانًا للحظوظ العمياء.
وشأن المؤمن مع الأسباب المعتادة، أن يقوم بها كأنها كل شيء في النجاح، ثم يتوكل -بعد ذلك- على الله، لأن كل شيء لا قيام له إلا بالله.
فإذا استفرغ المرء جهوده في أداء واجبه فأخفق بعد ذلك، فإن الله لا يلومه على هزيمة بلي بها، وقلّما يحدث ذلك إلا عن قَدَر قاهر يعذر المرء فيه!!
وكثيرًا ما يرتب الإنسان مقدمات النصر ترتيبًا حسنًا، ثم يجيء عون أعلى يجعل هذا النصر مضاعف الثمار.
كالسفينة التي يشق عباب الماء بها ربّان ماهر، فإذا التيار يساعدها والريح تهب إلى وجهتها، فلا تمكث غير بعيد حتى تنتهي إلى غايتها في أقصر من وقتها المقرر.
وهجرة رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم) من مكة إلى المدينة جرت على هذا الغرار، فقد استبقى رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم) معه عليًا وأبا بكر ، وأذن لسائر المؤمنين بتقدمه إلى المدينة .
فأما أبو بكر فإن الرسول (صلَّى الله عليه وسلم) قال له حين استأذنه ليهاجر: لا تعجل، لعل الله أن يجعل لك صاحبا. وأحس أبو بكر كأن الرسول (صلَّى الله عليه وسلم) يعني نفسه بهذا الرد.
فابتاع راحلتين فحبسهما في داره، يعلفهما إعدادًا لذلك.
وأما علي فإن الرسول (صلَّى الله عليه وسلم) هيأه لدور خاص، يؤديه في هذه المغامرة المحفوفة بالأخطار.
قال ابن إسحاق: فحدثني من لا أتهم عن عروة بن الزبير، عن عائشة، أنها قالت: كان لا يخطئ رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم) أن يأتي بيت أبي بكر أحد طرفي النهار: إما بكرة، وإما عشيًا، حتى إذا كان اليوم الذي أذن الله فيه لرسوله في الهجرة والخروج من مكة من بين ظهري قومه، أتانا رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم) بالهاجرة في ساعة كان لا يأتي فيها. قالت: فلما رآه أبو بكر قال: ما جاء رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم) في هذه الساعة إلا لأمر حدث. فلما دخل تأخر له أبو بكر عن سريره، فجلس رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم) وليس عند رسول الله أحد إلا أنا وأختي أسماء، فقال رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم) : أخرج عني من عندك، قال: يا رسول الله، إنما هما ابنتاي.
وما ذاك -فداك أبي وأمي-؟.
قال: إن الله أذن لي بالخروج والهجرة. فقال أبو بكر: الصحبةَ يا رسول الله؟ قال: الصحبة.
قالت عائشة: فوالله ما شعرت قط قبل ذلك اليوم أن أحدًا يبكي من الفرح حتى رأيت أبا بكر يومئذ يبكي.
ثم قال: يا نبي الله إنَّ هاتين الراحلتين كنت أعددتهما لهذا، فاستأجرا عبدالله بن أريقط -وهو مشرك- يدلهما على الطريق. ودفعا إليه راحلتيهما فكانتا عنده يرعاهما لميعادهما..
قال ابن إسحاق: ولم يعلم -فيما بلغني- بخروج رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم) أحد حين خرج -يقصد نوى الخروج- إلا علي وأبو بكر وآله. أما علي فإن رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم) أمره أن يتخلف حتى يؤدي عنه الودائع التي كانت عنده للناس. وكان رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم) ؛ ليس بمكة أحد عنده شيء يخشى عليه إلا وضعه عنده، لما يعلم من صدقه وأمانته..
9.4 درس في سياسة الأمور حول موضوع هجرة الرسول (صلَّى الله عليه وسلم) من مكة إلى المدينة:
ويلاحظ أن النبي عليه الصلاة والسلام كتم أسرار مسيره، فلم يطلع عليها إلا من لهم صلة ماسة، ولم يتوسع في إطلاعهم إلا بقدر العمل المنوط بهم.
وقد استأجر دليلًا خبيرًا بطريق الصحراء ليستعين بخبرته على مغالبة المطاردين ونظر في هذا الاختيار إلى الكفاية وحدها. فإذا اكتملت في أحد -ولو مشركًا- استخدمه وانتفع بموهبته.
ومع هذه المرونة في وضع الخطة فإن النبي عليه الصلاة والسلام أصر أن يدفع ثمن راحلته، وأبى أن يتطوع أبوبكر به، لأن البذل في هذه الهجرة ضرب من العبادة ينبغي الحرص عليه وتستبعد النيابة فيه.
واتفق الرسول عليه الصلاة والسلام مع أبي بكر على تفاصيل الخروج، وتخيروا الغار الذي يأوون إليه، تخيروه جنوبًا في اتجاه اليمن لتضليل المطاردين، وحددوا الأشخاص الذين يتصلون بهم في أثناء اللجأ إليه، ومهمة كل شخص.
ثم عاد الرسول عليه الصلاة والسلام إلى بيته، فوجد قريشًا بدأت تضرب الحصار حوله، وبعثت بالفتيان الذين وكل إليهم اغتيال محمد عليه الصلاة والسلام وتفريق دمه بين القبائل.
وأوعز الرسول عليه الصلاة والسلام إلى علي بن أبي طالب في هذه الليلة الرهيبة أن يرتدي برده الذي ينام فيه، وأن يتسجى به على سريره. وفي هجعة الليل وغفلة من الحرس، نَسَلَ الرسول عليه الصلاة والسلام من بيته إلى دار أبي بكر، ثم خرج الرجلان من خوخة في ظهرها إلى غار ثور.. إلى الغار الذي استودعته العناية مصير الرسالة الخاتمة، ومستقبل حضارة كاملة، وتركته في حراسة الصمت والوحشة والانقطاع..
10.4 اختباء الرسول (صلَّى الله عليه وسلم) مع أبي بكر في الغار أثناء هجرته من مكة إلى المدينة:
وسارت الأمور على ما قدّرا، وكان أبو بكر قد أمر ابنه عبدالله أن يتسمع لهما ما يقول الناس فيهما، ثم يأتيهما إذا أمسى بما يكون في ذلك من أخبار. وأمر عامر بن فهيرة مولاه أن يرعى غنمه نهاره ثم يريحها عليهما إذا أمسى في الغار. فكان عبدالله بن أبي بكر في قريش يسمع ما يأتمرون به وما يقولون في شأن رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم) وأبي بكر، ثم يأتيهما إذا أمسى فيقص عليهما ما علم، وكان عامر في رعيان أهل مكة، فإذا أمسى أراح عليهما غنم أبي بكر فاحتلبا وذبحا، فإذا غدا عبدالله من عندهما إلى مكة، أتبع عامر بن فهيرة أثره بالغنم يعفِّي عليه. وتلك هي الحيطة البالغة كما تفرضها الضرورات المعتادة على أي إنسان..
وانطلق مشركو مكة في آثار المهاجرين يرصدون الطرق ويفتشون كل مهرب، وراحوا ينقِّبون في جبال مكة، وكهوفها، حتى وصلوا -في دأبهم- قريبًا من غار ثور، وأنصت الرسول (صلَّى الله عليه وسلم) وصاحبه إلى أقدام المطاردين تخفق إلى جوارهم، فأخذ الروع أبا بكر، وهمس يحدث رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم) :"لو نظر أحدهم تحت قدمه لرآنا"فقال الرسول عليه الصلاة والسلام:"يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما".
ويظهر أن المطاردين داخلهم القنوط من العثور عليهما في هذا الفج، فتراكضوا عائدين، وروى أحمد:"أن المشركين اقتفوا الأثر حتى إذا بلغوا الجبل -جبل ثور- اختلط عليهم، فصعدوا الجبل فمروا بالغار، فرأوا على بابه نسج العنكبوت. فقالوا: لو دخل هاهنا أحد لم يكن نسج العنكبوت على بابه. فمكث فيه ثلاث ليال".
ورواية أحمد حسنة، وإن لم ترد بها السنن الصحاح، ولم يرد كذلك ذكر لحمائم باضت على فم الغار أو غير ذلك.
قال الله تعالى في ذكر الهجرة:
{إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} .
والجنود التي يخذل بها الباطل وينصر بها الحق ليست مقصورة على نوع معين من السلاح ولا صورة خاصة من الخوارق، إنها أعم من أن تكون مادية أو معنوية، وإذا كانت مادية فإن خطرها لا يتمثل في ضخامتها، فقد تفتك جرثومة لا تراها العين بجيش ذي لجب {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ} .
ومن صنع الله لنبيه أن تعمى عنه عيون عداته وهو منهم على مد الطرف، ولم يكن ذلك محاباة من القدر لقوم فرَّطوا في استكمال أسباب النجاة، بل هو مكافأة من القدر لقوم لم يدعوا وسيلة من وسائل الحذر إلا اتخذوها، وكم من خطة يضعها أصحابها فيبلغون بها نهاية الإتقان تمر بها فترات عصيبة لأمور فوق الإرادة أو وراء الحسبان، ثم تستقر أخيرًا وفق مقتضيات الحكمة العليا وفي حدود قوله تعالى:
{وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} .
11.4 ما حدث مع رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم) في الطريق إلى المدينة:
مرت ثلاث ليال على مبيت الرسول عليه الصلاة والسلام في الغار، وخمد حماس المشركين في الطلب، وتأهب المهاجران لاستئناف رحلتهما الصعبة.
وجاء"عبدالله بن أريقط"في موعده ومعه رواحله قد أعلفها لاستقبال سفر بعيد، وتزود الركب ثم سار على اسم الله.
غير أن قريشًا ساءها أن تخفق في استرجاع محمد عليه الصلاة والسلام وصاحبه، فجعلت دية كل واحد منهما جائزة لمن يجيء بهما أحياء أو أمواتًا.
ومائتان أو مائة من الإبل في الصحراء ثروة تغري بركوب المخاطر وتحمل المشاق.
وقد قدَّر رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم) أن المشركين لن يألوا جهدًا في الإساءة إليه، فالتزم في سيره جانب المحاذرة، وأعانتهم مهارة الدليل على سلوك دروب لم تعتدها القوافل، ثم أطلق الزمام للرواحل فمضت تصل النهار بالليل.
رمى بصدور العيس منخرق الصَّبا فلم يدر خلقٌ بعدها أين يمما؟
فلما مروا بحي بني مدلج مُصْعدين، بَصُر بهم رجل من الحي فقال: لقد رأيت آنفًا أسْوِدَة بالساحل، ما أظنها إلا محمدًا وأصحابه؛ ففطن إلى الأمر سراقة بن مالك ورغب أن تكون الجائزة له خاصة فقال: بل هم فلان وفلان قد خرجوا لحاجة لهم..ومكث قليلًا ثم قام فدخل خباءه وقال لخادمه: اخرج بالفرس من وراء الخباء وموعدك خلف الأكمة.
قال سراقة: فأخذت رمحي وخرجت من ظهر البيت وأنا أخط بزجه الأرض، حتى أتيت فرسي فركبتها فدفعتها ففرت بي حتى دنوت منهم فعثرت بي فرسي فخررت عنها! فقمت..
وامتطى سراقة فرسه مرة أخرى وزجرها فانطلقت حتى قرب من الرسول عليه الصلاة والسلام وصاحبه، وكان أبو بكر يكثر الالتفات يتبين هذا العدو الجسور؟ فلما دنا عرفه فقال لرسول الله (صلَّى الله عليه وسلم) وكان ماضيًا إلى غايته-: هذا سراقة بن مالك قد رهقنا! وما أتم كلامه حتى هوت الفرس مرة أخرى ملقية سراقة من على ظهرها، فقام معفرًا ينادي بالأمان!!
وقع في نفس سراقة أن الرسول عليه الصلاة والسلام حق فاعتذر إليه وسأله أن يدعو الله له وعرض عليهما الزاد والمتاع، فقالا: لا حاجة لنا، ولكن عَمِّ عنا الطلب، فقال: قد كفيتم، ثم رجع فوجد الناس جادين في البحث عن محمد عليه الصلاة والسلام وصاحبه، فجعل لا يلقى أحدًا من الطلَّب إلا ردَّه وهو يقول: كفيتم هذا الوجه !
أصبح أول النهار جاهدًا عليهما، وأمسى آخره حارسًا لهما...!!
12.4 دعاء رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم) عند خروجه من مكة مهاجرًا:
إن أسفار الصحراء توهي العمالقة الآمنين. فكيف بركب مهدر الدم مستباح الحق؟.
ما يحس هذه المتاعب إلا من صلي نارها، لقد برزنا لوهج الظهيرة يومًا فكادت الأشعة البيضاء المنعكسة على الرمال تخطف أبصارنا، فعدنا مغمضين نستبقي من عيوننا ما خفنا ضياعه.
وعندما تصبح وتمسي وسط وهاد ونجاد لا تنتهي حتى تبدأ، تخال العالم كله مهامه مغبرة الأرجاء داكنة الأرض والسماء.
وجرت عادة المسافرين أن يأووا في القيلولة إلى أي ظل في بطاح ينتعل كل شيء فيها ظله، حتى إذا جنحت الشمس للمغيب تحركت المطايا اللاغبة تغالب الجفاف والكرى.
وللعرب طاقةٌ على احتمال هذا الشظف مع قلة الزاد والري.
وقد مر بك أن الرسول -وهو طفل- قطع هذه الطريق، ذهب مع أمه لزيارة قبر أبيه ثم عاد وحده!.
وإنه الآن ليقطعها وقد بلغ الثالثة والخمسين، لا لزيارة أبويه اللذين ماتا بالمدينة؛ بل لرعاية رسالته التي تشبثت بأرض يثرب جذورها، بعد ما تبرمت مكة بها وبصاحبها وبمن حوله...
إنه أرسخ أهل الأرض يقينًا بأن الله ناصره ومظهر دينه، بيد أنه أسيف للفظاظة التي قوبل بها، وللجحود الذي لاحقه من بدء رسالته حتى اضطره إلى الهجرة على هذا النحو العنيف، ها هو ذا يخرج من مكة وقد أعلن سادتها عن الجوائز المغرية لمن يغتاله...
روى أبو نعيم أن رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم) لما خرج من مكة مهاجرًا إلى الله قال: الحمد لله الذي خلقني ولم أك شيئًا. اللهم أعنِّي على هول الدنيا وبوائق الدهر ومصائب الليالي والأيام. اللهم اصحبني في سفري، واخلفني في أهلي، وبارك لي فيما رزقتني، ولك فذلِّلني، وعلى صالح خُلُقي فقوِّمني، وإليك ربِّ فحببني، وإلى الناس فلا تكلني. رب المستضعفين وأنت ربي. أعوذ بوجهك الكريم الذي أشرقت له السموات والأرض، وكشفت به الظلمات، وصلح عليه أمر الأولين والآخرين أن تحل علي غضبك، وتُنزل بي سخطك. وأعوذ بك من زوال نعمتك، وفجأة نقمتك، وتحوّل عافيتك، وجميع سخطك. لك العتبى عندي خير ما استطعت. ولا حول ولا قوة إلا بك.
ومما يلفت النظر أن انطلاق الرسول (صلَّى الله عليه وسلم) من مكة شاع في جوانب الصحراء، وكأن أسلاك البرق طيرته إلى أقصى البقاع. فعلم به البدو والحضر على طول الطريق حتى يثرب، بل إن المحال التي عرج بها وصل نبؤها إلى أهل مكة بعد أن انصرف عنها.
والناس يعجبون بقصص البطولة، وتستثيرهم ألوان التحدي، وهم يتناقلون الأخبار السيالة على الألسن، فيضفون عليها ثياب الأساطير، وقد سُرَّت قلوب كثيرة بغلب محمد عليه الصلاة والسلام على من تبعوه، وترجمت عواطفها هذه شعرًا يتغنى به ولا يعرف قائله!!..
من ذلك ما روي عن أسماء بنت أبي بكر قالت: مكثنا ثلاث ليال ما ندري أين وجه رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم) حتى أقبل رجل من أسفل مكة يتغنى بأبيات من الشعر:
جزى الله رب الناس خير جزائه رفيقين حلاَّ خيمتي أم معبد
هما نزلا بالبر ثم تروَّحا..! فأفلح من أمسى رفيق محمد
ليَهْنِ بني كعب مكان فَتاتِهمْ ومقعدها للمؤمنين بمرصد!
قالت أسماء: فلما سمعنا قوله عرفنا حيث توجه رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم) ، وأن وجهه إلى المدينة !
من القائل؟ تذكر الرواية أنه من الجن! وتلك عادة العرب في نسبة شعرها فلكل شاعر عندهم شيطان..!
والراجح أن الأبيات المذكورة من إنشاد مؤمن يكتم إيمانه بمكة ويتسمع أخبار المهاجرين، فيبدي فرحته بما يلقَون من توفيق، ويجد متنفسًا لمشاعره المتوارية في هذا الغناء المرسل.
والأبيات تشير إلى واقعة عرضت للرسول عليه الصلاة والسلام في أثناء رحلته، فقد مرَّ على منازل خزاعة ، ودخل خيمة أم معبد، فاستراح بها قليلا، وشرب من لبن شاتها.
3.4 وصول رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم) إلى المدينة عند هجرته إليها:
وكذلك ترامت أخبار المهاجر العظيم وصاحبه إلى المدينة ، فكان أهلها يخرجون كل صباح يمدون أبصارهم إلى الأفق البعيد، ويتشوفون إلى مقدمه بلهفة. فإذا اشتد عليهم الحر عادوا إلى بيوتهم يتواعدون الغد، وملء جوانحهم الترقب، والقلق، والرجاء.
وفي اليوم الثاني عشر من ربيع الأول لثلاث عشرة سنة من البعثة برز الأنصار على عادتهم منذ سمعوا بمخرج الرسول عليه الصلاة والسلام إليهم، ووقفوا بظاهر المدينة ينتظرون طلعته ويودون رؤيته. فلما حميت الظهيرة وكادوا ييأسون من مجيئه وينقلبون إلى بيوتهم؛ صعد رجل من اليهود على أطم من آطامهم لبعض شأنه، فرأى الرسول عليه الصلاة والسلام وصحبه يتقاذفهم السراب، وتدنو بهم الرواحل رويدًا رويدًا إلى المدينة إلى وطن الإسلام الجديد، فصرخ اليهودي بأعلى صوته: يا بني قَيْلة، هذا صاحبكم قد جاء، هذا جدكم الذي تنتظرون...
فأسرع الأنصار إلى السلاح يستقبلون به رسولهم، وسمع التكبير يرُج أنحاء المدينة ، ولبست"يثرب"حلة العيد ومباهجه.
قال البراء: أول من قدم علينا من أصحاب رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم) مصعب بن عمير، وابن أم مكتوم. فجعلا يقرئان الناس القرآن، ثم جاء عمار، وبلال، وسعد، ثمَّ جاء عمر بن الخطاب في عشرين راكبًا. ثم جاء رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم) ، فما رأيت الناس فرحوا بشيء كفرحهم به، حتى رأيت النساء والصبيان والإماء يقولون: هذا رسول الله قد جاء.
يا عجبًا لنقائض الحياة واختلاف الناس! إن الذي شهرت مكة سلاحها لتقتله، ولم ترجع عنه إلا مقهورة؛ استقبلته المدينة وهي جَذْلانة طروب، وتنافس رجالها يعرضون عليه المنعة والعدة والعدد...
ومن الطريف أن كثيرًا من أهل المدينة لم يكن رأى رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم) ، فلما قدم الركب لم يعرفوه من أبي بكر لأول وهلة، حتى إن العواتق كنَّ يتراءينه فوق البيوت يقلن: أيهم هو؟.
ونزل النبي (صلَّى الله عليه وسلم) في بني عمرو بن عوف، فأقام فيهم أربع عشرة ليلة أسس خلالها مسجد قباء . وهو أول مسجد أسس في الإسلام. وفيه نزل قوله تعالى: {لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا} .
14.4 استقرار المدينة بوصول سيد الخلق إليها: رجل العقيدة يسير طوعًا لها، ويجد طمأنينته حيث تقر عقيدته وتلقى الرحب والسعة.
والناس ينشدون سعادتهم فيما تعلقت به هممهم وجاشت به أمانيهم، وهم ينظرون إلى الدنيا وحظوظهم منها على ضوء ما رسب في نفوسهم من عواطف وأفكار..