فطالب الزعامة يرضى أو ينقم، وينشط أو يكسل بمقدار قربه أو بعده من أمله الحبيب.
انظر المتنبي كم مدح وهجا؟ وكيف انتقل من الشام إلى مصر، ومن مصر إلى غيرها، وانظر إلى ذكره أحاديث الناس عنه وعن بغيته.
يقولون لي: ما أنت في كل بلدة وما تبتغي؟ ما أبتغي جَلَّ أن يُسْمى
والذي جلَّ أن يسمى صرح به في مكان آخر، فطلب أن تناط به ضيعة أو ولاية!! أي بعض ما وضعته الحظوظ في أيدي الملوك والملاك؛ وإنه ليتعجل هذا الأمل من كافور فيقول: أبا المسك هل في الكأس فضل أنا له؟ فإني أغنِّي منذ حين وتشرب!
والمتنبي في نظري أهل -بكفايته- للمناصب الرفيعة. ولكن التطلع إلى الدنيا بهذا النزق والإلحاح، محكوم بالمشيئة التي ذكرتها الآية الكريمة:
{مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ...} .
ومن الناس من يتعشق الجمال ويجري وراء النساء ويجد في المتعة بهن نهمته التي يسكن بعدها ويستكين ويقول:
لا أرى الدنيا على نور الضحى بل أرى الدنيا على نور العيون
ومنهم من يبحث عن المال ويقضي سحابة نهاره وشطر ليله يتتبع الأرقام في دفاتره، يحصي ما وقع في يده ويتربص بما لم يقع، وربما ذهل عن طعامه ولباسه في غريزة الاقتناء التي سدّت عليه المنافذ.
إلى جانب هذه الأصناف تجد فريقًا آخر من البشر لا يطيق الكف عن إسداء الجميل، وبذل النصيحة، ورعاية الصالح العام، وإفناء ذاته في سبيل الفضائل التي ملكت لبه وعمرت قلبه...
إنه يبيت مسهَّدًا لو فرَّط في واجب... راحته الكبرى في نشدان الكمال وسعادته القصوى يوم يدرك منه سهمًا...
وأصحاب الرسالات رهناء ما تحملوا من أمانات ضخمة، فمغانمهم ومغارمهم وحلهم وترحالهم وصداقتهم وخصومتهم ترجع كلها إلى المعاني التي ارتبطوا بها وحَيُوا لأجلها...
وصاحب الرسالة العظمى محمد بن عبدالله ضرب من نفسه المثل الفذ للمكافحين، فمنذ أخذ على عاتقه تمزيق الأسداف التي ألقت على العالم ليلا كثيفًا من الشرك والخرافة؛ لم يفلح أحد في ثنيه عن عزمه أو تعويق مسيره أو ترضيته برغبة أو ردعه برهبة، وفنيت أمام عينيه فوارق الزمان والمكان، فالغريب عنه إذا عرف الحق قريب، ووطنه إذا تنكر للهدى فهو منه بريء، والمؤمنون به آخر الدهر هم إخوانه وإن لم يشاهدوه.
ولقد عاش في مكة ثلاثة وخمسين عامًا حتى ألفها وألفته، لكنه اليوم يخرج منها إلى وطن جديد يرى فيه امتداد قلبه وثمار غرسه.
والرجال الذين تنبع سعادتهم من قلوبهم ويرتبطون أمام ضمائرهم بمبادئهم لا يكرمون بيئة بعينها إلا أن تكون صدى لما يرون.
فلا غرو إذا دخل محمد (صلَّى الله عليه وسلم) المدينة دخول الوامق المعتز..واستبشر بما آتاه الله فيها من فتح، وتوسم من وراء هذه الهجرة بشائر الخير والنصر.
ثَوَى في قريش بضع عشرة حجة يذكِّر لو يلقى حبيبًا مواتيًا
ويعرض في أهل المواسم نفسه فلم ير من يؤوي ولم ير واعيًا
فلما أتانا واستقرت به النوى وأصبح مسرورًا بطيبة راضيًا
وأصبح لا يخشى ظلامة ظالم بعيد ولا يخشى من الناس باغيًا
بذلنا له الأموال من جل مالنا وأنفسنا عند الوغى والتآسيا
نعادي الذي عادى من الناس كلهم جميعًا وإن كان الحبيب المصافيا
ونعلم أن الله لا رب غيره وأن كتاب الله أصبح هاديا
إن تنظيم الهجرة واستقبال اللاجئين الفارين بدينهم من شتى البقاع ليس بالعمل الهين، وفي عصرنا الحاضر تعتبر هذه الحال مشكلة تحتاج إلى الحل السريع؟
ومتى خلت حياة الرجل العظيم من المشكلات؟
وصادف إبان الهجرة أن كانت المدينة موبوءة (بحمّى) الملاريا، فلم تمض أيام حتى مرض بها أبو بكر، وبلال.
واستوخم الصحابة جو المهجر الذي آواهم، ثم أخذت تستيقظ غرائز الحنين إلى الوطن المفقود.
وكان النبي (صلَّى الله عليه وسلم) يصبِّر الصحابة على احتمال الشدائد، ويطالبهم بالمزيد من الجهد والتضحية لنصرة الإسلام، وقال:"لا يصبر على لأواء المدينة وشدتها أحد من أمتي إلا كنت له شفيعًا وشهيدًا يوم القيامة، ولا يدعها أحد رغبة عنها إلا أبدل الله فيها من هو خير منه".
وهذا ضرب من جمع القلوب على المهجر الجديد حتى تطيب به وتنفر من مغادرته.
وعن عائشة قالت: لما قدم النبي عليه الصلاة والسلام المدينة وعك أبو بكر وبلال، فدخلت عليهما فقلت: يا أبت كيف تجدك؟ ويا بلال كيف تجدك؟ وكان أبو بكر إذا أخذته الحمّى يقول:
كل امرىء مصبّح في أهله والموت أدنى من شراك نعله
وكان بلال إذا أقلع عنه يرفع عقيرته ويقول:
ألا ليت شعري هل أبيتنَّ ليلة بوادٍ، وحولي إذخر وجليل
وهل أرِدَنْ يومًا مياه مجنّة وهل يبدوَنْ لي شامة وطفيل؟
قالت: فأخبرت رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم) بذلك فقال:"اللهم حبِّب إلينا المدينة كحبنا مكة، أو أشد، اللهم وصحِّحها وبارك لنا في مدِّها وصاعها، وانقل حمّاها واجعلها بالجحفة".
وعن أنس قال رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم) :"اللهم اجعل بالمدينة ضِعْفَي ما جعلت بمكة من البركة".
وعن أبي هريرة قال:"كان رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم) إذا أتي بأول الثمر قال:"اللهم بارك لنا في مدينتنا وفي ثمارنا وفي مدِّنا وفي صاعنا، بركة مع بركة، اللهم إنَّ إبراهيم عبدك ونبيك وخليلك، وإني عبدك ونبيك، وإنه دعاك لمكة، وأنا أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك لمكة ومثله معه"ثم يعطيه أصغر من يحضر من الولدان..."
بهذا التشويق والإقبال ارتفع الروح المعنوي بين المسلمين، واتجهت القوى الفتية إلى البناء، متناسية الماضي وما يضم من ذكريات. إن الهجرة الخالصة لا تعود في هِبَة ولا ترجع عن تضحية، ولا تبكي على فائت، بل هي كما قال الشاعر:
إذا انصرفت نفسي عن الشيء لم تكد إليه بوجه آخر الدهر تقبل...!!
5 -أُسُسُ البنَاءِ للمُجتمَع الجَديد في المدينة بعد هجرة المسلمين إليها
1.5 مقدمة أسس البناء للمجتمع الجديد:
ليست الأمة الإسلامية جماعة من الناس همها أن تعيش بأي أسلوب، أو تخط طريقها في الحياة إلى أي وجهة، وما دامت تجد القوت واللذة فقد أراحت واستراحت.
كلا كلا، فالمسلمون أصحاب عقيدة تحدد صلتهم بالله، وتوضح نظرتهم إلى الحياة، وتنظم شئونهم في الداخل على أنحاء خاصة، وتسوق صلاتهم بالخارج إلى غايات معينة.
وفرق بين امرىء يقول لك: همي في الدنيا أن أحيا فحسب! وآخر يقول لك إذا لم أحرس الشرف، وأصن الحقوق، وأرضَ لله وأغضب من أجله، فلا سعت بي قدم، ولا طرفت لي عين...
والمهاجرون إلى المدينة لم يتحولوا عن بلدهم ابتغاء ثراء أو استعلاء.
والأنصار الذين استقبلوهم وناصبوا قومهم العداء. وأهدفوا أعناقهم للقاصي والداني، لم يفعلوا ذلك ليعيشوا كيفما اتفق...
إنهم -جميعًا- يريدون أن يستضيئوا بالوحي، وأن يحصلوا على رضوان الله وأن يحققوا الحكمة العليا التي من أجلها خلق الناس، وقامت الحياة...
وهل الإنسان إذا جحد ربه، واتبع هواه، إلا حيوان ذميم، أو شيطان رجيم؟؟.
ومن هنا شغل رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم) أول مستقره- بالمدينة بوضع الدعائم التي لابد منها لقيام رسالته، وتبين معالمها في الشؤون الآتية:
1-صلة الأمة بالله.
2-صلة الأمة بعضها بالبعض الآخر.
3-صلة الأمة بالأجانب عنها، ممن لا يدينون دينها.
2.5 بناء المسجد النبوي في المدينة:
ففي الأمر الأول بادر الرسول عليه الصلاة والسلام إلى بناء المسجد، لتظهر فيه شعائر الإسلام التي طالما حوربت، ولتقام فيه الصلوات التي تربط المرء برب العالمين، وتنقي القلب من أدران الأرض، ودسائس الحياة الدنيا .
والمروي أن الرسول (صلَّى الله عليه وسلم) بنى مسجده الجامع حيث بركت ناقته، في مربد لغلامين يكفلهما"أسعد بن زرارة"وكان الغلامان يريدان النزول عنه لله، فأبى الرسول عليه الصلاة والسلام إلا ابتياعه بثمنه، وكان المربد قبل أن يتخذ مصلّى كهذه المصليات التي تنتشر في ريفنا. كانت تنبت فيه نخيل وشجر غرقد، ويختفي في ترابه بعض قبور للمشركين.
فأمر الرسول بالنخل فقطع، وبالقبور فنبشت، وبالخرب فسُويَت، وصفّوا النخل قبلة للمسجد -والقبلة يومئذ بيت المقدس- وجعل طوله مما يلي القبلة إلى المؤخرة مائة ذراع، والجانبان مثل ذلك تقريبًا، وجعلت عضادتاه من الحجارة، وحفر الأساس ثلاثة أذرع، ثم بني باللبن، واشترك الرسول (صلَّى الله عليه وسلم) وأصحابه في حمل اللبنات والأحجار على كواهلهم.
وكانوا يروِّحون عن أنفسهم عناء الحمل والنقل والبناء.. بهذا الغناء:
اللهمَّ لا عيش إلا عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجره!!
وقد ضاعف حماس الصحابة في العمل رؤيتهم النبي عليه الصلاة والسلام يجهد كأحدهم، ويكره أن يتميز عليهم، فارتجز بعضهم هذا البيت:
لئن قعدنا والرسول يعمل لذاك منّا العمل المضلَّل!!
وتم المسجد في حدود البساطة، فراشه الرمال والحصباء وسقفه الجريد، وأعمدته الجذوع، وربما أمطرت السماء فأوحلت أرضه، وقد تفلت الكلاب إليه فتغدو وتروح.
هذا البناء المتواضع الساذج، هو الذي ربَّى ملائكة البشر، ومؤدبي الجبابرة وملوك الدار الآخرة. في هذا المسجد أذن الرحمن لنبيٍّ يؤم بالقرآن خيرة من آمن به، أن يتعهدهم بأدب السماء من غبش الفجر إلى غسق الليل.
إن مكانة المسجد في المجتمع الإسلامي، تجعله مصدر التوجيه الروحي والمادي فهو ساحة للعبادة، ومدرسة للعلم؛ وندوة للأدب، وقد ارتبطت بفريضة الصلاة وصفوفها أخلاق وتقاليد هي لباب الإسلام، لكن الناس -لما أعياهم بناء النفوس على الأخلاق الجليلة- استعاضوا عن ذلك ببناء المساجد السامقة، تضم مصلين أقزامًا!!.
أما الأسلاف الكبار فقد انصرفوا عن زخرفة المساجد وتشييدها إلى تزكية أنفسهم وتقويمها، فكانوا أمثلة صحيحة للإسلام....
والمسجد الذي وجه الرسول (صلَّى الله عليه وسلم) همته إلى بنائه قبل أي عمل آخر بالمدينة، ليس أرضًا تحتكر العبادة فوقها؛ فالأرض كلها مسجد، والمسلم لا يتقيد في عبادته بمكان.
إنما هو رمز لما يكترث له الإسلام أعظم اكتراث، ويتشبث به أشد تشبث؛ وهو وصل العباد بربهم وصلًا يتجدد مع الزمن، ويتكرر مع آناء الليل والنهار، فلا قيمة لحضارة تذهل عن الإله الواحد، وتجهل اليوم الآخر، وتخلط المعروف بالمنكر!.
والحضارة التي جاء بها الإسلام تذكِّر أبدًا بالله وبلقائه، وتمسك بالمعروف، وتبغض في المنكر، وتقف على حدود الله...
ولقد شاهد يهود المدينة ومشركوها هذا الرسول الجديد يحتشد مع صحبه في إقامة المسجد، يمهده للصلاة؛ فهل رأوا سيرة تريب أو مسلكًا يغمز؟؟
روى البيهقي عن عبد الرحمن بن عوف قال: كانت أول خطبة خطبها رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم) بالمدينة أن قام فيهم فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: أما بعد: أيها الناس، فقدِّموا لأنفسكم، تعلمنَّ والله ليصعقنَّ أحدكم، ثم ليدعنَّ غنمه ليس لها راع، ثم ليقولنَّ له ربه -ليس له ترجمان ولا حاجب يحجبه دونه-: ألم يأتك رسولي فبلَّغك؟ وآتيتك مالًا وأفضلت عليك؟ فما قدمت لنفسك؟ فينظر يمينًا وشمالًا فلا يرى شيئًا، ثم ينظر قدامه فلا يرى غير جهنم، فمن استطاع أن يقي نفسه من النار ولو بشق تمرة فليفعل، ومن لم يجد فبكلمة طيبة، فإن بها تجزى الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، والسلام عليكم وعلى رسول الله..!!
3.5 الأخوة بين المهاجرين والأنصار في المدينة:
أما عن الأمر الثاني -وهو صلة الأمة بعضها بالبعض الآخر- فقد أقامه الرسول (صلَّى الله عليه وسلم) على الإخاء الكامل. الإخاء الذي تمحى فيه كلمة"أنا"ويتحرك الفرد فيه بروح الجماعة ومصلحتها وآمالها، فلا يرى لنفسه كيانًا دونها، ولا امتدادًا إلا فيها...
ومعنى هذا الإخاء أن تذوب عصبيات الجاهلية، فلا حمية إلا للإسلام.
وأن تسقط فوارق النسب واللون والوطن، فلا يتأخر أحد أو يتقدم إلا بمروءته وتقواه.
وقد جعل الرسول (صلَّى الله عليه وسلم) هذه الأخوة عقدًا نافذًا؛ لا لفظًا فارغًا، وعملا يرتبط بالدماء والأموال؛ لا تحية تثرثر بها الألسنة ولا يقوم لها أثر..!!
وكانت عواطف الإيثار والمواساة والمؤانسة تمتزج في هذه الأخوة، وتملأ المجتمع الجديد بأروع الأمثال...
حرص الأنصار على الحفاوة بإخوانهم المهاجرين، فما نزل مهاجري على أنصاري إلا بقرعة!! وقدر المهاجرون هذا البذل الخالص فما استغلُّوه، ولا نالوا منه إلا بقدر ما يتوجهون إلى العمل الحر الشريف.
روى البخاري أنهم لما قدموا المدينة آخى رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم) بين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع، فقال سعد لعبد الرحمن: إني أكثر الأنصار مالا، فأقسم مالي نصفين، ولي امرأتان فانظر أعجبهما إليك، فسمِّها لي أطلقها، فإذا انقضت عدتها فتزوجها، قال عبد الرحمن: بارك الله لك في أهلك ومالك، أين سوقكم؟؟
فدلوه على سوق بني قينقاع، فما انقلب إلا ومعه فضل من أقط وسمن!! ثم تابع الغدُوَ..ثم جاء يومًا وبه أثر صفرة، فقال النبي (صلَّى الله عليه وسلم) :"مَهْيَمْ"؟ قال: تزوجتُ. قال:"كم سقتَ إليها". قال: نواة من ذهب!
وإعجاب المرء بسماحة"سعد"لا يعدله إلا إعجابه بنبل عبد الرحمن، هذا الذي زاحم اليهود في سوقهم، وبزَّهم في ميدانهم، واستطاع-بعد أيام-أن يكسب ما يعف به نفسه ويحصن به فرجه!! إن علو الهمة من خلائق الإيمان؛ وقبح الله وجوه أقوام انتسبوا للإسلام فأكلوه، وأكلوا به حتى أضاعوا كرامة الحق في هذا العالم.
وكان رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم) الأخ الأكبر لهذه الجماعة المؤمنة. لم يتميز عنهم بلقب إعظام خاص، وفي الحديث:"لو كنت متخذًا من أمتي خليلا لاتخذته -يعني أبا بكر- خليلا، ولكن إخوة الإسلام أفضل".
والإخاء الحق لا ينبت في البيئات الخسيسة، فحيث يشيع الجهل والغش والجبن والبخل والجشع، لا يمكن أن يصح إخاء، أو تترعرع محبة، ولولا أن أصحاب رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم) جبلوا على شمائل نقية، واجتمعوا على مبادىء رضية، ما سجلت لهم الدنيا هذا التآخي الوثيق في ذات الله.
فسموّ الغاية التي التقوا عليها وجلال الأسوة التي قادتهم إليها، نمَّيا فيهم خلال الفضل والشرف، ولم يدعا مكانًا لنجوم خلة رديئة.
ذلك، ثم إن محمدًا عليه الصلاة والسلام كان إنسانًا تجمَّع فيه ما تفرق في عالم الإنسان كله من أمجاد ومواهب وخيرات، فكان صورة لأعلى قمة من الكمال يمكن أن يبلغها بشر، فلا غرو إذا كان الذين قبسوا منه، وداروا في فلكه رجالًا يحيون بالنجدة والوفاء والسخاء.
إن الحب كالنبع الدافق يسيل وحده، ولا يتكلف استخراجه بالآلات والأثقال، والأخوة لا تفرض بقوانين ومراسيم، وإنما هي أثر من تخلِّص الناس من نوازع الأثرة والشح والضِّعة.
وقد تبودلت الأخوة بين المسلمين الأولين لأنهم ارتقوا -بالإسلام- في نواحي حياتهم كلها، فكانوا عباد الله إخوانا. ولو كانوا عبيد أنفسهم ما أبقى بعضهم على بعض!!
على أن تنويهنا بقيمة التسامي النفساني في تأسيس الإخاء، لا يمنع الحاكم من فرضه على الناس نظامًا يؤخذون بحقوقه أخذًا، فإذا لم يؤدوها طوعًا أدوها كرهًا، وذلك كما يجبرون على العلم، والجندية، وأداء الضرائب وغير ذلك.
وقد ظلَّت عقود الإخاء مقدمة على حقوق القرابة في توارث التركات إلى موقعة"بدر"حتى نزل قوله تعالى:
{وَأُوْلُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} .
فألغي التوارث بعقد الأخوة، ورجع إلى ذوي الرحم. وروى البخاري عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى:
{وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ...} .
قال: كان المهاجرون -لما قدموا المدينة- يرث المهاجري الأنصاري دون ذوي رحمه، للأخوة التي آخى النبي عليه الصلاة والسلام بينهم. فلما نزلت: {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ...} نسخت ذلك ثم قال: {وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ} من النصر والرفادة والنصيحة وقد ذهب الميراث، ويوصي له.
وروي في تفصيل هذا الإخاء أن النبي (صلَّى الله عليه وسلم) تآخى مع علي، وتآخى حمزة مع زيد، وأبو بكر مع خارجة، وعمر مع عتبان بن مالك...الخ.
ومن العلماء من يشك في أخوة الرسول عليه الصلاة والسلام مع علي.
ولكن ما صح أن رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم) جعل عليا منه بمنزلة هارون من موسى يؤيد هذه الرواية، وليس يخدش هذا من منزلة أبي بكر ولا استحقاقه الصدارة.
4.5 علاقة المسلمين بغير المسلمين في مجتمع المدينة الجديد بعد الهجرة إليها:
أما الأمر الثالث، وهو صلة الأمة بالأجانب عنها الذين لا يدينون بدينها، فإن الرسول عليه الصلاة والسلام قد سنَّ في ذلك قوانين السماح والتجاوز التي لم تعهد في عالم مليء بالتعصب والتغالي، والذي يظن أن الإسلام دين لا يقبل جوار دين آخر، وأن المسلمين قوم لا يستريحون إلا إذا انفردوا في العالم بالبقاء والتسلط هو رجل مخطىء بل متحامل جريء!.
عندما جاء النبي عليه الصلاة والسلام إلى المدينة، وجد بها يهود، توطنوا ومشركين مستقرين.
فلم يتجه فكره إلى رسم سياسة للإبعاد أو المصادرة والخصام، بل قبل -عن طيب خاطر- وجود اليهود والوثنية، وعرض على الفريقين أن يعاهدهم معاهدة الند للند، على أن لهم دينهم وله دينه.
ونحن نقتطف فقرات من نصوص المعاهدة التي أبرمها مع اليهود دليلًا على اتجاه الإسلام في هذا الشأن.
جاء في هذه المعاهدة: أن المسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم أمة واحدة.
وأن المؤمنين المتقين على من بغى منهم أو ابتغى دسيعة ظلم، أو إثم، أو عدوان، أو فساد بين المؤمنين، وأن أيديهم عليه جميعًا ولو كان ولد أحدهم!!
وأنه لا يجيرُ مشركٌ مالًا لقريش ولا نفسًا، ولا يحول دونه على مؤمن...
وأنه لا يحل لمؤمن أقر بما في هذه الصحيفة، وآمن بالله واليوم الآخر أن ينصر محدثًا ولا يؤويه، وأنه من نصره أو آواه، فإن عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة، ولا يؤخذ منه صرف ولا عدل.
وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين.
وأن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين.
لليهود دينهم وللمسلمين دينهم.
وأن ليهود بني النجار والحارث وساعدة وبني جشم وبني الأوس الخ، مثل ما ليهود بني عوف.
وأن على اليهود نفقتهم، وعلى المسلمين نفقتهم، وأن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة.
وأن بينهم النصح والنصيحة والبر، دون الإثم.
وأنه لم يأثم امرؤ بحليفه، وأن النصر للمظلوم، وأن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم.
وأن الله على أتقى ما في هذه الصحيفة وأبره...
وأن بينهم النصر على من دهم يثرب.
وأن من خرج آمن، ومن قعد بالمدينة آمن، إلا من ظلم وأثم..
وأن الله جار لمن بر واتقى.."."
وهذه الوثيقة تنطق برغبة المسلمين في التعاون الخالص مع يهود المدينة لنشر السكينة في ربوعها، والضرب على أيدي العادين ومدبري الفتن أيًا كان دينهم.
وقد نصت بوضوح على أن حرية الدين مكفولة.
فليس هناك أدنى تفكير في محاربة طائفة أو إكراه مستضعف. بل تكاتفت العبارات في هذه المعاهدة على نصرة المظلوم، وحماية الجار، ورعاية الحقوق الخاصة والعامة، واستنزل تأييد الله على أبر ما فيها وأنقاه، كما استنزل غضبه على من يخون ويغش..
واتفق المسلمون واليهود على الدفاع عن يثرب إذا هاجمها عدو، وأقرت حرية الخروج من المدينة لمن يبتغي تركها، والقعود فيها لمن يحفظ حرمتها.
ويلاحظ أن الرسول عليه الصلاة والسلام في هذه المعاهدة أشار إلى العداوة القائمة بين المسلمين ومشركي مكة وأعلن رفضه الحاسم لموالاتهم، وحرّم إسداء أي عون لهم، وهل ينتظر إلا هذا الموقف من قوم لا تزال جروحهم تقطر دمًا لبغي قريش وأحلافها عليهم؟
أكان اليهود صادقين في موافقتهم على هذا العهد؟.
أغلب الظن أنهم لم يكونوا جادِّين حين ارتضوه وقبلوا إنفاذه.
وآفة العهود أن يرتبط الوفاء بها بمدى المنفعة المرجوة منها، فإذا بدا أن المعاهدة المبرمة لا تحقق المطامع المبتغاة، قلَّ التمسك بها والتمست الفرص للتحلل منها.
وقد كان اليهود يبنون عظمتهم المادية والسياسية على تفرق العرب، قبائل متناحرة، فلما دخل العرب في الإسلام وأخذت الحزازات القديمة تتلاشى وتتابعت تؤكد أن الإسلام سوف يصنع من العرب أمة واحدة..استشعر اليهود القلق وساورتهم الهموم، وشرعوا يفكرون في الكيد لهذا الدين والتربص بأتباعه.
ثم إن اليهود في المدينة يكوِّنون البيئة التي تتوافر فيها سوءات التدين المصنوع، والاحتراف السمج بمبادىء السماء، وأبرز خلال هذه البيئات الحقد والنفاق والتمسك بالقشور والولع بالجدل، ومن وراء ذلك قلوب خربة، ونفوس معوجَّة.
وربما اقتبسوا من جوارهم للعرب بعض فضائل الصحراء كالكرم والشجاعة، بيد أن انطواءهم العنصري غلب على سيرتهم، فالتصقت هذه الفضائل بنفوسهم كما تلتصق أوراق الزينة بالجدران المشوهة...
وكان المتوقع أن يرحب اليهود بالإسلام، فإذا لم يرحبوا به فليكونوا أبطأ من الوثنيين في مخاصمته، فإن محمدًا (صلَّى الله عليه وسلم) يدعو إلى توحيد الله، وإصلاح العمل، والاستعداد لحياة أرقى في الدار الآخرة، والدين الذي جاء به وقّر موسى وأعلى شأنه، ونوّه بكتابه، وطلب من اليهود أن ينفِّذوا أحكامه، ويلزموا حدوده.
لكن اليهود صمتوا -أولًا- صمت المستريب، ثم بدا لهم فقرروا المعالنة بالجحود.
وهذا الترحيب المتوقع تلمح دلائله في كثير من الآيات، فإن عبدة الأصنام إذا أنكروا النبوة فأهل الكتاب يجب أن يشهدوا بها.
{وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ} .
وعبدة الأصنام إذا رفضوا التذكير بالله فأهل الكتاب أحق بأن يخشعوا إذا وجدوا من يذكرهم به {وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمْ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ. الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ} .
غير أنك تدهش، إذ تجد الجرأة على الله، والنفور من أحكامه، ووصفه بما لا يليق شائعة بين اليهود، شيوعها بين المشركين!
فإذا غضب الإسلام على من ينسب إلى الله ولدًا، بشرًا أو حجرًا، فماذا ترى فيمن يصف رب السموات والأرض بالفقر والبخل؟.
{وَقَالَتْ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا...} .