على المسلم بعامة، وكل من انخرط في صف الدعوة إلى الله بخاصة ، أن يكون مبشرا ميسرا _ لا مخوفا معسرا _ يعد بفضل الله تعالى لمن أحسن ، ويرجو عفو الله تعالى لمن تاب لأن فضل الله تعالى لا يحجبه أحد ، وعفو الله لا يملكه سواه .
يقول عبادة بن الصامت ، بعد أن ذكر بنود بيعة العقبة الأولى: ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"فإن وفيتم فلكم الجنة ، وإن غشيتم من ذلك شيئا ، فأخذتم بحده في الدنيا: فهو كفارة له ، وإن سترتم عليه إلى يوم القيامة: فأمركم إلى الله ، إن شاء عذب ، وإن شاء غفر""33"
يا لعظمة هذا النبي . . - صلى الله عليه وسلم - . . ! !
ويا لسماحة هذا الدين . . ! !
"وإن غشيتم من ذلك شيئا: فأمركم إلى الله"
لاحظ أخي المسلم الكريم . . أن الإشارة هنا"من ذلك"لا تعود على صغائر من الذنوب ، بل على ذنوب هي من الكبائر ، بل هي الكبائر ، ومع ذلك يقول الحبيب - صلى الله عليه وسلم -"فأمركم إلى الله إن شاء عذب وإن شاء غفر"
نعم . . من وفى: يبشره النبي - صلى الله عليه وسلم - بفضل الله وإحسانه . . ومن خالف: أيضا يبشره النبي - صلى الله عليه وسلم - بعفو الله وغفرانه .
لم يهدد النبي - صلى الله عليه وسلم - ويتوعد . . ! !
ولم يتشنج _ وحاشاه - صلى الله عليه وسلم - ويرغى ويزبد ، ويوحي لسامعيه أنه العليم ببواطن الأمور ، والقابض على مفاتيح العدل والفضل . . ! !
ولم يقل:"ومن غشي من ذلك شيئا: فليفارق دعوتنا ، وليتبع سبيلا غير سبيلنا ، حيث إنه لا يصلح في صفوفنا"..!!
لا . . لم يقل هذا ولا ذاك .
بل أفصح بأدب الدعوة الرفيع ، وأخبر عن منهجها السمح ، وبين _ بكل وضوح _ أن مفاتيح ذلك كله بيد الله سبحانه وتعالى .
وهو درس يجب أن يعيه شباب الصحوة الإسلامية المباركة ، الذين اتخذ بعضهم _ وهم قلة _ التخويف من عذاب الله تعالى فقط ، أو الإكثار منه ، في إقناع الآخرين بالطاعة لله تعالى ، منهجا ، أو التشديد على أنفسهم ، أو غيرهم أسلوبا في الحياة وطريقا .
ومن تصفح كتاب الله تعالى وجد هذا الدرس واضحا فيه بجلاء ، حيث إن آيات الرحمة أكثر فيه من آيات العذاب ، وآيات البشارة أكثر من آيات الإنذار ، بل إنه ما من آية عذاب أتت إلا أعقبتها ، أو جاءت قريبا منها آية رحمة .
ومن يفعل غير ذلك ، وغير ما فعله النبي - صلى الله عليه وسلم - ، يكون قد خالف شرع الله تعالى ، وبعد عن سنة محمد - صلى الله عليه وسلم - ، وتجرأ _ من فرط جهله _ على سماحة هذا الدين ، وأدب الدعوة إليه .
وينبغي أن يكون واضحا: أن لا يصل الداعية بهذا التيسير والتسهيل والتبشير ، حدا يدفع الآخرين إلى الجرأة على الله تعالى ، أو التسويف في القيام بأحكام هذا الدين ، أو الترخص _ بلا دليل _ في بعضها .
بل عليه: أن يكون متوازنا _ أولا _ في سلوكه ، معتدلا في تفكيره وعباداته ، يرجو رحمة الله ، وفي نفس الوقت يخشى عذابه .
كما أن عليه: أن يكون متوازنا _ ثانيا _ في عرضه لمبادئ هذا الدين ، وفي الدعوة إليه ، فيقدم الصورة كاملة ، بحيث لا يتعرض لجانب التخويف والعذاب ، وعرض صوره وأدلته فقط ، كما لا يتعرض لجانب الرجاء والعفو والثواب ، وعرض صوره وأدلته فقط ، بل يتعرض لهذا وذاك ، دون إهمال لأحدهما كلية ، أو طغيان له على الآخر ، بل يلتزم المنهج الوسط ، والعرض الأمين ، والأسلوب المعتدل .
ثم يترك النتائج لله سبحانه وتعالى .
ــــــــــــ