إن بث العيون والمخابرات في صفوف أعداء المسلمين ، وخصوم الحركة الإسلامية: أمر تحتمه الظروف وطبيعة العلاقة الأبدية بين أنصار الحق من جهة وأنصار الباطل من جهة أخرى ، فضلا عن أنها معاملة بالمثل: حيث إن هؤلاء الأعداء الخصوم ، لا يسكتون عن محاولات بث عيونهم بين المسلمين ، واختراق صفوفهم ؛ لضربهم . . كسرا لشوكتهم ، ومنعا أو إعاقة لهم عن بلوغ أهدافهم ، وتحقيق غاياتهم
فلا أقل من أن يكون المسلمون بعامة ، وأبناء الحركة بخاصة: على مستوى حماية هذه الدعوة ، وشرف تبليغها ، ورفع رايتها ، وإعلاء شأن أتباعها ، بكل الوسائل المشروعة الممكنة .
ومن هذه الوسائل: بث عيونهم ومخابراتهم في صفوف أعدائهم ، وخصومهم .
حيث إنه: لابد من التعرف مباشرة على كل أسرار العدو ومخططاته وتوقعاته ، بحيث تصل إلى القيادة أولا بأول ، فتكون المتابعة ، قائمة على خبرة بالواقع ، لا على الظن التخمين ، الذي قد يخطئ ويصيب ."59"
وهذا ما فعله النبي - صلى الله عليه وسلم - في هجرته من مكة إلى المدينة .
ففي البخاري:". . . ثم لحق الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، وأبو بكر ، بغار في جبل ثور ، فمكثا فيه ثلاث ليال ، يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر ، وهو: غلام ، شاب ، ثقف ، لقن ، فيدلج من عندهما بسحر ، فيصبح مع قريش بمكة كبائت ، فلا يسمع أمرا يكتادان به ، إلا وعاه ، حتى يأتيهما بخبر ذلك ، حين يختلط الظلام . ."الحديث"53"
وما كان أغنى من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن هذا الأمر ، وهو الذي يوحي إليه ، ويكشف له ربه سبحانه عن خططهم ومخططاتهم . . ! !
ولكنه: التدريب لهذه الجماعة المؤمنة الوليدة ، التي تحيط بها سهام الأعداء من كل جانب . . ! !
ولكنه: التعليم لهذه الأمة المؤمنة ، التي سوف يتربص بها الأعداء ، وتحيط بها سهامهم ، في كل عصر ، وفي كل مصر .
ولكنه: التنبيه لأبناء الحركة الإسلامية على هذا الأمر الذي ينبغي عليها أن تعيه جيدا ، وأن لا تهمله أو تقصر فيه أبدا ، إن كانت جادة ، في أداء الأمانة ، ورفع الراية .
ولكنه: التكليف لقادة الحركة الإسلامية بدراسة هذا الأمر ، وإعطائه بالغ اهتمامها ؛ إذ كلما كانت القيادة أعلم بواقع العدو ، وأدرى بأسراره ، ولها في صفوفه من ينقل إليها كل تخطيطاته: كلما كان ذلك أنجح لها في تنفيذ خططها ومخططاتها وأنجع لها في توقى سهامه وإبطال ضرباته .
وهذا أمر: يجب عدم إغفاله أو التهاون فيه ، في السراء والضراء ، في الصفاء والكدر ، في عظيم الأمور وصغيرها ، فقد تنقلب السراء _ غدا أو فجأة _ إلى ضدها ، وقد يتحول الصفاء _ غدا أو فجأة _ إلى عكسه ، وقد يكون صغير الأمور مقدمة إلى عظائمها ، والقائد _ بل المؤمن _ العاقل من لا يستهين بأي شئ لصالح دعوته .
وينبغي لمن يكلف بمثل هذه الأمور: أن يمتلك من الصفات ما يعينه على النجاح في مهمته ، وأن يؤديها تعبدا لله تعالى ، ومرضاة له سبحانه ، لا انتظارا لمغنم ، ولا طمعا في مكسب ، ولا ثأرا لشيء أصابه ،
وفي حديث البخاري: ما يوضح بعض هذه الصفات المطلوبة لهذه المهمة ، ثم يضاف إليها ما قد تدعو إليه الضرورة وتقتضيه الظروف الخاصة ، بشرط: أن لا يرتكب المكلف بهذه المهمة مخالفة شرعية ، كأن يطلع على عورات ، أو يقترف محرمات ، أو يهمل في أداء الواجبات .
ومن المهم جدا: أن لا يؤدي أحد هذه المهمة دون اختيار له وتكليف من القيادة ، وإلا صار الأمر فضولا وفوضى ، وقد يحدث لأبناء الدعوة ما لا تحمد عقباه .
ولا مانع _ بل إنه لمن اللازم _ أن تكون هناك ، لدى المسلمين ، وأبناء الحركة على وجه الخصوص ، دراسات جادة في هذا الموضوع وأمثاله ، توضح: أهميته ، وأساليب ممارسته . و . . الخ على أن تعد هذه الدراسات من قبل متخصصين فيها ، عالمين بها ، وليس هذا بالمستحيل ، حيث إن هذه الدراسات تقوم بها كل الدول ، ولها مدارس كثيرة .
كما أنه لا مانع _ بل إنه من اللازم _ أن تكون هناك دورات دراسية وتدريبية لمن يختارون للقيام بهذه المهام ، وتتوافر فيهم مؤهلات النجاح فيها .
كما أنه لا مانع _ بل إنه من اللازم _ أن يقيم هؤلاء الأفراد ، وقد يوظفون ، أو . . أو . . الخ لدى هؤلاء الأعداء أو الخصوم ، لتقريبهم من مصادر المعلومات ، وأماكن صنع القرارات ، والتيسير عليهم في أداء مهمتهم .
كل ذلك: بشرط أن لا ينحرف المسلمون عامة وأبناء الحركة خاصة ، فيما تستتبعه هذه الأعمال من مخالفات شرعية ، أو ممارسات لا أخلاقية ، أو أية أمور غير ذلك ، مما هو معروف أو غير معروف ، فيما يسمى بعالم"الجاسوسية"
هذا . .
وإن هذا الدرس لا تقتصر فائدته على الأمة أو الجماعات فقط ، بل إنه لمن الممكن أن يستفيد به الفرد _ على شرط المحافظة على ضوابطه الشرعية _ مع أية خصوم له ؛ رغبة فقط في الوقاية من شرهم ، والنجاة من أضرارهم ، وليس توصلا لإيذائهم ، أو النيل منهم .
أهمية دور المرأة المسلمة
المرأة: نصف المجتمع ( وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى ) "90"، ويقول سبحانه كذلك ( أيحسب الإنسان أن يترك سدى * ألم يك نطفة من مني يمنى * ثم كان علقة فخلق فسوى * فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى ) "91"
وهي هدية الله تعالى _ قدمها على غيرها _ لمن يشاء ( لله ملك السموات والأرض يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور ) "92"
وهي: باب من أبواب الجنة إذا أحسن إليها ، وبولغ في إكرامها ،"من كان له ثلاث بنات أو ثلاث أخوات أو ابنتان أو أختان فأحسن صحبتهن ، واتقى الله فيهن: فله الجنة""93"
بل إن الجنة نفسها: تحت قدميها ، يقول - صلى الله عليه وسلم -"الجنة تحت أقدام الأمهات""94"
وهي: صانعة الأجيال ، ومربية الأبطال ،
الأم مدرسة إذا أعددتها . . . أعددت شعبا طيب الأعراق
ولذلك . . ! !
ففي طهارتها: طهارة المجتمع ونظافته .
وفي الإحسان إليها: سعادة المجتمع وبهجته .
وفي تعليمها: وعي المجتمع ورقيه .
وفي حسن تربيتها: نجاح المجتمع وفلاحه .
ومن هنا . . يجب الاهتمام بها ، وعدم الإهمال لها ، أو التقليل من شأنها ، أو الإغفال لدورها ، أو الإهدار لجهودها .
وإذا كان ذلك بصفة عامة: فهو بالنسبة لها في مجال الدعوة إلى الله تعالى ، ونشر هذا الدين ، ونصرته ، بصفة خاصة ؛ أكد وأولى وأوجب .
نستفيد ذلك من الهجرة على النحو التالي:
أ _ فهي التي كانت على مستوى المسئولية ، والقدرة على كتمان السر ، والفوز بتزكية أبي بكر لها أمام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في معرفة أمر خطير ، حجب عن كثير من الرجال ، حينما طلب النبي - صلى الله عليه وسلم - من أبي بكر إخراجهما .
ب _ وهي التي كانت على مستوى المسئولية ، والقدرة على التمويه عن جدها ، حينما وضعت حجارة في حائط بالبيت وغطتها ، وأوهمته أنها أموالا تركها لهم أبوهم ، أبو بكر ، قبل هجرته ، وذلك حتى يطمئن جدها عليهم في حال غياب أبي بكر عنهم ، وهي تقول _ في نفسها _ والله ما ترك لنا شيئا ، ولكني أردت أن أسكن الشيخ بذلك ."95"
ج _ وهي التي كانت على مستوى المسئولية ، والقدرة على الصمود في مواجهة بطش"فرعون"عصرهم ، أبي جهل حينما جاء ليعرف منها مكان المهاجرين ، فأنكرت معرفتها ، وتأبت على جبروته ، ولم تخش ظلمه وطغيانه ؛ مما أغضبه ، ودفعه لأن يلطمها على وجهها الشريف ، وخلف من بعده خلف اتبعوه ، واقتدوا به في تعذيب النساء المسلمات الصالحات القانتات الصامدات .
د _ وهي التي كانت على مستوى المسئولية ، والقدرة على التضحية وتحمل المشاق ، حينما ذهبت للنبي - صلى الله عليه وسلم - وأبيها بالغار مع بعد الطريق ، ومشقة المشوار ، وخطورة الحركة إلى هذا المكان ، حاملة لهما سفرتهما ، خلال رحلتهما ، دون خوف ، من اكتشاف لأمرها ، أو اعتقال تتعرض له ، أو تعذيب ينالها ، وهي تدرك جيدا أن بعض ذلك _ بل كله _ محتمل جدا .
ه _ وهي التي كانت على مستوى المسئولية ، والقدرة على حسن التصرف ، وسرعة البديهة ، حينما لم تجد ما تعلق به السفرة في الراحلة ، إذ شقت نطاقها ، وربطت السفرة بنصف ، وانتطقت بالأخر ، ولذا سميت بذات النطاقين .
و _ وهي التي كانت على مستوى المسئولية ، والقدرة على الحركة والسفر الشاق المضني من المدينة إلى مكة لملاقاة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، في بيعة العقبة .
كما حدثت من السيدتين العظيمتين"أم عمارة"،"أم منيع"
ز _ وهي التي كانت على مستوى المسئولية ، والقدرة على الحركة السرية ، والتخفي التام ، والتسلل كالقطا من رحال القوم في جنح الليل مع رجال من قومها للقاء الحبيب - صلى الله عليه وسلم - ، ومبايعته في بيعة العقبة ، بمنى .
ومما ينبغي ملاحظته جيدا: أن السيدة أسماء بنت أبي بكر ، لم تكن هي المرأة الوحيدة في المسلمات _ آنئذ _ هي المهيأة لذلك ، أو المستعدة ، أو المضحية ، لهذا العمل ، بل كان هناك الكثير والكثير ، ولكن لظروف السرية التي أحاطت بالهجرة ، لم يكتب هذا الشرف _ بل لم يجلب هذا الشرف _ لواحدة من بنات حواء إلا لهذه السيدة العظيمة ، التي رفعت قدر المرأة ومكانتها عاليا .
وهي نفس الملحوظة بالنسبة لهاتين السيدتين ، أم عمارة ، وأم منيع .
ولذلك ، ومن هذا الدرس: علينا أن نعيد النظر في علاقة المرأة بالدعوة الإسلامية ، وموقفها منها ، ودورها فيها ، بشرط: وضوح الفرق بين واجباتها وواجبات الرجال ، وبين ما يناط بها وما يناط بالرجال ، وما يطلب منها وما يطلب من الرجال ، وما تختص هي به ، وما لا يقوم به إلا الرجال ، على ضوء ما يمليه التشريع الإسلامي في هذا الخصوص ، وما يتطلبه واقع الدعوة الإسلامية _ تحت هذا الإطار ، وهذا الحصار _ في هذا العصر .
بدلا من هذا الإغفال ، وهذا الإهمال ، الذي يؤدي بدوره إلى ضياع فرص للدعوة كثيرة ، وإلى تفويت منافع على المجتمع المسلم _ رجالا ونساء _ كبيرة .
فليست المرأة كالرجل _ كما يقول منافقوها _ سواء بسواء ، حتى تقوم بكل شئ ، وتمارس كل شئ ، وبالتالي تفشل في كل شئ ، أو على الأقل في أهم شئ ، وهو دورها الذي خلقت له .
وليست المرأة كما مهملا ، حتى تبعد عن كل شئ ، ولا تمارس _ فيما يخص الدعوة _ أي شئ ، وبالتالي نفشل نحن في الإفادة من أعز شئ ، وهو نصف المجتمع .
وعلى الحركة الإسلامية أن تسارع في فتح ملف"المرأة المسلمة"ودراسته جيدا ، في ضوء ما يكشفه الدين ، وتقدمه النماذج الإسلامية الرائدة ، وليس في غبش ما قيده الواقع مما أطلقه الدين ، أو أطلقه الواقع مما قيده الدين .
وذلك . . حتى تستفيد المرأة المسلمة ، _ ونستفيد من المرأة المسلمة _ في ظلال ديننا السمح الحنيف .
وإلا فستظل الجمعيات العالمية ، المشبوهة وغير المشبوهة تلعب بعواطف المرأة ، وتدغدغ أحاسيسها بدعوات: ظاهرها الرحمة ، وباطنها من قبله الدمار والعذاب .
أهمية مبادئ الإدارة في الدعوة
بقلم: نبيل بن جعفر الفيصل
إن الدعوة إلى الله (سبحانه وتعالى) هي الأساس الذي قامت عليه هذه الأمة ونهضت به، وإذا نظرنا في تاريخ الدعوة منذ بعثته وجدنا أنها كانت تسير ضمن عملية إدارية محكمة، بلغت في تخطيطها وتنظيمها وتربيتها للسلوك الإنساني ذروتها.
وكما أن حركة الدعوة الإسلامية مطالبة بدراسة التجارب التي مرت بها عبر القرون للاستفادة منها بحكمة ـ بعد تقييمها وعرضها على الكتاب والسنة وإجماع السلف ـ فكذلك هي مطالبة أيضًا بالاستفادة بكل مايعينها لتحقيق هدفها.
ونستعرض هنا بإيجاز العملية الإدارية من منظورها النظري، وكيفية ملاءمة هذه العملية بوصفها أداة تعين في النهوض بالدعوة. ومع العلم ، فإن نجاح تطبيق وظائف الإدارة المختلفة في مجالات الدعوة مرهون بتصور واستيعاب القارئ لتطبيق هذه الوظائف في حياته الدعوية: فمثلًا عندما نتحدث عن إدارة الوقت من الناحية النظرية ، فإنا نقوم خلالها بتحديد الأعمال المطلوبة وترتيبها في قائمة حسب الأولوية والأهمية ، وتحديد وقت لكل مهمة ومراجعة وتحديث القائمة باستمرار ، ثم تقييم ماتم إنجازه حسب الوقت المخصص لكل مهمة ودقة الإنجاز وعمل التعديل اللازم.. إلى غير ذلك من التوجيهات الخاصة بإدارة وتنظيم الوقت.
وإذا تصورنا هذه التوجيهات من الناحية العملية ، نجد أننا فعلًا نقوم بمثل هذا التخطيط للوقت بصورة غير مباشرة ، فتجد أنك تلقائيًا وقبل شروعك في إنجاز مهمة ما تفكر ذهنيًا وبسرعة متى يجب عليك الانطلاق ، وكيف؟ ومع من؟ وأي طريق ستسلك؟ ، وأثناء الطريق ستفكر ماذا ستفعل عند وصولك وإلى أين ستذهب بعد ذلك.. إلخ.
هذا ما نقصده بالتصور التطبيقي للعملية الإدارية: أي أن ننقلها من الوضع النظري إلى الواقع العملي.
ماهي العملية الإدارية؟
إن الإدارة بحد ذاتها هي: عملية دمج وتنسيق الموارد المادية (كالمعدات والأدوات) ، والبشرية (الأفراد) في منشأة من خلال التخطيط لها وتنظيمها وتوجيهها ومراقبة إنتاجها؛ لتحقق بالتالي أهداف المنشأة.
كل جهاز دعوي على اختلاف مستوياته لابد له من الاستفادة من علم التخطيط والتنظيم والتوجيه والمراقبة ، أو ما يسمى بالوظائف ، وبالتالي شرح هذه الوظائف وكيفية الاستفادة منه ، خاصة إذا استحضر الإداري المسلم في قلبه وكيانه أنه في إدارته مدفوع بذاتية ربانية ونبوية المنهج ، تقوده للتفكير السليم القويم كسمة يتميز بها عن غيره.
أولًا: التخطيط:
هو »ضرورة لكل المنشآت ؛ لأنها تعمل في ظروف متغيرة ، ومن ثم فإن محاولة التخفيف من مفاجآت هذه الظروف هو الدافع وراء عملية التخطيط ، كما أنه عملية مستمرة تدعو لاختيار بديل من عدة بدائل لتطبيقه في المستقبل« (1) ونحدد من خلاله مانريد أن نعمله ، وما الذي يجب عمله ، وأين؟ وكيف؟ ومتى؟ وعن طريق مَنْ؟
والتخطيط للدعوة يبدأ من المنطلق الاستراتيجي (الإحكامي) البعيد المدى عن طريق القياديين ومفكري الأمة: مثل ماحصل في خطة صلح الحديبية ذات النظرة البعيدة الذي يعده بعض المؤرخين بداية الفتح الإسلامي الفعلي ، »ثم على الخطة أن تتسم بالواقعية والمرونة والشمولية وكذلك تناسق الخطط فيما بينها لضمان استمراريتها« (2) .
ثانيًا: التنظيم:
يأتي دور التنظيم لضمان تنفيذ الخطط بالشكل المطلوب ، أو بمعنى آخر تنظيم التنفيذ دون الارتباك في توزيع العمل ، والتنظيم مهم لتحديد مهام وواجبات كل الأفراد ـ أعضاء المنشأة ـ وكذلك تحديد وبيان علاقة كل فرد وأين موقعه من الجماعة ، وتوزيع السلطات والصلاحيات لمستويات الأفراد المختلفة ؛ كل ذلك من أجل إيجاد تنسيق بشري يساهم فيه كل فرد لإنجاح مسيرة العمل الإسلامي ، ولنا من الهجرة النبوية إلى المدينة درس يمثل غاية التنظيم والتنسيق لإحكام خطة الهجرة ، وتوزيع العمل والمسؤوليات على الأفراد حسب تخصصهم دون فوضى ، وعمل الاحتياطات اللازمة لكل حادث قد يصادف تلك الرحلة. وبالإخلاص وتظافر الجهود تتحقق الأهداف المنشودة بإذن الله.
ومن السابق يمكن تعريف التنظيم بأنه: عملية بناء العلاقات بين أجزاء العمل ، ومواقع العمل ، والأفراد من خلال سلطة فعالة بهدف تحقيق الالتحام والترابط وأداء العمل بطريقة جماعية منظمة وفعالة (3) .
ثالثًا: التوجيه والقيادة:
إن للتوجيه الإداري ارتباطًا وثيقًا بمهارات القياديين؛ لذا هو: »فن وقدرة المدير على السير الصحيح بمن تحت إمرته وهدايتهم وتوجيهم مع إشاعة روح الود والحب والرضا والتفاني والانتماء في العمل حتى يتحقق الهدف المطلوب« (4) .
ولنجاح عملية التوجيه ينبغي مراعاة الاتصال الفعال الذي يربط قنوات النظام الداخلي والخارجي مع وضوح أهداف النظام الكلية والأهداف المطلوب تحقيقها من كل فرد يعمل لهذا النظام على اختلاف مستواه.
أضف إلى ذلك رفع الروح المعنوية للأفراد العاملين في مجال الدعوة من تقديم التشجيع والثناء والمزيد من الحرية والتصرف ، ناهيك عن الدافع الديني الذاتي لدى كل من يفهم معنى الدعوة وحجم الاستثمار فيها ، ولايفوتنا الإشارة للتوجيه الرباني لكل من القائد وأتباعه (( مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ) ) [الفتح: 29] .
رابعًا: الرقابة:
والرقابة بمفهومها العام تعني التأكد من أن المبادئ الآنفة الذكر ـ التخطيط ، التنظيم، التوجيه ـ تسير في الاتجاه الصحيح نحو الأهداف المرسومة ، ويكون ذلك بقياس الأداء ومقارنة النتائج بالأهداف ضمن معايير موضوعة سلفًا لتصحيح وتعديل أي انحراف في الأداء ضمانًا لفاعلية وكفاءة التنفيذ.
ولعل أبرز ما يتسم به الإداري المسلم الرقابة الذاتية على نفسه ، فهي تشمل كافة شئون الحياة الفردية والجماعية ، حيث يعلم أنه خلق لعبادة الله وحده ، وبالتالي فإن جميع أفعاله ـ إدارية أو دعوية ـ مقياس لمدى طاعته لأوامر الله ، ثم محاسبة نفسه قبل أن يحاسبه خالقه ، يقول تعالى: (( إنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ) ) [النساء: 1] .
والمسلم كذلك مطالب برقابة أخيه المسلم بالتناصح والتوجيه يقول (تعالى) (( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ ) ) [التوبة: 71] .
وإن كان ترتيب الرقابة في النظرية الإدارية في النهاية ، إلا أني أعتقد أن عنصر الرقابة هو العنصر الأول والملازم للعملية من بداية التخطيط وأثناء التنظيم والتوجيه وانتهاء بالتأكد من تحقيق الهدف المطلوب.. وبذلك يعي الإداري المسلم مدى نجاح دعوته المستمدة من الكتاب والسنة بتوفيق الله كسمة يجب أن يتميز فيها عن غيره.
الهوامش:
(1) الإدارة دراسة تحليلة للوظائف والقرارات الإدارية د. مدني عبد القادر علاقي، مطبوعات تهامة ، جدة ، الطبعة الرابعة ، 1410هـ ص 85.
(2) الخطة والتخطيط ، لماذا وكيف، نبيل بن جعفر الفيصل، مطابع التسهيلات، الخبر، 1413هـ ص 17: 20.
(3) مرجع سابق ، رقم (1) ص 156.
(4) الإدارة في الإسلام،الفكر والتطبيق، د.عبدالرحمن إبراهيم الضحيان، دار الشروق، جدة، الطبعة الأولى، 1407هـ ص 166.
مجلة البيان / عدد96
إذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه بالهجرة إلى المدينة
قال ابن سعد في طبقاته يروى عن عائشة رضى الله عنها: لما صدر السبعون من عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طابت نفسه ' فقد جعل الله له منعة وقومًا وأهل حرب وعدة ونجدة ' وجعل البلاء يشتد على المسلمين من المشركين لما يعلمون من الخروج ' فضيقوا على أصحابه وتعبثوا بهم ' ونالوا ما لم يكونوا ينالون من الشتم والأذى ' فشكا ذلك أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واستأذنوه في الهجرة ' فقال: ( قد أخبرت بدار هجرتكم وهى يثرب ' فمن أراد الخروج فليخرج إليها ) فجعل القوم يتجهزون ويتوافقون ويتواسون ويخرجون ويخفون ذلك ' فكان أول من قدم المدينة من أصحابه - صلى الله عليه وسلم - أبو سلمة بن عبد الأسد ثم قدم بعده عامر ابن ربيعة ومعه امرأته بنت أبى حشمة ' فهى أول ظعينة قدمت المدينة ثم قدم أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أرسالًا فنزلوا على الأنصار في دورهم ' فآووهم ونصروهم وآسوهم .
ولم يهاجر أحد من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا متخفيًا غير عمر ابن الخطاب رضى الله عنه ' فقد روى علىّ ابن أبى طالب رضى الله عنه أنه لمّا همّ بالهجرة تقلد سيفه وتنكب قوسه ' وانتضى في يده أسهمًا ' واختصر عنزته ( عصاه ) ومضى قبل الكعبة ' والملأ من قر يش بفنائها فطاف في البيت سبعًا متمكنًا مطمئنًا ' ثم أتى المقام فصلى ' ثم وقف فقال: ( شاهت الوجوه ' لا يرغم الله إلا هذه المعاطس ' من أراد أن يثكل أمه ' أو ييتم ولده ' أو ترمل زوجته فليلقنى وراء هذا الوادى)
قال علىّ فما أتبعه إلا قوم مستضعفون علّمهم ما أرشدهم ثم مضى لوجهه .
وهكذا تتابع المسلمون في الهجرة إلى المدينة حتى لم يبق بمكة منهم إلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر وعلىّ ' أو معذب محبوس ' أو مريض ' أو ضعيف عن الخروج .
العبر و العظات:
كانت فتنة المسلمين من أصحاب النبى - صلى الله عليه وسلم - في مكة ' فتنة الإيذاء و التعذيب وما يرونه من المشركين من ألوان الهزأ و السخرية ' فلما أذن لهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالهجرة ' أصبحت فتنتهم في ترك وطنهم وأموالهم ودورهم وأمتعتهم ' ولقد كانوا أوفياء لدينهم مخلصين لربهم ' أمام الفتنة الأولى و الثانية ' قابلوا المحن والشدائد بصبر ثابت وعزم عنيد .
حتى إذا أشار عليهم رسول الله بالهجرة إلى المدينة ' توجهوا إليها وقد تركوا من ورائهم الوطن وما لهم فيه من مال ومتاع ونشب ' ذلك أنهم خرجوا مستخفين متسللين ' ولا يتم ذلك إلا إذا تخلصوا من الأمتعة و الأثقال ' فتركوا كل ذلك في مكة ليسلم لهم الدين ' واستعاضوا عنها بالأخوة الذين ينتظرونهم في المدينة ليؤووهم وينصرونهم .
وهذا هو المثل الصحيح للمسلم الذى أخلص الدين لله: لا يبالى بالوطن ولا بالمال و النشب في سبيل أن يسلم له دينه . هذا عن أصحاب رسول الله في مكة .
أما أهل المدينة الذين آووهم في بيوتهم وواسوهم ونصروهم ' فقد قدموا المثل الصادق للأخوة الإسلامية و المحبة في الله تعالى .
وأنت خبير أن الله عز وجل قد جعل أخوة الدين أقوى من أخوة النسب وحدها ' ولذلك كان الميراث في صدر الإسلام على أساس وشيجة الدين ' وأخوته والهجرة في سبيله ' ولم يستقر حكم الميراث على أساس علاقة القرابة إلا بعد تكامل الإسلام في المدينة وصارت للمسلمين دار إسلام قوية منيعة .
يقول الله عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} (72) سورة الأنفال. ثم إنه يستنبط من مشروعية هذه الهجرة حكمان شرعيان: