الكتاب الرابع
د.يحي بن إبراهيم اليحي
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وخيرته من خلقه وأمينه على وحيه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه.
أما بعد:
فهذا هو الكتاب الرابع من سلسلة (دروس وعبر من سيرة خير البشر) ، وقد ابتدأته بالحديث عن عام (الحزن) فمنه ابتدأ خط المقاومة والإيذاء للرسول - صلى الله عليه وسلم - ينحو منحًى جديدًا فقد ذهب الذي كانت تداريه قريش وتخشى منه وهو عمه أبو طالب، فصبت جام غضبها على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبدأت تلحق به من أصناف الأذى مما لم يكن يعرفه في حياة عمه، ثم ذهب الذي كان يواسيه ويسري عنه ويصبره وهي زوجته (خديجة) رضي الله عنها وأرضاها، فجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في البحث عن محضن جديد ومقر آمن لدعوته، فكانت رحلته إلى الطائف، ثم عَرْضُ الإسلام على أهل المدينة، الذي أفرز بيعتي العقبة، وما تلاها من التخطيط للهجرة إلى أن هاجر إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
عام الحزن
بعد نقض الصحيفة بيسير أصيب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعمه أبي طالب الذي كان يحوطه ويدافع عنه، ثم توفيت زوجته خديجة رضي الله عنها التي كانت خير سند له، ووقفت بجانبه تطمئنه وتثبته من أول يوم نزل فيه الوحي، فحزن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لذلك حزنًا شديدًا، حتى سمي ذلك العام بعام الحزن.
عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: (( تُوُفِّيَتْ خَدِيجَةُ قَبْلَ مَخْرَجِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - إِلَى الْمَدِينَةِ بِثَلاثِ سِنِينَ، فَلَبِثَ سَنَتَيْنِ أَوْ قَرِيبً مِنْ ذَلِكَ وَنَكَحَ عَائِشَةَ وَهِيَ بِنْتُ سِتِّ سِنِينَ، ثُمَّ بَنَى بِهَا وَهِيَ بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ ) ) (1) .
عن سيعد بن الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: (( لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ جَاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْلٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ فَقَالَ: أَيْ عَمِّ قُلْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟ فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَعْرِضُهَا عَلَيْهِ وَيُعِيدَانِهِ بِتِلْكَ الْمَقَالَةِ، حَتَّى قَالَ أَبُو طَالِبٍ آخِرَ مَا كَلَّمَهُمْ: عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَأَبَى أَنْ يَقُولَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: وَاللَّهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ} (التوبة: 113) ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} (القصص: 56) )) (2) .
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لِعَمِّهِ: (( قُلْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ أَشْهَدُ لَكَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ: لَوْلا أَنْ تُعَيِّرَنِي قُرَيْشٌ يَقُولُونَ إِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ الْجَزَعُ لأَقْرَرْتُ بِهَا عَيْنَكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} ) ) (3) .
الدروس والعظات:
1-ذاق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المحن بأنواعها وابتلي بأصناف البلاء، وها هو يبتلى في وفاة زوجته التي تشكل حماية داخلية له بعد الله تعالى، فهي الذراع الحاني تطمئنه وتواصيه وتصبره، وتمسح عنه النكد والتعب الذي يلاقيه من قريش، وفي العام نفسه ابتلي بوفاة عمه الذي كان يحوطه ويدافع عنه.
2-لقد تخطى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جميع العقبات في طريق دعوته، فلم تقف أي عقبة مهما عظمت في سبيله، فضلًا أن تقعده عن دعوته، فما عرف عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في عام الحزن خور أو ضعف أو فتور عن متابعة رسالته، على الرغم من عظم المصيبة وهول الخطب.
3-من هدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زيارة المرضى وبذل الخير لهم وإن كان من أهل الشرك والكفر كما زار عمه وهو مشرك وزار غلامًا يهوديًا، وقد رغب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في زيارة المريض فقال: (( مَنْ عَادَ مَرِيضًا أَوْ زَارَ أَخًا لَهُ فِي اللَّهِ نَادَاهُ مُنَادٍ أَنْ طِبْتَ وَطَابَ مَمْشَاكَ وَتَبَوَّأْتَ مِنَ الْجَنَّةِ ) ) (4) ، وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَافِعٍ قَالَ: (( عَادَ أَبُو مُوسَى الأَشْعَرِيُّ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ رضي الله عنه: أَعَائِدًا جِئْتَ أَمْ زَائِرًا؟ قَالَ: لا، بَلْ جِئْتُ عَائِدًا قَالَ عَلِيٌّ رضي الله عنه: أَمَا إِنَّهُ مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَعُودُ مَرِيضًا إِلا خَرَجَ مَعَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ كُلُّهُمْ يَسْتَغْفِرُ لَهُ إِنْ كَانَ مُصْبِحًا حَتَّى يُمْسِيَ، وَكَانَ لَهُ خَرِيفٌ فِي الْجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ مُمْسِيًا خَرَجَ مَعَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ كُلُّهُمْ يَسْتَغْفِرُ لَهُ حَتَّى يُصْبِحَ، وَكَانَ لَهُ خَرِيفٌ فِي الْجَنَّةِ ) ) (5) .
4-استغلال جميع الفرص والمناسبات في الدعوة إلى الله وتبليغ هذا الدين، فحالة المريض غالبًا ما تريه ضعفه وفقره وحاجته إلى خالقه جل وعلا، ولهذا حرص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على عمه في هذه الساعة، كما حرص على هداية غلام يهودي يحتضر، فقد روى أنس رضي الله عنه قَالَ: (( كَانَ غُلامٌ يَهُودِيٌّ يَخْدُمُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَمَرِضَ فَأَتَاهُ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَعُودُهُ فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَقَالَ لَهُ: أَسْلِمْ، فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ وَهُوَ عِنْدَهُ فَقَالَ لَهُ: أَطِعْ أَبَا الْقَاسِمِ - صلى الله عليه وسلم - فَأَسْلَمَ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ يَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنَ النَّارِ ) ) (6) .
5-مما يوضح جدية هذا الدين، وصدق نبوة سيد المرسلين اهتمامه بهداية المحتضرين، وإلا فماذا سيقدم هؤلاء له إذا أسلموا وهم في مثل هذه الحالة، لو كان مراده من دعوته الدنيا وحطامها.
6-الاهتمام بهداية الناس مهما كانت أحوالهم وأوضاعهم، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (( لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم ) ) (7) .
7-استخدام أسلوب الترجي واللطف مع حسن العرض واللباقة في الخطاب عند دعوة الناس (( يا عم ) ).
8-احتفاظ الرسول بالأيادي والفضائل التي قدمها له عمه، ولهذا حرص أشد الحرص على هدايته وهذه أعظم مكافأة لو استجاب له فيها نال السعادة الأبدية، وهذه من صفات الرجال الكرام في اعترافهم بالجميل والفضل، وقد نبه على ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقوله: (( مَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُونَهُ فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَرَوْا أَنَّكُمْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ ) ) (8) .
9-إن لا إله إلا الله منهج حياة كاملة تنفي كل ما سوى الله من الشركاء والأنداد فلا معبود بحق إلا الله وحده لا شريك له، ولهذا أدرك معناها أبو جهل وأبو طالب ومن معهما وعرفوا أنها منهج تغيير كامل في كل الحياة ونبذ كامل لكل المناهج الأرضية والتقاليد والعقائد الموروثة، والتبرء مما سوى الله عز وجل، ولو كان الأمر مجرد كلمة تقال باللسان فقط لأسرعوا إليها دون تردد، أو أنها تعني الاعتراف بوجود الله وأنه الخالق الرازق لقالوها، لأنهم يؤمنون بذلك قبل رسالة النبي - صلى الله عليه وسلم - قال الله تعالى: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وَيُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهَ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ} (يونس: 31) وقال تعالى: {قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، سَيَقُولُونَ للهِ، قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ، قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ، سَيَقُولُونَ للهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ، قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، سَيَقُولُونَ للهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ} (المؤمنون: 84 - 89) فعجبًا من أناس أبو جهل أعلم منهم بلا إله إلا الله!.
10-ضرر جلساء السوء وخطرهم على الإنسان فقد وقفوا حاجزًا بين أبي طالب وبين السعادة الأبدية وأوقعوه في شر حال وأعظم عذاب، وقد حض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على اختيار الجليس والصاحب فقال: (( مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالْجَلِيسِ السُّوْءِ، كَمَثَلِ صَاحِبِ الْمِسْكِ وَكِيرِ الْحَدَّادِ، لا يَعْدَمُكَ مِنْ صَاحِبِ الْمِسْكِ إِمَّا تَشْتَرِيهِ أَوْ تَجِدُ رِيحَهُ، وَكِيرُ الْحَدَّادِ يُحْرِقُ بَدَنَكَ أَوْ ثَوْبَكَ أَوْ تَجِدُ مِنْهُ رِيحًا خَبِيثَةً ) ) (9) .
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (( الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ ) ) (10) .
11-تعظيم المشركين لمناهج آبائهم وعاداتهم وتقاليدهم كما قال الله فيهم: {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ} (الزخرف: 22) .
12-أهل الباطل طبيعتهم التقليد والتبعية العمياء وإلغاء دور العقل وطمس البصيرة والبعد عن التفكير الحر الصادق الطليق، ولهذا لم يحاوروا رسول الله لأنهم لا يملكون أي أداة للحوار أو المناظرة وليس عندهم حجج يناظرون عليها سوى التقليد الأعمى لآبائهم.
13-ثقل مخلفات الماضي وتقاليده على كبار السن، ولهذا خشي أبو طالب من تعيير قريش لو قال لا إله إلا الله.
14-وظيفة الداعي هي فتح الطريق أمام الناس للهداية وترغيبهم فيها ودلالتهم عليها، وأما إدخال الناس في الهداية فهذا لم يكن لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو أفضل الخلق وحبيب رب العالمين، ولو كان يملك من هذا شيء لمنَّ به على عمه الذي دافع عنه وصاول من أجله وقد حرص - صلى الله عليه وسلم - حرصًا شديدًا على هدايته، فهداية التوفيق إلى الله جل وعلا.
15-الفرق بين هداية الدلالة والإرشاد والبيان التي أثبتها الله تعالى للنبي - صلى الله عليه وسلم - في قوله: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} (الشعراء: 52) ، وبين هداية التوفيق والتي نفاها عنه ربه... {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} (القصص: 56) .
16-إذا كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو أفضل من وطئ الثرى وأظلت السماء.. رسول رب العالمين وسيد المرسلين لا يملك أن يهدي من أحب وهو عمه الذي واساه بنفسه وماله، فكيف بنظيره من الخلق! وكيف بالذي يطلب الهداية والنصرة والتأييد والاستعانة من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد وفاته! قال الله عز وجل في كتابه لنبيه - صلى الله عليه وسلم - قل لهم: {قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلا مَا شَاءَ اللهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ} (الأعراف: 188) ، وقال جل وعلا: {قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا} (الجن: 21) وكيف ممن يطلبونها ممن هو دون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المنزلة والمكانة من ربه جل وعلا!؟
17-لقد قطع الله جميع أواصر الصلة والحب بين أهل التوحيد وأهل الإشراك ولم يبق إلا صلة العقيدة ورباط التوحيد {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} (التوبة:113) .
18-أهمية تلقين المحتضر شهادة أن لا إله إلا الله لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (( مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ ) ) (11) .
رحلة الطائف:
اشتدّ أذى قريش على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد وفاة عمه، فخرج إلى الطائف يدعوهم إلى الله ويطلب منهم أن ينصروه ويؤووه حتى يبلغ رسالة ربه، فلم يجد عندهم خيرًا ولا ناصرًا، وآذوه أشد الأذى ونالوا منه مالم ينله قومه، وأقام بينهم عشرة أيام لا يدع أحدًا من أشرافهم إلا جاءه وكلمه، فقالوا: اخرج من بلدنا، وأغروا به سفهاءهم، فوقفوا له صفين، وجعلوا يرمونه بالحجارة حتى دميت قدماه، فانصرف منهم مغمومًا محزونًا (12) .
عن ابْنِ شِهَابٍ قَالَ حَدَّثَنِي عُرْوَةُ أَنَّ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهَا زَوْجَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - حَدَّثَتْهُ أَنَّهَا قَالَتْ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ؟ قَالَ: (( لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ مَا لَقِيتُ، وَكَانَ أَشَدَّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ الْعَقَبَةِ إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَبْدِ كُلالٍ فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ، فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلا وَأَنَا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ فَنَادَانِي فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ، فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ فَسَلَّمَ عَلَيَّ ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ فَقَالَ: ذَلِكَ فِيمَا شِئْتَ إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمُ الأَخْشَبَيْنِ فَقَالَ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم: بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا ) ) (13) .
الدروس والعظات:
1-اهتمام عائشة رضي الله عنها بحال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما عاناه من البلاء والتعب والمحن في تبليغ الدعوة.
2-لقد اعتبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن المحن والفتن التي تنزل بالداعي أثناء تبليغ دعوته أعظم وأشد من القتال والإصابات والجراح وقتل الأقارب في ميادين الجهاد.
3-إن دين الإسلام لا يتعلق بقوم ولا بوطن بعينه، فقد رحل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أحب البقاع إليه وهي مكة إلى الطائف من أجل البحث عن محضن جديد لدعوته حيث ردها أهل مكة.
4-في رحلة الرسول - صلى الله عليه وسلم - الى الطائف بيان أن المسلم الداعي لا ينبغي له الركود في بقعة بعينها، سواء كانت البقعة فاضلة أو غير فاضلة إن لم يستطع أن يبلغ دينه ويقوم بدعوته، ولا ينبغي أن يتعذر بفضل المكان وشرفه (( فإن البقاع لا تقدس أحدًا إنما يقدس الإنسان عمله ) ).
5-بين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قوله: (( إذ عرضت نفسي... ) )أن الداعي مهما كان معه من الحق والخير، ومهما كانت منزلته وفضله، ومهما ارتفع قدره وعظم إيمانه، ومهما كان صلاحه وعلو مكانته، فهو المسؤول عن دعوته وعرض ما لديه من الخير على الناس وطلب من ينصره ويؤازره ويأويه، فلا ينتظر الناس أن يقدموا عليه أو يفتشوا عما لديه.
6-تأمل قبح الرد الذي واجه به أهل الطائف رسول الله صلى الله عليه وسلم، أفيستكثر أذى وشدة وعنف صب على أحد من المخلصين بعده! إن كثيرًا من الأخيار الطيبين لا مانع عنده من القيام بأمر الدعوة إذا توفر البيت الفسيح والمركب المريح والزوجة الصالحة!!
7-تصور ذلك الجهد الذي بذله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في دعوته، وذلك التعب الذي لحقه فقد جرى مهمومًا على وجهه بعد ذلك الرد القبيح فلم يستفق إلا بقرن الثعالب القريب من مسجد الخيف في منى (14) ، أي أنه جرى على قدميه الشريفتين قرابة مائة كيلو متر، لم يَعِ نفسه من شدة الهمّ لدينه إلا بعد تلك المسافة الطويلة.
8-غيرة الجبار القهار عز وجل على خليله وحبيبه ونبيه - صلى الله عليه وسلم - حيث أرسل إليه الملائكة لمواساته في مصابه.
9-رغم شدة المصاب وعظم الأذى، الذي نزل برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعلى الرغم من شدة الهم والحزن الذي بلغ به من جراء عنت قريش وملاحقتهم له، وقيامهم باضطهاد أصحابه وتعذيبهم، إلا أنه لم يتشف بهم ويطلب من ربه إيقاع العذاب العام عليهم، بل طلب من ربه جل وعلا أن يستأني بهم.
لقد علمنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحدث البعد عن حظوظ النفس ورغباتها، ومحبة الانتصار لها، وعدم اليأس من هداية الناس مهما كان بعدهم عن الحق والخير.
10-الله أكبر ما أعظم هذا الأمل (( بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا ) )أي بعد عن العجلة وأي صبر ينبغي أن يتحلى به الداعي إلى الله تعالى بعد ذلك، إنه انتظار ما في الأصلاب ليعبدوا الله لا يشركون به شيئًا، وما أكثر الذين يستبطئون النتائج، ويستعجلون حسناتهم في حياتهم الدنيا.
11-إن الهم كل الهم هو في تحقيق عبودية الله تعالى وحده لا شريك له، ليس للمخلصين هدف آخر من متاع الدنيا الزائل وعرضها الفاني.
الإسراء والمعراج:
كان الإسراء والمعراج مواساة من الله تعالى لنبيه - صلى الله عليه وسلم - حينما لقي من قومه ما لقي من الأذى والعنت بعد وفاة عمه أبي طالب، فأسري بجسده وروحه إلى بيت المقدس ثم عرج به إلى السموات العلى حتى سمع صريف الأقلام.
لقد وردت روايات كثيرة في الإسراء والمعراج وسأقتصر على أصحها وأجمعها: