لا يمكن حصر الدروس المستفادة والعبر المستقاة من حدث الهجرة النبوية لأنها تتنوع من وقت لآخر، من شخص لآخر، ومن مكان لآخر، ولكن لا بأس من التذكير ببعضها فقط:
1-درس في البذل والتضحية: حيث ترك الصحابة أغلى ما يملكون، وأعز ذكرياتهم ليهاجروا إلى مكان جديد لا علم لهم به، ولا فكرة مسبقة عنه، والجانب الثاني من الدرس المهاجر إليهم الذين تقاسموا معهم ما يملكون وفي هذا قال الله تعالى"والذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أتوا ويوثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة" (الحشر 9) .
2-معية الله عز وجل: يقول الله تعالى:"وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين" (الأنفال 30) ، فالله عز وجل لا ينسى نبيه - صلى الله عليه وسلم - كما لا ينسى عباده المومنين"إن الله يدافع عن الذين آمنوا" (الحج 38) ، وإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون" (النحل 128) ، وهذا ما انطبق على حادث الهجرة، حيث يقول الله عز وجل:"إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم" (التوبة 40) ."
وهذا ما وقع لموسى عليه السلام حيث قال قومه"إنا لمدركون"فقال موسى عليه السلام"كلا إن معي ربي سيهدين" (الشعراء 62) .
فهذا اليقين هو الذي يورث الثبات والنبات، ولا يتصور فلاح بدون يقين في الله وموعوده"وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون" (الهجرة 24) .
3-عدم تعلق القلب بشيء آخر غير الله عز وجل: في حادث الهجرة درس بليغ حيث قال - صلى الله عليه وسلم -"إنك من أحب بلاد الله إلى قلبي، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت"، وهذا طبيعي فيها نشأ - صلى الله عليه وسلم - وترعرع، وفيها نزل عليه - صلى الله عليه وسلم - الوحي، ولكن رغم ذلك لم يستكين إلى حبها وفضل حب الله عز وجل ورضاه ودعا ربه"اللهم وقد أخرجتني من أحب البقاع إلي فأسكني في أحب البقاع إليك". وهذا درس بليغ.
روى الإمام أحمد عن أبي يحيى مولى الزبير بن العوام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"البلاد بلاد الله والعباد عباد الله فحيثما أصبت خيرا فأقم"، بل إن الله عز وجل توعد من لم يفعل ذلك"إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا" (النساء97) .
4-الرؤيا حاضرة حتى في الهجرة: قال - صلى الله عليه وسلم - وهو يتحدث إلى أصحابه"رأيت في المنام أني أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل فذهب ظني إلى أنها اليمامة أو هجر فإذا هي يثرب".
5-إن مع العسر يسرا: العبرة بالخواتيم، والدنيا دار ابتلاء، والمومن معرض دائما للاختبار، ولكن الله عز وجل يختار للمومن خير الدنيا والآخرة، ويختم له بالحسنى وزيادة، فمهما أصابه من قرح فإن بعده فرح، وإن مع العسر يسرا، وفي الهجرة النبوية درس بليغ لذلك حيث بدل الصحابة أهلا خيرا من أهلهم، وبارك لهم في مكان جعله طاهرا لهم، وفي هذا درس بليغ.
ــــــــــــ