فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 205

مقدم الحلقة: ماهر عبد الله رحمه الله

ضيف الحلقة: الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي: داعية إسلامي كبير

تاريخ الحلقة: 17/03/2002

-الهجرة والأخذ بالأسباب والسنن الكونية

-أهمية التخطيط في العمل الإسلامي وعدم الارتجال

-كيفية تقديم الإسلام للآخرين أخذًا بالأسباب

يوسف القرضاوي

ماهر عبد الله

ماهر عبد الله: سلام من الله عليكم، وأهلًا ومرحبًا بكم في حلقة جديدة من برنامج (الشريعة والحياة) .

نعود في هذا الأسبوع للحديث عن موضوع الهجرة بمناسبة انتهاء عام هجري وبداية عام هجري.. عام هجري جديد. نستغل هذه الفرصة ونقول.. نتمنى أن يعود علينا مثل هذه المناسبة ومثل هذا اليوم وأحوال الأمة أحسن -ولو قليلًا- مما هي عليه هذا اليوم، لمناقشة الموضوع يسعدني أن يكون معي فضيلة العلامة الدكتور يوسف القرضاوي، سيدي أهلًا وسهلًا بك مجددًا.

د. يوسف القرضاوي: مرحبًا بك يا أخ ماهر، وبارك الله فيك.

ماهر عبد الله: يعني.. ستلاحظون أن فضيلة الدكتور قليلًا يعني صوته متوعك.

د. يوسف القرضاوي: نحمد الله.

ماهر عبد الله: فنرجو أن يرحمونا بالأسئلة لاحقًا. سيدي، هل ما يميز الهجرة أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- يعني اختصارها عندما قال: لقد أخرجوني.."إنك لأحب أرض الله إلي.. ولولا أن أهلك أخرجوني ما خرجت".. يعني كانت تضحية كبيرة أن يترك الإنسان بلده من أجل البحث عن حياة أريح في.. في مكان آخر، وكانت أيضًا يعني جزء من عمليته -صلى الله عليه وسلم- وأنه يعني بشر بكل ما في الكلمة من معنى عندما تضيق عليه بلاد يذهب للبحث عن بلاد أخرى، لو.. لو ابتدأنا بهذه القيمة التعويل على السنن والأسباب وعدم التعويل على معجزات، على كرامات في حياته صلى الله عليه وسلم.

د. يوسف القرضاوي: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا وإمامنا وأسوتنا وحبيبنا ومعلمنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه، قبل أن أجيب عن سؤالك يا أخ ماهر، أود أن أقول كلمتين، الكلمة الأولى: كلمة تهنئة للمسلمين في أنحاء العالم بهذا العام الهجري الجديد، بعد عام حافل بالأحداث والمآسي للأمة الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها، وحافل أيضًا بالبطولات والروائع في نفس الوقت، وكل ما ندعو الله -تبارك وتعالى- به أن يجعل العام الجديد عام خير وبركة وفتح للأمة الإسلامية.. وأن يجعل يومها خيرًا من أمسها ويجعل غدها خيرًا من يومها، هذه هي الكلمة الأولى.

الكلمة الثانية: هي كلمة عزاء، فقد جرت عادتنا في هذا البرنامج أن نودع العلماء الكبار الذين يرحلون عن عالمنا هذا ويفارقونا إلى العالم الآخر، وفي الأسبوع الماضي ودَّع إخواننا في سوريا الشقيقة وفي حلب الشهباء أحد العلماء الكبار الربانيين الذين عاشوا للعلم وللدين وللدعوة وللتربية وهو الشيخ عبد الله سراج الدين، نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يتغمده برحمته وأن يسكنه الفردوس الأعلى، الشيخ عبد الله سراج الدين رجل علم ودين وهو وارث العلم عن.. عن أبيه وهو من أقران أخينا وصديقنا الحبيب -رحمة الله عليه- الشيخ العلامة المحدث عبد الفتاح أبو غدة، وهذا الرجل كان من علماء الحديث ومن علماء الفقه، ومن الدعاة والمربين حتى قالوا إنه كان يحفظ كتاب"تيسير الوصول إلى أحاديث الرسول"يحفظه برواياته وألفاظه ويذاكره مع تلاميذه.

لم أسعد باللقاء مع الشيخ عبد الله سراج الدين، ولكني عرفته من مريديه ومن تلاميذه الذين حكوا لي عنه حكايات كثيرة، ومنهم الأخ العزيز الحبيب العالم الباحث الداعية الشيخ مجد مكي.

والشيخ عبد الله سراج الدين هو خال أخينا وصديقنا العالم الباحث الجليل أستاذ التفسير والحديث الأستاذ الدكتور نور الدين عتر وهو أستاذ الأخ العالم الباحث الشيخ محمد عوامة، فهذا الرجل ودَّعه إخواننا في مدينة حلب الشهباء، فنحن نعزيهم ونعزي أنفسنا معهم، ونحن الآن في هذه الأيام يرحل الكثير من العلماء الكبار عن هذه الأمة ونسأل الله تعالى أن يعوضهم خيرًا حتى لا يحدث ما نبأ به الرسول الكريم:"إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من صدور الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبقى عالم اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا، فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا"نسأل الله ألا نصل إلى هذه الحالة وأن يعوضنا عن العلماء الذين نفقدهم خيرًا.. اللهم آمين، هذه هي الكلمة الثانية.

الهجرة والأخذ بالأسباب والسنن الكونية

ماهر عبد الله: سيدي، كنت سألتك عن أهمية موضوع الهجرة فيما يتعلق بحرص الرسول -صلى الله عليه وسلم- على الأخذ بالأسباب، ويعني متابعة سنن الكون بدل التعويل على المعجزات والكرامات، كيف شاركت الهجرة في.. في تبيان هذا؟

د. يوسف القرضاوي: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا يعني يتجلى لنا في مواقف كثيرة في الهجرة.

أولًا: كان الله -سبحانه وتعالى- قادرًا على أن يهاجر برسوله عن طريق معجز كما أسرى به بطريق معجز، نحن نعلم أن الله -سبحانه وتعالى- أسرى برسوله من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم عرج به من المسجد الأقصى إلى السموات العلى إلى سدرة المنتهى، كل هذا في ليلة واحدة أو بعض ليلة.. جزء من ليلة.. قالوا عاد وفراشه لازال دافئًا، فلماذا لم يفعل الله تعالى ذلك برسوله، بدل هذه المعاناة، كان يجيب له براق يركبه، وبدل ما يتعرض من الدخول في الغار، والتعرض للذين يحاولون أن يأخذوه في الطريق، ويتعرض للمضايقات، وللاغتيالات ولهذه الأشياء كلها، كان ببراق يعني سهل أن ينتقل كما انتقل.. وأعتقد إن يعني المسافة من مكة إلى المدينة أقصر بكثير من المسافة من مكة إلى بيت المقدس، ولكن الله -سبحانه وتعالى- أراد برسوله أن يعاني ما يعانيه الناس، وأن يمضي حسب السنن السائدة في هذا الكون وفي هذا المجتمع ولا يخرج عن هذه السنن، ومن هنا وجدنا النبي -عليه الصلاة والسلام- يعني حتى قبل الهجرة.. الرسول -عليه الصلاة والسلام- بدأ يفكر في البدائل المختلفة، يعني هو دعا قومه من قريش، أهل مكة، استجاب له القليل والأقل من القليل.. والأكثرون أعرضوا عنه لأسباب شتى، بعضها يعني التقليد الأعمى، (إنا وجدنا آباءنا على أمه وإنَّا على آثارهم مقتدون) ، وبعضهم الكبرياء يعني (لولا نُزِّل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم) ما تلاقيش إلا محمد اليتيم الفقير الكذا، وبعضهم حسب إن بني هاشم اللي يأخذوا السقايا والكذا والكذا، في الجاهلية وبعدين يجوا كمان يقولوا فينا نبي، كما قال ذلك أبو جهل، بنو مخزوم يقول لك تنازعنا نحن وبنو هاشم الشرف فأطعموا وأطعمنا.. وسقوا وسقينا وبعدين يجوا يقولوا منا نبي، فهذا الذي لا نستطيع، هناك أسباب شتى جعلتهم يقفون ضد دعوة محمد صلى الله عليه وسلم، الرسول -عليه الصلاة والسلام- حينما وجد هذا الإعراض ماذا فعل؟ بيفكر.. التفكير البشري المعتاد ما هي البدائل؟ من البدائل مثلًا إنه ذهب إلى الطائف حيث هناك قبيلة ثقيف وعرض عليهم الإسلام وللأسف يعني قابلوه بأسوأ مقابلة وعاملوه أسوأ معاملة، ولم يجد منهم أي استجابة، وكان من البدائل المعروضة أمامه أن يعرض دعوته على القبائل، مكة تمتاز بأنها موسم للحجيج ويجتمع فيها العرب في كل عام من.. من أنحاء الجزيرة العربية، فهي فرصة يعني لا تعوض بالنسبة لصاحب الدعوة، لذلك النبي -عليه الصلاة والسلام- كان يذهب إلى القبائل المختلفة ويعرض عليهم دعوته ويطلب منهم نصرته، من ينصره ويأخذ بيده ويشد أزره، فبعض القبائل كانوا يردونه ردًا حسنًا وبعضهم يشترط عليه شروطًا يقول طيب لما ننصرك هل يبقى لينا الأمر من بعدك؟ يبقى إحنا الحكام من بعدك؟ يعني فعايزين مقابل دنيوي، فكان النبي -عليه الصلاة والسلام- يرفض أي اشتراط من هذا النوع، وكان يعني النبي -عليه الصلاة والسلام- يعني حريص إلى أن هيأ الله له الأسباب، برضو أسباب طبيعية.. إنه بعض الناس الذين عرض عليهم هذا وكانوا من الخزرج، ستة من الخزرج جاءوا من يثرب، فحينما عرض عليهم الدعوة تفتحت آذانهم وقلوبهم وعقولهم لهذه الدعوة، وأقبلوا عليها ودخلوا في الإسلام، خصوصًا هيأهم لهذا الاستقبال للدعوة إنهم كانوا يسمعون من اليهود جيرانهم في يثرب أن نبيًا قد قرب زمانه وأوشك أن.. أن يظهر وكانوا يعني يخوفونهم بهذا النبي ويقولوا لهم سنتبعه ونقتلكم معه قتل عاد وإرم فهما قالوا والله دا يمكن هذا هو اللي كان يحذرنا منه اليهود.. ويخوفنا به اليهود، ففتح الله قلوبهم وشرح صدورهم ودخلوا في.. وبعدين هؤلاء الستة جاءوا في العام المقبل بعدد أكبر وبايعهم النبي -صلى الله عليه وسلم- بيعة العقبة الأولى.. العقبة اللي هي القريبة من مكة اللي فيها الرمي الآن، وفي السنة الثانية بايعهم بيعة العقبة الثانية، وكانت بيعة على أن يهاجر النبي -صلى الله عليه وسلم- إليهم وأن يمنعوه مما يمنعوا منه ذراريهم ونسائهم وأولادهم، يعني حماية كاملة وحضر العباس بن عبد المطلب عم النبي -عليه الصلاة والسلام- وأخبرهم إن محمد في عزة ومنعة من قومه، إذا كنتم أهل لهذا وبتاع، فقالوا والله إحنا مستعدين نحارب الأحمر والأسود، المهم كانت هذه الخطوات التي تمت قبل الهجرة.

ماهر عبد الله: اسمح لي، استوقفك عند مسألة العباس -رضي الله تعالى عنه- يعني لماذا اختار رجلًا كافرًا لصحبه في هذه البيعة على سريتها، على خطورتها على تعلق مستقبل الإسلام بها؟

د. يوسف القرضاوي: لأن بني هاشم رغم إنهم لم يؤمنوا كانوا يعني يعتقدون إن حماية محمد -صلى الله عليه وسلم- من واجبهم، ولذلك دخلوا معه الشِعْب.. شِعْب بني طالب وظلوا ثلاث سنوات محاصرين.. أكلوا أوراق الشجر حتى دميت أشداقهم وجرحت أفواههم.. قوطعوا اقتصاديًا وقوطعوا اجتماعيًا، دخل مسلمهم وكافرهم.. بنو هاشم وبنو المطلب.. وقالوا لم نفترق في جاهلية ولا إسلام من بني عبد مناف، ولذلك ربنا -سبحانه وتعالى- اختار العرب لهذه العصبية، لأن العصبية دية كانت تمثل حماية لمحمد في فترة الدعوة الأولى، فأراد العباس رغم إنه لم يسلم.. وبعضهم يقول إنه أسلم مبكرًا، ولكنه الظاهر أنه لم يسلم، وهذا أيضًا يعني من.. من يعني تدبير الله تبارك وتعالى، إنه أعمام النبي عليه الصلاة والسلام أبو طالب والعباس لم يسلما حتى لا يقال.. أسلم فقط حمزة، فلذلك يعني أراد العباس أن يستوثق لإبن أخيه، لأنه معتبر إنه هي مسؤولية بني هاشم، هذا من صنع الله -سبحانه وتعالى- لهذه الدعوة.

ماهر عبد الله: أنا سألتك لأنه يعني يدور كثير خصوصًا هذه الأيام بعد إشكالات الحادي عشر من سبتمبر يعني قضية الولاء والبراء، ويجب أن لا يُستعان بكافر، وأنه الكافر كأنه من ملة أخرى يعني، كيف توفق بين هذه القصة حقيقة يعتمد على عمه من نسبه، من دمه مقابل..

د. يوسف القرضاوي: لأ، هو الاستعانة بكافر.. يعني أمر فيه خلاف بين الفقهاء الاستعانة بهم في الحرب والجهاد، ولكن استعانة بكافر في الأمور الفنية.. هذا لا مانع حتى هو.. سنأتي إن في.. في الهجرة نفسها كان الدليل الذي يدل النبي -صلى الله عليه وسلم- على الطرق، أنت تعرف إنه فيه طرق معروفة يسلكها الناس.. وفيه الخبراء بالطرق يعرفون الطرق التي لا يسلكها الكثيرون والتي يمكن أن تخفى على الكثيرين، فاستأجر رجلًا خبيرًا يقولون العرب عنه: (خرير) ، يعني هو عبد الله بن أريقط وكان مشركًا، ولكنه مشرك مأمون، ولذلك العلماء قالوا: لا مانع أن نستخدم المشركين وغير المسلمين المأمونين في الأمور الفنية وكذا ماداموا تحت سطوتنا، يعني مادمنا إحنا اللي بنأمرهم وبننهاهم وبيشتغلوا.. بيشتغلوا لحسابنا إحنا، ومادمنا مستأمنينهم ومأمونين عندنا فلا مانع من.. إنما هو المشكل وحتى يعني في الحرب النبي -عليه الصلاة والسلام- استعان ببعض المشركين في حرب الطائف وحنين، صفوان بن أمية وغيره، فلأنه عارف إنه هؤلاء كانوا مخلصين له من ناحية العصبية، قال صفوان بن أمية لأن يربني رجل من قريش خير من أن يربني رجل من هوازن، يعني قال لك محمد ده مهما كان من قريش أن يسودني واحد من قريش أحسن ما يسودني واحد.. فهناك اعتبارات تجعلك تأمن للشخص حتى، ولكن المفروض إن يكون أنت المسيطر.. مش تشتغل أنت لحسابه ويبقى هو اللي بيأمرك.. وهو اللي بيجعلك، وأنت يعني نفر بتشتغل عنده، هذا شيء آخر.

ماهر عبد الله: طيب، كيف تجمع بين هذا وبين عقيدة الولاء والبراء؟

د. يوسف القرضاوي: دي مالهاش دعوة بالولاء والبراء.

ماهر عبد الله: يثور الآن جدل أنه يجب أن لا نتصل بأي غير مسلم.

د. يوسف القرضاوي: لأ.. ليس الولاء.. ليس معنى الولاء أنك لا تتصل بأي إنسان كان، هذا لم يقل أحد الولاء بهذا قط.. لأنه الرسول -عليه الصلاة والسلام- حينما ذهب إلى المدينة أول ما عمل.. عمل أيه؟ عمل اتفاقية أو معاهدة مع.. مع اليهود، يهود المدينة اللي هم كانوا ثلاث قبائل بني قينقاع وبني قريظة وبني النضير عقد معاهم معاهدة معروفة وكتب الصحيفة المعروفة، هل ده ينافي الولاء؟ لأ، هذا ما.. الولاء شيء إنك.. الولاء أن تضمر لهم المودة وتنتصر لهم لكفرهم، إنما أن تعاشرهم بالمعروف، أن توفِّي لهم بما عاهدتهم عليه، هذا ليس من الولاء في شيء.

أهمية التخطيط في العمل الإسلامي وعدم الارتجال

ماهر عبد الله: في.. في.. في جانب تحدث عن إنه زار عرض على بني ثقيف وعرض على أمم أخرى وطلب من جزء من الصحابة.. بعض الصحابة أن يهاجر إلى.. إلى الحبشة، أهمية التخطيط في أي عمل إسلامي، يعني أليس هذا مؤشرًا على أنه -صلى الله عليه وسلم- لم يكن يرتجل مثل هذه المواقف؟

د. يوسف القرضاوي: لا.. لا.. لأ بالعكس، كان عمله -عليه الصلاة والسلام- كله مرتبًا.. مخططًا، حتى قضية الهجرة إلى.. إلى الحبشة هذه لم تكن اعتباطًا.. إنه يعني اختار المكان المناسب جغرافيًا والمناسب دينيًا، والمناسب سياسيًا.

المناسب جغرافيًا بحيث لم يختر مكانًا بعيدًا يذهب إليه المسلمون فيهلكوا في الطريق، في الصين أو في الهند أو.. لأ، مكان قريب، بس يعدي البحر يوصل هناك، فهو مناسب جغرافيًا.

ومناسب دينيًا، لأن الحبشة كانوا أهل كتاب وكانوا من النصارى الذين هم أقرب مودة للمسلمين.

وهو مناسب سياسيًا، لأن الرسول قال:"اذهبوا إلى الحبشة فإن بها ملكًا أرجو أن لا تظلموا عنده"ومعنى هذا إنه كان عنده معلومات إنه هذا الملك لا يُظلم أحد يعني عنده، وهذا أمر مهم جدًا يكون عندك يعني معلومات كافية حتى تستطيع ترتب أمورك بناء على هذه المعلومات، الآن في عصرنا بنقول عصر الإحصاء والأرقام، فلهذا اختار.. وكانت فعلًا كما يعني.

ماهر عبد الله: وصف..

د. يوسف القرضاوي: قدر النبي -عليه الصلاة والسلام- حتى إن قريشًا حينما أرسلت عمرو بن العاص ومعه الآخر يحاولون أن يرشوا هذا الملك ويسلمهم المهاجرين رفض الرجل، فكان رجلًا عادلًا وكان عند حسن الظن، ومع هذا لم يهاجر النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى الحبشة مع أصحابه.

ماهر عبد الله: سيدي، يعني قبل أن ننهي موضوع التخطيط، ذكرت في معرض الجواب على السؤال الأخير أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يعلم ما الذي يجري في الحبشة، كان اختيار جغرافي، كان يعلم عن طبيعة الحاكم، وعن طبيعة نظام الحكم، هذه المعلومات هل كانت معلومات توقيفية جاءته من جبريل بالوحي، أم أنه سعى لها؟ لأننا نلاحظ الكثير من المسلمين وخصوصًا الإسلاميين يتحدثون عن المعركة مع هذه الدولة وتغيير العالم وسيادة العالم وهم لا يعلمون عنهم شيئًا، كيف يمكن أن نتحرك، أن تغير أوضاعًا وأنت لا تعلم لا عن عدوك ولا حتى عن نفسك في بعض الحالات؟

د. يوسف القرضاوي: بسم الله الرحمن الرحيم، لاشك أن أي تخطيط لابد أن يكون مبنيًا على معلومات، وهذه المعلومات يجمعها الإنسان بوسائله الخاصة، ليس معقولًا أن يكون كل شيء بوحي، بعض الناس يظنون كأنه محمد -عليه الصلاة والسلام- كان عبارة عن آلة يحركها الوحي، لأ، أمَّال لماذا يختار الله الأنبياء من أذكى الناس عقولًا وأزكى الناس أنفسًا وأقوى الناس شخصية؟ لأنهم يستطيعوا أن يدبروا الأمور بعقولهم، وبعدين في اللحظة الحاسمة يأتي الوحي، الرسول هو بوسائله الخاصة كون فكرة عن الحبشة من الناس الذين يذهبون من قريش، كان بين العرب والحبشة يعني اتصالات من.. من قديم، حتى إن الحبشة أرادت تهدم الكعبة حتى ينصرف الناس وتعمل كعبة عندها، يعني فيه صلات قديمة أحيانًا صلات عدائية وأحيانًا صلات وفاقية، فأي تخطيط لابد أن يكون مبنيًا على..، مشكلتنا في عصرنا هذه إنه خصومنا وأعداءنا يعرفون عنا كل شيء، كشفونا حتى النخاع، ونحن لا نكاد نعلم عنهم شيئًا، وهذا أمر في غاية الخطورة، من يريد أن يحارب عدوًا فلابد أن يعرف عن عدوه كل شيء عن هذا العدو، وهذا ولذلك تجد في الحروب النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يبعث إلى أناس يسمونهم العيون، عيون له يعرفون عن الأعداء وكان يعرف خطط الأعداء، يعني غزوة تبوك كان سبق من الرسول -عليه الصلاة والسلام- لأنه عرف أن الروم يريدون أن يغزوه في بلده، فبدأ هو وأيه؟ وقال نغزوهم قبل أن.. أن يغزونا.

في قصة.. قصة الهجرة تجد فيها التخطيط واضحًا جدًا، النبي -عليه الصلاة والسلام- حينما أذن الله له بالهجرة وبدأ يفكر في الانتقال إلى هذه الأرض الجديدة والقاعدة الجديدة التي تتكون فيها دار للإسلام وأرض للإسلام حرة للإسلام، فبدأ يفكر.. يفكر من سيكون رفيقه؟ فاختار أبا بكر الصدِّيق القديم، أول رجل آمن في الإسلام، من يهديه الطريق.. الدليل، اختار عبد الله بن أيه.. ابن أريقط.. من يبيت في موقعه ليلة خروجه؟ علي بن أبي طالب، لابد أن يختبئ عدة أيام قبل أن.. أن يغادر مكة، فاختار غار ثور، واختار غار ثور في جنوب مكة، تعرف إن المدينة في الشمال، واختار الغار في جنوب مكة، تعرف إن المدينة في الشمال، واختار الغار في الجنوب لأن هم لما يجوا يبحثوا هيبحثوا.. ما هم عارفين إنه رايح لإنه الصحابة كانوا بدؤوا هاجروا، يعني.. تقريبًا كل الصحابة هاجروا ما عدا علي وصهيب وكم واحد يعني، فهو سيذهب إلى البلد اللي هاجر أصحابه إليها، فتتجه أبصارهم إلى أن يبحثوا في المغارات التي هي في طريق المدينة هؤلاء، فاختار هو غارًا في غير طريق المدينة، غار ثور، طيب سيبقى عدة أيام في هذا الغار، محتاج إلى من يأتيه بالطعام، وليس الطعام فقط، والأخبار، لابد أن يعرف ماذا يحدث؟ فاختار يعني من يأتي له، لم يختر رجلًا وإنما اختار امرأة.. أسماء بنت أبي بكر، لأنه لو اختار واحد من أصحابه ممكن العيون تكون عليه.. إنما اختار امرأة، لا يتصور أحد إن امرأة تصعد هذا الغار ثور.. غار ثور، صعده بعض الشباب فلهثوا من.. من شدة التعب، فكيف بهذه الفتاة تصعد كل يوم؟! يعني.. طيب وبعدين وهي بتذهب ممكن آثار أقدامها تظهر، فرتب عامر بن فهيرة الذي كان راعيًا عند أبي بكر فيذهب بغنمه بعد أن تذهب أسماء ليعفِّي على آثارها، يعني شيء مرتب وكل واحد وُضع في الموضع المناسب له، يعني موضع أسماء لا ينفع فيها علي بن أبي طالب، وعلي بن أبي طالب ماينفعش يكون فيه أسماء، وهكذا..

فهذا هو الترتيب والتخطيط الذي فعله النبي عليه الصلاة والسلام، يعني وضع لكل شيء.. أعدَّ لكل شيء عدته.

ومع هذا هناك أشياء تأتي وليست في الحسبان.

وهنا يأتي دور التوكل، يعني مع كل هذا الترتيب والتدبير استطاع المشركون أن يصلوا إلى الغار، والرسول -عليه الصلاة والسلام- وأبو بكر في قلب الغار وأبو بكر في غاية الإشفاق، لا يشفق على نفسه ولا يخاف على نفسه وإنما يخاف على رسول الله وعلى مستقبل الدعوة، فلذلك.. يعني قال:"يا رسول الله، والله لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا"، يعني لو واحد كلف خاطره وطأطأ كده.. هيشوفنا، فقال أبو بكر.. فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- لأبي بكر:"يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما"-تخاف على اثنين ثالثهما الله؟!-"لا تحزن إن الله معنا"فكان في غاية.. هنا يأتي دور التوكل، يعني أخذ بالأسباب وخطط ودبر ورتب، ولكن عندما خلاص تفقد الأسباب ولا يكون لك شيء يأتي دور التوكل، هنا"لا تحزن إن الله معنا"الكلمة هي من معين واحد، سيدنا موسى حينما أقبل فرعون بجنوده، وقال أصحاب موسى (إنا لمدركون) البحر أمامنا وفرعون وجنوده من خلفنا، قال موسى (كلا إن معي ربي سيهدين) فـ (كلا إن معي ربي سيهدين) مثل"لا تحزن إن الله معنا"عندما الإنسان لا يجد الأسباب في صفه، هناك يتوكل على مسبب الأسباب ورب الأرباب وهو الله تبارك وتعالى، وفعلًا كان الأمر، كما قال الله تعالى: (فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا) ، ولذلك هناك بعض العلماء المحققين يقولون: إن المسألة لم تكن حمامًا ولا عنكبوتًا -كما هو سائد- قصة الحمام لم ترد حتى -كما قال بعض العلماء- ولا حتى في حديث ضعيف، وقصة العنكبوت وردت في حديث ضعَّفه بعض العلماء وحسَّنه بعض العلماء، والبعض يقول: إن ظاهر القرآن.. يقول إن الجنود غير مرئية، (وأيده بجنود لم تروها) والعنكبوت جندي مرئي، لأنه حاجة حسية، فبيقول.. الأوفق بالنص القرآني إنه لم يكن هناك جند من جنود هذه الأرض (أيده الله بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا) .

ماهر عبد الله: طيب، اسمح لي أن نعود إلى الإخوة المشاهدين، معذرة الأخ أحمد العنزي من السعودية، معذرة على التأخير أخ أحمد، اتفضل.

أحمد البهنسي: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وكل عام وأنتم بخير.

ماهر عبد الله: عفوًا، أخ أحمد البهنسي، تفضل.

أحمد البهنسي: السلام عليكم ورحمة الله.

ماهر عبد الله: عليكم السلام.

د. يوسف القرضاوي: عليكم السلام يا أخي ورحمة الله.

أحمد البهنسي: وكل سنة وأنتم طيبين.

د. يوسف القرضاوي: وأنت بالصحة والسلامة.

أحمد البهنسي: وكل عام وأنتم بخير، وجزاكم الله خير على البرنامج.

ماهر عبد الله: وأنت طيب.

د. يوسف القرضاوي: بارك الله فيك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت