فهرس الكتاب

الصفحة 179 من 205

لما ضاقت مكة بأفضل أهلها وخيرهم عند الله، رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واصحابه، جعل الله للمسلمين فرجًا ومخرجًا، فأذن لهم بالهجرة إلى المدينة حيث النصرة، وقبول الحق .

وقد أرخ لهجرة المصطفى - صلى الله عليه وسلم - . الزهري فقال:"مكث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد الحج بقية ذي الحجة , والمحرم وصفر ثم إن مشركي قريش اجتمعوا"- يعني على قتله - وقال الحاكم:"تواترت الأخبار أن خروجه كان يوم الاثنين ودخلوه المدينة كان يوم الاثنين".

وقد أذن الله تعالى لرسوله - صلى الله عليه وسلم - بالهجرة إلى المدينة , وكان يتردد على بيت أبي بكر كل يوم صباحًا ومساء , لا يكاد يدع ذلك , فلما أذن له بالهجرة جاءهم ظهرًا على غير عادته وهو متقنع , فأخبر أبا بكر بذلك . واختياره وقت الظهر لأن الناس تأوي إلى بيوتها للقيلولة فرارًا من الحر , وتقنّعه يفيد شعوره بالخطر من حوله , فقد اعتزمت قريش قتله , ولابد أنها ستعمد إلى رصد تحركه . قال تعالى: {وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين } (الأنفال 30) .

مؤامرة لقتل الرسول - صلى الله عليه وسلم -

وقد بينت رواية ضعيفة - بسبب الإرسال - قصة اجتماع المشركين على باب الرسول - صلى الله عليه وسلم - وذره التراب على رؤوسهم .

كما بيّن ابن عباس حصار المشركين لبيته ابتغاء قتله , ومبيت علي رضي الله على فراشه ولحاقه - صلى الله عليه وسلم - بالغار , ولما علم المشركون ذلك في الصباح اقتصوا أثره إلى الغار فرأوا على بابه نسيج العنكبوت فتركوه . ولكن هذه الرواية لا تصلح للاحتجاج بها وهي أجود ما روي في قصة نسيج العنكبوت على فم الغار ، وقد ورد حديث ضعيف جدًا يفيد أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لما بات في غار ثور أمر الله شجرة , فنبتت في وجه الغار , وأمر حمامتين وحشيتين , فوقعتا بفم الغار . وأن ذلك سبب صدود المشركين عن الغار . ومثل هذه الأساطير تسربت إلى مصادر كثيرة في الحديث والسيرة . وعلى أية حال فإن ائتمار المشركين لقتله ثابت بنص الآية فلا يبعد أن يحاصروا بيته .

في غار ثور

قالت عائشة رضي الله عنها: ( فبينما نحن يومًا جلوس في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة , قال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - متقنًا في ساعة لم يكن يأتينا فيها . فقال أبو بكر: فداء له أبي وأمي , والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر . قالت: فجاء رسول الله عليه وسلم فاستأذن فأذن له , فدخل . فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأبي بكر: أخرج من عندك . فقال أبو بكر: إنما هم أهلك بأبي أنت يا رسول الله . قال: فإني قد أذن لي في الخروج . فقال أبو بكر: الصحابة بأبي أنت يارسول الله . قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: نعم . قال أبو بكر: فخذ - بأبي أنت يا رسول الله - إحدى راحلتي هاتين . قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: بالثمن . قالت عائشة: فجهزناهما أحث الجهاز , وضعنا لهم سفرة في جراب فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها , فربطت به على فم الجراب . وبذلك سميت ذات النطاق . قالت: ثم لحق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر بغار في جبل ثور , فكمنا فيه ثلاث ليال , يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر - وهو غلام شاب ثقف لقن - فيدلج من عندهما بسحر , فيصبح من قريش بمكة كبائت , فلا يسمع أمرًا يكتادان به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام , ويرعى عليهما عامر بن فهيرة - مولى أبي بكر - منحة من غنم , فيريحها عليهما حتى تذهب ساعة من العشاء , فيبيتان في رسل - وهو لبن منحتهما ورضيفهما - حتى ينعق بها عامر بن فهيرة بغلس , يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالي الثلاث . واستأجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر رجلًا من بني الديل وهو من بني عدي بن عدي هاديًا خرّيتًا قد غمس حلفًا في العاص بن وائل السهمي - وهو على دين الكفار - فدفعا اليه راحلتيهما , وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال براحلتيهما صبح ثلاث. )

وتشير رواية صحيحة أخرى إلى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر ركبا ، قال: ( فانطلقا حتى أتيا الغار وهو بثور ) .

موقف علي بن أبي طالب رضي الله عنه

وثمة رواية حسنة تفيد أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - انطلق إلى الغار من بيته حيث حاصره المشركون يريدون قتله , فلبس علي رضي الله عنه ثوبه ونام مكانه واخترق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حصار المشركين دون أن يروه , بعد أن أوصى عليًا بأن يخبر أبا بكر أن يلحق به , فجاء أبو بكر وعليّ نائم , وأبو بكر يحسب أنه نبي الله - صلى الله عليه وسلم - , قال: فقال: يا نبي الله ..

فقال له علي: إن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - قد انطلق نحو بئر ميمون فأدركه .

قال: فانطلق أبو بكر فدخل معه الغار .

قال: وجعل علي يرمي بالحجارة , كما كان يرمي نبي الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يتضور , قد لفّ رأسه في الثوب لا يخرجه , حتى أصبح .

ثم كشف عن رأسه , فقالوا: إنك للئيم ! . كان صاحبك نرميه فلا يتضوّر وأنت تتضوّر وقد استنكرنا ذلك .

لقد كان غار ثور قد تحدد منطلقًا للهجرة , وضرب الموعد مع الدليل في ذلك المكان , وكان خروج المصطفى والصديق الى الغار ليلًا .

ولا تقوى هذه الرواية على معارضة ما في الصحيح , ولكن يمكن التوفيق بينهما , لأن رواية الصحيح ليست صريحة في ركوبهما من بيت الصديق رضي الله عنه . فإذا افترضنا أن اصطحابهما معًا جرى من بئر ميمون أمكن التوفيق بين الروايتين .

أبو بكر الصديق يضع ثروته في خدمة الدعوة

لقد حمل أبو بكر رضي الله عنه ثروته ليضعها تحت تصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , وقد ذكرت أسماء ابنته أنها خمسة آلاف أو ستة آلاف درهم . لقد مكث الاثنان في الغار ثلاث ليال وقد تمكن المشركون من اقتفاء أثرهم إلى الغار حيث رأى الصديق أقدامهم فقال:"يا نبي الله , لو أن بعضهم طأطأ بصره رآنا". قال: ( اسكت يا أبا بكر اثنان الله ثالثهما ) .

وإلى هذا اليقين التام والتوكل الكامل تشير الآية { ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا } ( التوبة 40)

الإعلان عن مكافأة

لقد أخفقت قريش في العثور عليهما , فأعلنت عن مكافأة لمن يقتلهما أو يأسرهما وأرّخت رواية واهية خروج النبي - صلى الله عليه وسلم - من الغار في ليلة الاثنين لأربع ليال خلون من شهر ربيع الأول , وأدركتهما القيلولة ظهر يوم الثلاثاء بقديد . وهذا التحديد يثير الشك بصحة الرواية فضلًا عن ضعف الإسناد .لقد مضى الاثنان في الطريق الى المدينة وهما يحسان برصد المشركين لهما . قال أبو بكر:"أخذ علينا بالرصد فخرجنا ليلًا"

ــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت