فهرس الكتاب

الصفحة 178 من 205

الحمد لله المنفرد بالألوهية والصلاة والسلام على سيدنا محمد خير البرية.

قال الله تعالى: {إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا} (سورة التوبة 40) .

إخوة الإسلام، إنّ الماضي صفحات والتاريخ عبر وعظات وفي صفحات الماضي وعبر التاريخ المجيد السراج الذي يكشف للمستبصر الرؤية ويهديه سواء السبيل. وهجرة الرسول المباركة هي واحدة من تلك العبر والعظات. والأمة الإسلامية تمر اليوم بمرحلة من أدق مراحل تاريخها وهي لذلك أحوج ما تكون للاستفادة من دروس الهجرة المباركة وعبرها.

لقد كانت الهجرة إيذانا بأنّ صولة الباطل مهما عظمت وقوته مهما بلغت فمصيرها إلى الزوال ونهايتها إلى الفشل والبوار وإيذانا بأنّ الحق لا بد له من يوم يحطم فيه الأغلال وتعلو فيه رايته وترتفع كلمته.

ولئن كانت الهجرة المباركة حركة نوعية في تاريخ المنطقة ونقطة تحول في حياة الدعوة الإسلامية إلا أنه سبق تلك الهجرة الجسدية هجرة روحية عظيمة تمثلت بقبول المهتدين للدعوة المحمدية ودخولهم في دين الله وثبوتهم فيه على الرغم من الاضطهاد والتنكيل وكافة المحاولات لصرفهم عن دعوة الحق. بعد هذه الهجرة من الضلال إلى الإيمان ومن ظلام الجاهلية إلى نور الإسلام وبعد هجرة الأرواح التي تسامت عن التعلق بالدنيا وهجرت كل ما ألفت من عادات بغيضة وتقاليد بالية جاءت هجرة الصحابة إلى الحبشة ثم إلى المدينة لتشكل قمة العطاء والاستعداد للتضحية بكل شىء من مال وأهل وأرض في سبيل الله.

وجاءت هجرة الرسول بأمر من ربه عز وجل لتعلن نهاية عهد الاضطهاد والاستبداد وبداية فجر مشرق وعهد مجيد. ومن هناك من يثرب انبثق نور الدعوة قويا وضاء فبدد الظلم وجاز ما اعترضه من عقبات. وانطلقت كلمة الحق تحملها القوافل والركبان وتبشر بها أصوات الدعاة إلى الصلاة في كل أذان حتى أتم الله على المسلمين النعمة وجاب عنهم كل محنة ودخل الناس في دين الله أفواجا وأذن مؤذن الحق في أباء وعزة: الله أكبر الله أكبر جاء الحق وزهق الباطل.

لم تكن هجرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - هربا من المشركين ولا يأسا من واقع الحال ولم تكن هجرته - صلى الله عليه وسلم - حبا في الشهرة والجاه والسلطان فقد ذهب إليه أشراف مكة وساداتها وقالوا له: إن كنت تريد بما جئت به مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا وإن كنت تريد ملكا ملكناك إياه"ولكنّ النبيّ العظيم أسمى وأشرف من أن يكون مقصوده الدنيا والجاه والسلطان. ولم تكن هجرته التماسا للهدوء وطلبا للراحة فهو يعلم يقينا أنها دعوة حق ورسالة هدى لا بد أن يؤديها كما أمره الله وهو لهذا يقول لعمه أبي طالب حين أتاه يطلب منه الكف عن العرض لقومه وما يعبدون"والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله سبحانه وتعالى أو أهلك دونه"."

لقد كانت الهجرة في سبيل الله لإقامة صروح العدل والحق وبناء دولة الإيمان ونشر التوحيد في كافة أرجاء الجزيرة العربية بل في كافة أرجاء المعمورة.

وعندما وصل الرسول العظيم مع صاحبه الصديق أبي بكر إلى يثرب المدينة المنورة خرج المؤمنون من أهلها مرحبين بقدوم النبيّ الكريم وصاحبه الوفيّ واستبشروا بقدومهما وقدوم الأصحاب كل خير. وضرب هؤلاء مع إخوانهم المهاجرين أروع الأمثلة في التضحية والأخوة والتحابب والتباذل في الله. لقد جمعهم الإسلام ووحدتهم العقيدة وألّف النبيّ بين قلوبهم حتى صاروا على قلب رجل واحد لا يفرق بينهم طمع ولا دنيا ولا يباعد بينهم حسد ولا ضغينة. مثلهم كمثل البنيان المرصوص يشد بعضه بعضا، ومثلهم في وتوادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى.

لقد كان من المهاجرين من ترك الدار والمال والأهل والولد والمتاع ابتغاء مرضاة الله فماذا قدّم الأنصار؟ لقد استقبل الأنصار إخوانهم المهاجرين ومدوا لهم يد المساعدة والعون حتى كان الأنصاري يقسم ماله ومتاعه بينه وبين أخيه المهاجر. فماذا فعلنا نحن مع إخواننا المحتاجين والمهجرين والمعوزين.

إنّ الدروس المستفادة من الهجرة كثيرة ومن جملتها ضرورة الصبر على الشدائد والبلايا وكافة أنواع الظلم والاستبداد والصمود في وجه الباطل والثبات في ميدان الجهاد والكفاح والوقوف إلى جانب الحق في شجاعة وحزم وصرامة وعزم. وإنّ احتفالنا بهذه الذكرى في الظروف الحالية التي تمر بها الأمة يبعثنا على مضاعفة التضحية والفداء والمثابرة على نصرة الحق ومكافحة الباطل.

اللهم إنّا نعوذ بك من منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء ونعوذ بك من فتنة النّار وعذاب النّار.

ــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت