الدوحة - الشرق:
أكد الشيخ أحمد بن محمد البوعينين في خطبته بجامع صهيب الرومي بمدينة الوكرة أمس ان الهجرة النبوية غيرت وجه التاريخ، وأنها لم تكن هروبًا من أذى الكفار في مكة كما يعتقد البعض، وإنما كانت تأسيسا لدولة الإسلام التي أرسى قواعدها سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وقال الشيخ البوعينين في بداية خطبته متناولًا الأحداث التي ألمت بالهجرة إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما بُعث أُمِرَ بالتبليغ والإنذار بلا قتال فظل أربعة عشر عامًا يدعو الناس الى الاسلام من غير قتال فآمن به بعض الناس كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وبلال وغيرهم، وبقي على الكفر أكثر الناس وصاروا يؤذونه وأصحابه، فلمّا اشتد عليهم الأذى هاجر بعض أصحاب النبي الى الحبشة وكانوا نحو ثمانين منهم عثمان بن عفان وجعفر بن أبي طالب.
وأضاف أنه لما كثُر أنصار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيثرب أمر اللهُ المسلمين بالهجرة إليها فخرجوا أرسالًا، ثم هاجر النبي - صلى الله عليه وسلم - من مكة محلّ ولادته مع أبي بكر الصدّيق بعد أن أقام في مكّة منذ البعثة ثلاث عشرة سنة يدعو الى التوحيد ونبذ الشرك. ولم تكن هجرة النبي - صلى الله عليه وسلم - حبًّا في الشُهرة والجاه والسلطان فقد ذهب اليه أشراف مكّة وقالوا له: إن كنت تريدُ بما جئتَ به مالًا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرَنا مالًا، وإن كنتَ تريدُ مُلْكًا ملّكناكَ إيّاه ولكنَّ النبي العظيم أسمى وأشرف من أن يكون مقصوده الدنيا.
ولهذا كان يقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لعمّه أبي طالب حين أتاه يطلب منه الكفّ عن التعرّض لقومه وما يعبدون: «والله يا عمّ لو وضَعُوا الشمسَ في يميني والقمرَ في يَساري على أن أترك هذا الأمر ما تركتُه حتى يظهرَه اللهُ سبحانه وتعالى أو أهْلِكَ دونه» .
وبالنبي - صلى الله عليه وسلم - اقتدى الصحابة الأجلاّء فقد خرج عمر بن الخطاب رضي الله عنه من مكة مع أربعين من المستضعَفين في وضح النهار ممتشقًا سيفه قائلًا لصناديد قريش بصوت جهير: «يا معشر قريش من أراد منكم أن تفصَل رأسه أو تثكله أمّه أو تترمَّل امرأته أو ييتّم ولده أو تذهب نفسه فليتبعني وراء هذا الوادي فإني مهاجر الى يثرب» ، فما تجرأ أحد منهم أن يحول دونه ودون الهجرة.
وواصل في سرد أحداث الهجرة قائلًا: إنَّ المشركين كانوا قد أجمعوا أمرهم على قتل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجمعوا من كلّ قبيلة رجلًا جلدًا نسيبًا وسيطًا ليضربوه ضربة رجل واحد حتى يتفرق دمه في القبائل، فأتى جبريلُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - فأمرَه أن لا يبيت في مضجعه الذي كان يبيت فيه وأخبره بمكر القوم وأنزل الله تعالى «وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ» (الأنفال: 30) .
فدعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليَّ بنَ أبي طالب فأمره أن يبيت على فراشه ويتسَجّى ببُرْدٍ له أخضر ففعل، ثمّ خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على القوم وهم على بابه ومعه حُفنة تراب فجعل يذرّها على رؤوسهم، وأخذ الله عز وجلّ بأبصارهم عن نبيّه، وهو يقرأ «يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ» الى قوله «فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ» (سورة يس) فلما أصبَحوا فإذا هم بعليّ بن أبي طالب فسألوه عن النبي فأخبرهم أنّه خرج فركبوا في كلّ وجه يطلبونه وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد سار مع أبي بكر رضي الله عنه حتى وصلا الى غار ثور فدخلاه، وجاءت العنكبوت فنسجت على بابه، وجاءت حَمامة فباضت ورقدت، فلما وصلَ رجال قريش الى الغار قال أبو بكر الصديق: يا رسول الله لو أن أحدَهم ينظر الى قدميه لأبصرنا تحت قدميه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا أبا بكر ما ظنُّكَ باثنين الله ثالثهما» .
وركز الشيخ البوعينين على قضية المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، وكيف حققت هذه المؤاخاة أساس المجتمع المسلم بالمدينة، مبينا أنه لما سلّم الله نبيّه الكريم من شرّ المشركين فوصل الى المدينة المنورة ومعه صاحبه فاستقبله المؤمنون بالفرح واستبشروا بقدومه، وسمّى الرسول يثرب بالمدينة المنورة وآخى بين أهلها والمهاجرين، وسمّاهم الأنصار، وبنى مسجده ومساكنه.
وقد استقبل الأنصار إخوانهم المهاجرين ومدّوا لهم يد المساعدة والعون حتى كان الانصاري يقسِم ماله ومتاعه بينه وبين أخيه المهاجر.
فحَرِيٌّ بنا أن نقتدي بهؤلاء الأفذاذ من الناس الذين عرفوا معنى الأخوّة الحقيقي فأيّدهم الله بنصره.
وعندما دخل النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة وكانت كل قبيلة تتنازع لأخذ زمام ناقة النبي - صلى الله عليه وسلم - ويقول النبي - صلى الله عليه وسلم - «دعوها فإنها مأمورة» وأول شيء فعله بناء المسجد...
وتناول في خطبته الثانية الفوائد والعبر والدروس المستفادة من الهجرة قائلا: إنَّ في هجرة النبي - صلى الله عليه وسلم - فوائد وعِبَر وإنَّ من أخبار الهجرة قِصّةُ سُراقة بن مالك ابن جُعْشم المُدلجيّ الذي لحق النبي على فرسٍ له وكان قفّاء يتبع الأثر فرءاه أبو بكر رضي الله عنه فقال لرسول الله «هذا الطّلَب لحقنا» فقال - صلى الله عليه وسلم - لصاحبه أبي بكر: «لا تَحزن إنَّ الله معنا» فلمّا دنا سُراقة ساخت به قوائم فرسه الى ركبتيه في أرض صلبة، فنادى سُراقة «يا محمد ادع الله أن يخلّصني ولك عليَّ لأعمينَّ على من ورائي» فدعا له فخلص، ثم أخبره سُراقة بما ضمِنَه له قومه عند ظفره به. ثم تركهم ورجَع ولم يُسْلِم حينها مع أنّه رأى هذه المعجزة العظيمة لأنَّ الله ما شاء له أن يُسْلِم في ذلك الوقت ولكنَّ الله تعالى شاء له أن يكون من أهل السعادة فأسلَم عامَ الفتح.
ــــــــــــ