القرار: هو الموجه للجماعة ، والآمر الناهي فيها ، وبموجبه: تتحدد السياسات ، وتوضع البرامج ، وتنفذ الخطط ، وتتحقق الغايات ، وتتقدم الدول ، ويرتفع شأنها ، خاصة: إذا انبثق عن دراسة وتشاور ، وتولد عن خبرة ودراية ، وصدر عن حكمة وتعقل .
وبدونه: تتشعب الأهواء ، وتتفرق السبل ، وتتخبط السياسات ، وتتعطل المصالح .
ولذلك . . ! !
لابد منه أولا .
ولابد من طاعته وتنفيذه ثانيا .
والقيادة هي صاحبة القرار . . ! !
لأنها: صاحبة الرؤية الشاملة ، والإحاطة الواسعة ، والنظرة الثاقبة .
وعلى جنود الصف الاقتناع بما تراه القيادة ، والتسليم بما تقدره ، والتنفيذ الفوري لما تأمر به ، ما دام قرارها قد سلم من أمر بمعصية ، أو نهي عن معروف .
في الروض الأنف:"وبعد بيعة العقبة الثانية . . قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للأنصار: ارفضوا إلى رحالكم ، فقال له العباس بن عبادة بن نضله: والله الذي بعثك بالحق ، إن شئت لنميلن على أهل منى غدا بأسيافنا ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لم نؤمر بذلك ، ولكن ارجعوا إلى رحالكم ، فرجعنا إلى مضاجعنا ، فنمنا عليها حتى أصبحنا""48"
وكان هذا أمرا واضحا لدى الصحابة في البدء والمنتهى .
في البداية . . يقول له:"إن شئت لنميلن"أي أنت يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صاحب القرار المطاع .
وفي النهاية . . يقول:"فرجعنا إلى مضاجعنا"دون مناقشة للقرار ، أو تباطئ في تنفيذه
وهذا واحد من أسباب ووسائل نجاح القيادة: وهو علم الجنود التام الواعي بحق القيادة في اتخاذ القرار ، ومسارعة الجنود في تنفيذ هذا القرار ، دون اعتراض عليه ، أو تشكيك فيه ، أو تأخر في تنفيذه .
وهذه الطاعة: واحدة من الفروض الشرعية ، التي أمر بها الإسلام ، وكفلها للقيادة ، وحث عليها الجنود ، وأثابهم إذا التزموا بها .
( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ) "70"
وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"من أطاعني: فقد أطاع الله ، ومن عصاني: فقد عصى الله ، ومن أطاع أميري: فقد أطاعني ، ومن عصى أميري: فقد عصاني""71"
وأخرجا _ أيضا _ عن عبد الله بن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية ، فإذا أمر بمعصية: فلا سمع ولا طاعة""72"
وأخرجا _ كذلك _ عن عبد الله بن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"من كره من أميره شيئا فليصبر ، فإنه ليس أحد يفارق الجماعة شبرا فيموت: إلا مات ميتة جاهلية""73"
وكان ذلك كله: لأن القرار بيد القيادة ، ولو لم يكن الأمر كذلك لعمت الفوضى ، وضاعت المسئولية .
وبسبب غياب هذا المفهوم أحيانا ، أو غياب العلم بمنزلته في الدين: يدب الغبش في النفوس ، ويخيم التخبط على العقول ، وتظهر بوادر الفتن .
وبسبب منازعة الأمر أهله أحيانا ، أو التطلع إلى مواقع الصدارة ، وأماكن القيادة: يدب الحقد في النفوس ، ويخيم الفساد على العقول ، وتظهر بوادر الفتن .
وإذا حدث هذا أو ذاك: تشتتت الفهوم ، وتبعثرت القوى ، وضعفت الجماعة ، وتمزقت الصفوف ، وتعددت الجماعات ، وكثرت الاتهامات ، وقلت الإنجازات ، وابتعد النصر .
وبذلك: ندرك السر فيما ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من أنه قال:"إذا بويع لخليفتين: فاقتلوا الآخر منهما"74
وفيما ورد عنه أيضا"من بايع إماما فأعطاه صفقة يده ، وثمرة قلبه ، فليطعه ما استطاع ، فإن جاء آخر ينازعه: فاضربوا رقبة الآخر""75"
وما ذلك كله . . إلا للحرص على:
وحدة القيادة .
ووحدة القرار .
ووحدة الصف .
ووحدة الأمة .
وما من تمزق تعاني منه الآن: إلا بسبب من غياب هذا المفهوم ، أو عدم تسليم به .
ــــــــــــ