حدث الهجرة
بعد النجاح الذي حققته الهجرة الأولى والثانية إلى الحبشة،وبرغم الاضطهادات التي تعرض لها الصحابة منذ فجر الإسلام، جاءت الهجرة النبوية إلى المدينة، لتكون منطلقا للدعوة الإسلامية، أسست لمرحلة جديدة وجدت فيها الدعوة أرضا خصبة، بعد أن لم يتأت لها ذلك بين جبال مكة .
طلائع الهجرة النبوية إلى المدينة
بعد أن تمت بيعة العقبة الثانية، وتمكن الإسلام من وضع اللبنة الأساسية لوطنه في يثرب، دعا النبي عليه الصلاة والسلام مسلمي مكة وأذن لهم بالهجرة إلى المدينة وقال:"إن الله قد جعل لكم إخوانا ودارا تأمنون بها"1 فخرجا أرسالا وأقام النبي بمكة ينتظر أن يأذن له ربه في الخروج، وكان أول مهاجر إلى المدينة أبو مسلمة بن عبد الأسد، وبعد شهرين من بيعة العقبة، لم يبق في مكة من المسلمين إلا النبي وأبو بكر وعلي، ومن منعه المشركون من الخروج.
ولم يهاجر أحد من الصحابة إلا مستخفيا، غير عمر بن الخطاب الذي خرج أمام الملأ ... وقد كان أبو بكر يستأذن النبي عليه الصلاة والسلام في الهجرة فيقول له: لا تعجل لعل الله يجعل لك صاحبا، فطمع أبو بكر أن يكون النبي ذلك الصاحب، فاشترى لذلك راحلتين وجهزهما استعدادا للهجرة.
تآمر قريش على قتل رسول الله ص
ولما رأت قريش أن محمدا قد صار له شيعة وأنصار في يثرب، وأن من آمن به من أهل مكة قد خرجوا إليهم وعرفوا أنه لاحق بهم لا محالة، فاجتمعوا في دار الندوة، وتشاوروا في حبسه أو نفيه فاقترح عليهم"أبو جهل"قتل النبي - صلى الله عليه وسلم - بطريقة تمنع عشيرته من الثأر من قاتليه، وذلك بان تختار كل قبيلة شابا جلدا ذا نسب، ثم يعطى كل واحد منهم سيفا صارما، ثم يعمدون إليه فيقتلونه جميعا. فيفرق دمه في القبائل، ولا يقدر أهله على محاربتهم جميعا، ويرضون عندئذ بالدية. ولما تم اتخاذ القرار الغاشم بإعدامه - صلى الله عليه وسلم - نزل جبريل بأمر مدبر حكيم، فأخبره بمؤامرة أكابر قريش، وان الله قد أذن له في الخروج، وقال له:"لا تبت هذه الليلة في فراشك الذي كنت تبيت فيه".
الخبر يصل إلى أبي بكر
قال ابن إسحق: حدثني من لا أتهم عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان لا يخطئ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يأتي بيت أبي بكر أحد طرفي النهار، حتى إذا كان اليوم الذي أذن فيه لرسول الله بالهجرة والخروج من مكة، أتانا بالهاجرة في ساعة كان لا يأتي فيها، فلما رآه أبو بكر قال: ما جاء رسول الله عليه الصلاة والسلام هذه الساعة إلا لأمر حدث2 فلما تم الاتفاق على متى وكيف الخروج، قال أبو بكر: يا نبي الله أن هاتين راحلتان قد أعددتهما لهذا الغرض، ثم استأجر دليلا اسمه عبد الله بن أريقط، ليدلهما على الطريق.
نجاته عليه الصلاة والسلام من مكر الماكرين
رجع النبي عليه الصلاة والسلام إلى بيته، حتى إذا كانت عتمة الليل، اجتمع فتيان قريش على باب بيته يترصدونه حتى ينام ليقتلوه، فلما رأى عليه الصلاة والسلام مكانهم، أمر عليا أن ينام على فراشه وأخبره أنه لن يصل إليه أي مكروه، وأمره برد الودائع للناس، حيث كان أهل المدينة يضعون عنده ودائعهم، لما يعرف عنه من صدق وأمانة.
الرسول وأبو بكر في الغار
خرج النبي عليه الصلاة والسلام، وشباب قريش بالباب يترصدونه، فأخذ حفنة تراب وجعله على رؤوسهم وهو يتلو قول الله عز وجل: يس والقرآن الحكيم...إلى فأغشيناهم فهم لا يبصرون3، ثم انصرف فلم يروه، واتى أبا بكر فخرجا ليلا من خوخة في ظهر بيت أبي بكر، حتى لا يراهما أحد، وسلكا طريقا غير معهودة، وما يزالا يسيران في ظلمة الليل بين الرمال والصخور حتى وصلا غار ثور، فدخلاه، وكان قد دخل أبو بكر أولا، ليتأكد من خلوه من الهوام والمؤذيات، وكان عبد الله بن أبي بكر يأتيهما بأخبار قريش، وما يسمعه منهم بشأنهما، كما كان عامر بن فهيرة مولى أبي بكر يأتيهما بلبن من غنمه4.
المشركون يبحثون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
وهكذا، يطلع النهار فيكشف كفار قريش أن محمدا قد نجا، وأن الذي كان على فراشه هو علي بن أبي طالب، فداءا وإخلاصا له عليه الصلاة والسلام، فكان ذلك مفاجأة لهم ، فحددوا مكافأة سخية لمن يرده عليهم، فينطلق الطامعون في البحث عنه حتى يصعدوا الجبل الذي لجأ إليه عليه الصلاة والسلام وصاحبه، ويمرون على باب الغار الذي دخلاه، فتحاذي أرجاهم مدخل الغار ولا يرونهما، حفظا من الله عز وجل لهما، فيقول أبو بكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لو أن أحدا نظر إلى موطئ قدميه لأبصرنا، فيجيبه عليه الصلاة والسلام: يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ لا تحزن إن الله معنا.
خروجهما من الغار
بعد ثلاث ليال في الغار خرجا، خرج النبي عليه الصلاة والسلام وصاحبه من الغار، بعد أن يئس المشركون من الوصول إليهما، ثم أتاهما الدليل بالراحلتين وسلكا بهما طريقا غير معهودة، من ناحية الساحل قاصدين يثرب، وانطلق سراقة يطاردهما لعله يحظى بالجائزة، ولما رأى أبو بكر فارسا مدججا بالسلاح يقترب منهما، أفزعه ذلك، أما النبي عليه الصلاة والسلام فسار سيرا عاديا مطمئنا، لا يفتر عن قراءة القرآن والدعاء، وبينما كان سراقة يجد السير ويقترب منهما، إذ كبت به فرسه وساخت قوائمها حتى الركب في الأرض وألقته بعيدا، هنا تطير سراقة وأدرك أنه فاشل في محاولته، فطلب من النبي عليه الصلاة والسلام أن يكتب له كتاب أمن يكون آية بينهما، فأمر النبي عليه الصلاة والسلام عامر بن فهيرة فكتب له هذا الكتاب، فأخذه وعاد أدراجه، وأخذ يضلل من يطاردون رسول الله صلى الله عليه وسلم.
بناء مسجد قباء
قال بن إسحاق: نزل النبي عليه الصلاة والسلام في بني عمرو بن عوف يوم الإثنين، وأسس مسجده، وأخرجه الله من بين أظهرهم يوم الجمعة، فأدركت رسول الله عليه الصلاة والسلام الجمعة في بني سالم بن عوف، فصلاها في المسجد الذي في بطن الوادي، فكانت أول جمعة صلاها في المدينة5. ومن الملاحظ أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يذكر في خطبته أهل مكة ولا ما كان من عنادهم، وهدا في الواقع غاية الأدب ومنتهى ما يصل إليه حلم الحليم، وصدق الله عز وجل إذ يقول: « وإنك لعلى خلق عظيم» .
النبي - صلى الله عليه وسلم - في يثرب
بعد أن أدى عليه الصلاة والسلام صلاة الجمعة، تابع سيره حتى وصل يثرب، فخرج أهلها لاستقباله، وهم يقولون: الله أكبلا جاء رسول الله، وكان ذلك يوما مشهودا بالبهجة والفرح لم تكتحل المدينة برؤية مثله في تاريخها، وقد طمع كل صاحب بيت أن يقيم النبي عليه الصلاة والسلام عنده، لكنه ألقى لناقته خطامها تمشي على هواها، وقال للحشود: دعوها فإنها مأمورة، ومضت حتى وصلت إلى مربد، قبالة منزل أبي أيوب الأنصاري، وهناك بركت، وكان المربد لغلامين يتيمين، فاشتراه عليه الصلاة والسلام من وليهما، وشيد فيه مسجده ونزل عليه الصرة والسلام في ضيافة أبي أيوب الأنصاري ريتما يبني بيته بجوار المسجد، فكان دخوله عليه الصلاة والسلام إلى المدينة صباح خير في تاريخها.
أولى أعماله عليه الصلاة والسلام
لما قدم عليه الصلاة والسلام المدينة، كان أول عمل قام به هو إقامة الأسس الهامة لبناء دولة إسلامية، والمتمثلة فيما يلي:
أولا: بناء المسجد المعروف اليوم بالحرم النبوي.
ثانيا: المؤاخاة بين المسلمين عامة، والمهاجرين والأنصار خاصة، قال ابن اسحق: وآخى رسول الله عليه الصلاة والسلام بين أصحابه من المهاجرين والأنصار فقال،: فما بلغنا: تآخوا في الله أخوين أخوين ثم أخذ بيد علي بن أبي طالب، فقال: هذا أخي.
ثالثا: كتاب وثيقة"دستور"قال ابن اسحق: وكتب عليه الصلاة والسلام كتابا بين المهاجرين والأنصار وادع فيه يهود وعاهدهم وأقرهم على دينهم وأموالهم وشرط لهم واشترط عليهم6.
وهكذا تم على أساس العقيدة إنشاء نواة دولة جديدة ستتطور لتصبح نواة أمة عظمى.
قال تعالى: «لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه» 7.
الفهرس:
1-سيرة ابن هشام بشرح الروض الانف ج 2/ ص 153
2-سيرة ابن هشام بشرح الروض الانف ج 2/ 292
3-يس 9
4-السيرة النبوية لأبي شهبة 1/477
5-سيرة ابن هشام بشرح الروض الانف ج 2/ 332
6-سيرة ابن هشام بشرح الروض الانف ج 2/ 332
7-يوسف
ــــــــــــ